تأسست جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928، فكانت أكبر حركة إسلامية شعبية في العصر الحديث، جمعت بين الدعوة والتربية والعمل السياسي والجهاد ضد المستعمر.
قاتلت الاحتلال البريطاني في القنال وفي فلسطين، ورفعت راية «الإسلام هو الحل» في زمن كان فيه الاستعمار يفرض علينا أن الحل هو إما الغرب أو الموت.
وكان ذلك بشهادة الملك فيصل بن عبد العزيز- رحمه الله -، الذي قال: الإخوان أبطال جاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم.
هذه الجماعة، التي انتشرت في العالم كله، من المحيط إلى الخليج إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا، ودون أن تُسجَّل عليها عملية إرهابية واحدة باسم الجماعة نفسها في تاريخها الطويل، أصبحت اليوم هدفاً لدفن أعضائها أحياء.
في عام 2011، حينما أسقطت ثورة يناير ديكتاتوراً ظل يحكم مصر ثلاثين سنة، وشاركت جماعة الإخوان في الثورة منذ ساعاتها الأولى. وعندما أُجريت أول انتخابات برلمانية حرّة ونزيهة في تاريخ البلاد، فاز الإخوان بأغلبية ساحقة في البرلمان بغرفتيه، الشعب والشورى، ثم فاز مرشحهم الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية.
في تلك اللحظة بالذات اكتشف العالم أن الإسلاميين قادرون على الحكم بالصندوق لا بالسيف، وأن ملايين البشر لا يزالون يختارون «الإسلام هو الحل» حتى بعد قرن من الحروب وحياكة المؤامرات والدسائس ضدهم. هنا بدأ الخطر الحقيقي.
فالإخوان لم يكونوا يوماً خطرين لأنهم يحملون السلاح، بل لأنهم يحملون فكرة: أن الأمة تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها، وأن فلسطين قضية مركزية لا يجوز التفريط فيها، وأن التطبيع مع الكيان الصهيوني خيانة دينية ووطنية، وأن الأسرة والأخلاق والقيم ليست سلعة تُباع في سوق العولمة، وأسواق النخاسة وعالم اللذات المحرمة.
هذه الفكرة وحدها كانت كافية لتحشد العالم كله ضدهم. بدأت الحملة من داخل مصر بأموال خليجية ودعم أقليمي شيطاني ورضى غربي تام، ثم انقلاب عسكري دموي في يوليو 2013، ثم تصنيف الجماعة إرهابية في مصر والسعودية والإمارات والبحرين.
وبعد ذلك بدأت الضغوط على واشنطن لتتبع الخطوة نفسها.
حاول ترامب ذلك في ولايته الأولى فاصطدم برفض وزارة الخارجية والـCIA والبنتاغون، لأن التقارير الأمنية كانت تقول بوضوح: الإخوان ليسوا تنظيماً إرهابياً، وتصنيفهم سيخلق فوضى في عشرات الدول. لكن الضغط الصهيوني لم يتوقف، والمال الخليجي لم يتوقف، والخوف من عودة النموذج الديمقراطي الإسلامي لم يتوقف.
في نوفمبر 2025، ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يعلن أن أول قراراته الكبرى في الشرق الأوسط هو تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية.
وفي اللحظة نفسها يخرج نتنياهو ليبارك ويشكر، وتخرج أبوظبي والرياض والقاهرة لتحتفل، ويهرع حاكم تكساس ليُعلن أن ولايته سبقت الجميع في التصنيف.
كل هذا الاحتفاء لأن الجماعة التي لم تقتل خصاً واحداً بغير حق طوال تاريخها، ولم تفجّر نادياً أوملهي في الغرب ، أصبحت فجأة «أخطر» من داعش والقاعدة مجتمعتين.
الحقيقة بسيطة وقاسية: الإخوان ليسوا مطلوبين لأنهم إرهابيون، بل لأنهم الشاهد الوحيد الباقي على أن الأمة يمكن أن تقول «لا» للهيمنة الأمريكية والصهيونية وللتطبيع المذل، ويمكن أن تفوز في صندوق الاقتراع، ويمكن أن تحكم باسم الإسلام وتبقى على قيد الحياة. لذلك يجب دفنهم أحياء، وتجريم كل من ينتمي إليهم أو يتعاطف معهم، وشيطنة كل من يرفض الدين الإبراهيمي الجديد والشذوذ المقدَّس والنسوية الممّوَّلة. إنها ليست معركة ضد جماعة، إنها معركة ضد فكرة: فكرة أن هذه الأمة لا تزال تملك إرادتها، وأن فلسطين لا تزال قضيتها، وأن الإسلام لا يزال قادراً على أن يكون هو الحل.
من يريد أن يقتل هذه الفكرة عليه أن يبدأ بقتل الإخوان، لأنهم – ببساطة – آخر من يحملها بصوت عالٍ في زمن الخنوع الكبير والإنكسار
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات