د. عز الدين الكومي يكتب : هل بات ضمّ الضفة الغربية أمرًا واقعًا؟

في خطوة استيطانية توسعية تكرّس منطق الغلبة والقوة، دعا رئيس الكنيست الإسرائيلي “أمير أوحانا” – الشاذ جنسيًا، الذي يعيش مع رجل آخر قد يكون “زوجه” أو “زوجته” لا ندري – وتبنّى معه طفلين توأمين، ونشر صور “العائلة الشاذة” على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهر أمير مع “شريك حياته” وهما يحتضنان “طفليهما”… دعا مع عدد من الوزراء الصهاينة المتطرفين، رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى الشروع الفوري في ضمّ الضفة الغربية المحتلة، بزعم أن “يهودا والسامرة” أراضٍ إسرائيلية منذ الأزل.
وليس مستغربًا هذا المنطق المعكوس الذي يحكم العقلية الصهيونية؛ فمن جاؤوا حفاةً عراة من بولندا وهنغاريا وشرق أوروبا، لا يحملون في حقائبهم سوى خرافات توراتية، يرون اليوم أن فلسطين بكاملها – من البحر إلى النهر – ملكٌ تاريخي لهم، بينما أهل الأرض الأصليون، في نظرهم، “دخلاء” أو “غرباء”، يجب أن يُقتلوا أو يُرحَّلوا! ولا مشكلة لدى من يمارسون “الهولوكوست” الحقيقي في غزة تحت سمع وبصر العالم!
وفي ظل صمت عالمي، وغياب ردع حقيقي، وتخاذل عربي لا يرقى حتى إلى مستوى المجاملة السياسية، يمارس نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة البلطجة السياسية في أحطّ صورها.
الأمم المتحدة قالت كلمتها مرارًا:
الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة “غير قانوني” بموجب القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وأبرزها القرار 2334 الصادر عام 2016، والذي يصف المستوطنات بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي” و”عقبة رئيسية أمام حل الدولتين”. لكن إسرائيل، التي اعتادت التمرد على القانون الدولي، تضرب بهذه القرارات عرض الحائط، مستندة إلى دعم أمريكي مطلق، لا سيّما في عهد دونالد ترامب، الذي أعاد الروح إلى مشاريع الضمّ والتهويد، واعترف بالقدس عاصمة للاحتلال، وشرعن الاستيطان في الضفة، ومهّد الطريق لما سمِّي بـ”صفقة القرن”.
واليوم، تحاول حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة انتهاز فرصة عودة ترامب المحتملة إلى البيت الأبيض لفرض سيادتها على الضفة الغربية كأمر واقع، وتعتقد أن الوقت قد حان لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية، في ظل عجز المجتمع الدولي عن كبح جماحها، وانعدام أي معارضة جدية من واشنطن.
وكان نتنياهو قد صرّح صراحة بأنه أخبر ترامب: “يجب، عندما يتقلد منصبه مجددًا، إعادة إمكانية السيادة على الضفة الغربية إلى الأجندة”. كما صرّح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأن “حقبة ترامب الجديدة هي الوقت المناسب لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة”.
ولم يكن ترامب في ولايته الأولى سوى أداة طيّعة بيد اللوبي الصهيوني، إذ لم يكن هناك رئيس أمريكي أكثر منه حرصًا على تأمين “شرعية” الاحتلال، بدءًا من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، مرورًا بالاعتراف بالسيادة على الجولان، وانتهاءً بمشروع “صفقة القرن”.
ولا ننسى اليوم وعود ترامب لِـ “مريام أديلسون”، أرملة الملياردير الصهيوني “شلدون أديلسون”، والتي قدّمت دعمًا ماليًا ضخمًا لحملته الانتخابية لعام 2024، يُقدّر بمئة مليون دولار، مقابل وعد واضح وصريح: إعلان ضمّ الضفة الغربية لإسرائيل.
أما العرب، فكعادتهم، أدانوا تصريحات أوحانا ورفاقه، واستنكروا نوايا الضمّ، ودعوا – ببرود دبلوماسي – المجتمع الدولي إلى “تحمّل مسؤولياته”. وكأن هذا “المجتمع الدولي” لا يزال على قيد الحياة! والحقيقة أنه ميت إكلينيكيًا، لا يتحرك إلا لحماية مصالح الكبار.
لو أن العرب دعموا خيار المقاومة حقًا، لما تجرأت إسرائيل على فرض أجندتها وابتلاع ما تبقى من فلسطين في وضح النهار. لكن أقصى ما تفتّق عنه “الذهن العربي” بعد لاءات الخرطوم كان شعار “الأرض مقابل السلام”. فلا هم حافظوا على الأرض، ولا هم نالوا السلام! بل لا يزالون يعيشون على وهم “حل الدولتين” الذي ترفضه إسرائيل شكلاً وموضوعًا.
لابد للعرب أن يدركوا أن القضية لم تعد مجرد احتلال، بل مشروع استيطاني استئصالي. وأن الردّ لا يكون بالبيانات، بل بالمواقف الفعلية، والتحرك السياسي والإعلامي والشعبي على كل المستويات.
فلسطين ليست قضية الفلسطينيين ولا العرب وحدهم، بل بوصلتنا جميعًا. وكل يوم تتأخر فيه الأمة عن مواجهة مشاريع التهويد، هو خطوة جديدة في طريق ضياع ما تبقى من الأرض والهوية.
لكن السؤال الأهم: هل يمكن لإسرائيل، التي اعتادت كسر القانون الدولي، أن تصغي يومًا إلى المجتمع الدولي؟
التجربة تقول: لا. فالكيان الصهيوني لا يحترم إلا من يفرض عليه الاحترام، ولا يخشى إلا من يملك أوراق الردع. أما الإدانات اللفظية والشجب الموسمي، فليست سوى وقود لغروره واستمراره في توسيع مشروعه الاستيطاني.
إن نوايا الضمّ المعلنة اليوم ليست طارئة، بل هي استكمال لمشروع بدأ منذ اللحظة الأولى للاحتلال، وتدعمه منظومة سياسية وأيديولوجية ترى أن السيطرة الكاملة على “أرض إسرائيل الكبرى” هي غاية لا بدّ منها، بصرف النظر عن كل المواثيق الدولية.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …