حدّثني الأستاذ أبو ماجد محمد عبد الرحمن خليفة، المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين في الأردن رحمه الله، أنّه بينما كان يعود يوماً أحد أولاده في المستشفى الطلياني بعمّان من مرض ألمَّ به، هو وأخوه الأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة رئيس المجمع العلمي الآن، قال : قلتُ – متأوّهاً، وأنا أنظر إلى ولدي يعالجه طبيب أجنبي، ويوضع تحت أجهزة في هذا المستشفى التبشيري – : متى يكون لنا في الأردن مستشفى وطني إسلامي، نعالج فيه أولادنا وأولاد وطننا بحريتنا واستقلالنا، بعيداً عن خدمات هذه المستشفيات التبشيرية التي تدسّ السم في الدسم، وهي تقدم خدماتها لأبنائنا ؟! قال، فقال أخي عبد الكريم – مستغرباً هذه الأمنية في وقت ضيق ننتظر فيه شفاء ابننا بفارغ الصبر، وهو ما يعنينا هنا – : (إحنا بيش وإنتَ بيش) ؟! ومع ذلك فقد بقيتْ هذه الأمنية الطيبة في بال مراقب الإخوان حيَّةً حتى قام هو ومجموعة من إخوانه ولفيف من كرام أبناء الوطن بإنشاء المستشفى الإسلامي الكبير الذي يُعدّ أحد ثلاثة مستشفيات طبية ذات مستوى متميز لا في الأردن وحده بل في المنطقة كلها هي هذا المستشفى ومستشفى الجامعة الأردنية ومستشفى المدينة الطبية .
أجل، إن الإخوان المسلمين في أي قطر من أقطارهم يشغلهم ويسيطر على تفكيرهم على الدوام خدمة وطنهم ورؤيته حرّاً يملك إرادته ومستقلاًّ لا يد لغيره عليه ومكتفياً بحاجاته بذاته، دونما أدنى منٍّ أو فضل للآخرين عليه، ممن لا يدينون له بالولاء في أرض أو عقيدة أو تاريخ من مُبشّرين ومستشرقين ومستعمرين، فقد تربوا في دعوتهم – وهو من صميم دينهم – على حب أوطانهم وتفديتها بأرواحهم، وحب شعوبهم وتقديم مصالحها على مصالحهم، ولو لَقُوا من ذلك أشد أنواع العنت والمشقة . وما أقوله في هذه المقدّمة هو مما يمتُّ إلى عنوان المقال بسبب وطيد، وهو كلمات للمرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف – فرّج الله كربه وكبت قلوب آسريه – قالها لابنته الكريمة علاء وهي تزوره في السجن، وقد أُشيع أنه توفّي، فلما رأته وقد فرحَتْ بذلك وحمدت الله عليه، قال لها : (يا ابنتي أنا لا أخشى الموت، ولكنني خايف على مصر) !! وكأنني به يقول لها : الموت قدر الله ويا مرحباً به عندما يأتي فأنا لا أخشاه، ولكنني أخاف على مصر العزيزة أن تُلقِي بها السياساتُ الهوجاء والتصرفات الرعناء من بعض أبنائها الذين قبلوا أن يكونوا أدوات بيد أعداء الأمة من يهود وصليبيين وملاحدة، في مهبّ الريح، بل في المهاوي السحيقة .
إنها الوطنية الصادقة والأخلاق السامية والمبادئ الشريفة والإخلاص الأكيد هو ما يحتقبه الإخوان المسلمون تُجاه بلادهم ومواطنيهم مما أثبتته الأيام في هذا العصر الذي شهدت فيه ساحاتُ المشانق تعليق العديد من كرامهم على أعوادها فداءً لأوطانهم، أو الميادين العامة طلقات الرصاص تخترق أجسادهم الطاهرة وهم يتحرّكون للمطالبة بتحرير بلادهم من ظلم الغريب وخيانة القريب، أو زنازين السجون وأفنية المعتقلات رشَّ بعضهم بالأعيرة النارية وكأنهم صيد ثمين، وليس لهم من ذنب إلا حبُّ أوطانهم والتمسّك بدينهم . فهذا مرشدهم الأول البنا رحمه الله، يقول – في رسالة (دعوتنا في طور جديد) عادّاً الإخلاصَ لمصر وخدمتها المنطلقَ الأوّلَ فيما ينهض له من دعوة عالمية – : (إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة في الأرض التي نبتْنا فيها ونشأنا عليها، فكيف لا نعمل لمصر وخير مصر، وكيف لا ندفع عن مصر بكل ما نستطيع ؟! إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، وسنظل كذلك ما حيينا معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة) .
نعم، إنها التربية الوطنية الصافية التي تربّى عليها الإخوان المسلمون في كل البقاع . تلك التربية التي تنبثق من التربية الإيمانية الوثيقة . إنها الوطنية التي دفعت حسن البنا أن يقول لإخوانه المجاهدين في فلسطين – وقد سمعوا كيف تُغلِق الحكومة الملكية دورهم، وتعتقل رجالهم، وتُضيِّق على دعاتهم أشد التضييق – : (لا تسمعوا إلى ما يجري في مصر، ولا تنشغلوا به عما أنتم فيه من قتال اليهود . إن مهمتكم لا تنتهي وفي فلسطين يهودي واحد) !! إنها الوطنية النقية التي أجاب بها الأستاذ كامل الشريف باسم إخوانه المجاهدين – كما في كتابه : الإخوان المسلمون في حرب فلسطين وهم معتقلون في رفح، ويجازَوْن على جهودهم العظيمة في الحرب من الحكومة المصرية جزاء سينمّار – مندوبَ الجيش المصري سنة 1949م، وقد شعروا أن تجمعات يهودية تسعى للانقضاض على الجيش، عندما سأله : إن القيادة تُريد أن تعرف رأي الإخوان، لو قام اليهود بأعمال عدوانية، وهل في نيتكم التعاون معنا في صد هذا الهجوم إن وقع ؟! حيث قال له الشريف : (قولوا للقائد العام، إنّ الإخوان المسلمين يسعدهم دائماً أن يقفوا في صف الجيش في محنته، ذلك لأننا نؤمن أن هذا الجيش ملك الأمة وفلذة كبدها ونحن أحرص الناس على كرامة هذه الأمة وسمعتها) !!.
وهذا الأستاذ عاكف تلميذ حسن البنا وخليفته السابع على الإخوان الذي قطّ من عمره في الدعوة ما يُنيّف على سبعة عقود كوامل، ثابتاً صابراً، وهو في هذه السنين الطوال من منفى إلى منفى ومن معتقل إلى معتقل ومن إيذاء إلى إيذاء، ولكنه بقي رغم كل هذه الحرب الشرسة على الدعوة والدعاة كالأسد الهصور لا يهون ولا يستسلم . كل ذلك إيماناً منه بعظمة الإسلام وتفانياً في خدمة مصر وإشفاقاً على شعبها المظلوم ألا يُنافَح عنه أو يُناضَل، إذ هي الأنظمة المستبدة والحكام المتجبرون هنا وهناك، أولئك الذين اتخذوا من الفراعنة قُدواتهم، ففقدوا أدنى علائم الرجولة أو أضأل أمثلة الرحمة أو أقل أخلاق الآدمية، فلم يرعوا للرجل حرمة، وهو الذي أعد للجهاد في بطاح فلسطين العُدّة، وعرفته ضفاف القناة بجهاده وساحات الجامعة المصرية بتكوين فصائل المجاهدين لمدافعة الإنجليز على هذه القناة، فزجوا به في غياهب السجن بزنازنة انفرادية، وقد قارب التسعين من عمره دون أن يرحموا له شيخوخة، أو يُقدّروا له ما قدمه وإخوانه من خدمة لمصر التي أحبّها هو وإخوانه ولا يزالون، ودون أن يأبهوا لما فيه من ضُرٍّ قد يُودِي بحياته في معتقله بأية لحظة، ومع ذلك فهو لا يسأل عن هذا المصير ولا يخشاه، إنما يسأل عن وطنه العزيز مصر التي يخاف عليها أن تصبح في خبر كان، وقد استلمها الانقلابيون المؤتمرون بأمر أعداء الله فويل لهم ثم ويل من عذاب يوم شديد .
إي والله، إن هذا هو سمتُ الإخوان، دعاةٌ إلى الله وخدمٌ لشعوبهم وأوطانهم على المدى، بل حملةُ رسالةٍ لانقاذ البشرية جمعاء مما تعانيه، ولكنْ أنّى لشياطين الإنس والجن أنْ تُقدّر هذا، وقد أضحتْ جريمة الإخوان في كل عصر ومصر عند أعداء الحق كما يقول – الكاتب المصري المبدع شعبان عبد الرحمن – : (أنهم يقاومون الاحتلال الأجنبي ويكافحون دكتاتورية النظم المستبدة وفسادها وبيعها للوطن بثمن
بخس، فيكون الرد دائماً سجوناً ومعتقلات وقتلاً وتشريداً، وتلك بضاعة الطواغيت، لكنّ ذلك لن يوقف مسيرتهم ولن يوهن عقيدتهم ولن يُطفئ مشعل رسالتهم) .
وفي الختام سلامي إليك أخي الكبير، أيها البطل الهُمام الذي رأيتك مرتين قبل سنوات، فرأيتُ فيك والله الرجولة ممثلة بنبرات صوتك القوي وبقسمات شخصك المهيب . نعم رأيتك مرة في الكرك بمهرجان الأقصى وأخرى في المركز العام للإخوان بعمان، المغلق اليوم عن دعوة الخير بأمر من السلطات وأسفاه . إليك كرة وكرة التحية من أخيك في الأردن، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته …
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات