د. علي العتوم يكتب : قضية تغيير المناهج من جديد

يُفهم من كلام وزير التربية الأردني في دفاعه عن التّغيير الذي حصل على المناهج وأثار غضبةً هائلة في الأوساط المعنية أنّه يُعيد ذلك إلى أربعة أمورٍ هي : تقدير الرأي والرأي الآخر وإعمال سياسة التّشارك في المجتمع والقبول بالآخر واحترام المرأة .

وقد جاءت التطبيقات التي تخدم هذه الأغراض في هذا التّغيير مشوِّهةً للمناهج ومقزِّمة، وذلك بالتعدِّي على المعاني الدّينية والقيم الأخلاقية والموروثات الاجتماعية في الأمّة والعمل على التّهوين من قضاياها الكبرى أو نسيانها، ولا سيّما قضيّة فلسطين والسّعي للتطبيع مع اليهود, الغاصبين لديارنا, شئنا أم أبينا، أَعترفَ المسؤولون بذلك أم أنكروا. فالمسألة لا تحتاج إلى جدالٍ كبير أو مماحكةٍ طويلة، بَلْهَ إلى تلويحٍ بالتّهديد العقابي للمعارضين تارةً، أو برميهم بحمل أجنداتٍ خارجية أو معاداة البلد وعدم الانتماء الصّادق له تارةً أخرى! وما إلى ذلك من إطلاقاتٍ أو تلويحاتٍ لا تثبت في ميدان النّقاش الحرِّ أو الحوار الهادئ أو حتّى النّقد البنّاء.

فهل يعني القَبُول بالآخر عند هؤلاء المسؤولين من بعض معانيه، إلاّ أن تَسكُتَ عن اللّص أو المجرم والمعتدي وتقبل به رغم أنفك، مع أنّه قد يكون لم يكتفِ بالاعتداء على الآخرين البعيدين عنك كما هو شأنه، بل اعتدى عليك أنت نفسك وسرقك جهاراً نهاراً. وهو ما تؤيّده هذه المناهج في بعض مراحلها أو فصولها أو ترمي إليه على أقلّ تقدير، وإلاّ فما معنى – في مجال القضيّة الفلسطينية مثلاً، وهي قضيّة العرب والمسلمين المركزية، ولا سيّما نحن في الأردن – أن يُحذف من المنهاج الأسئلة التي تتحدث عنها وعن دور الأردن في دعمها، وحذف عبارة المجازر الصهيونيّة في الأرض المحتلّة، وهي واقعة وجارية كل يوم، والاستبدال بها عبارة “الممارسات الإسرائيليّة”, ومن ثمّ تغيير السؤال عن وسائل تحرير المسجد الأقصى بالسّؤال عن وصفه المغاير بل المناقض لمقصوده الأول الباحث عن طرق تخليصه من أسر اليهود المعتدين، كل المغايرة .

ثمّ ما معنى أن تحذف في المجال ذاته من المناهج قصيدة (يافا) للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ومطلعها قوله:

بيافا يوم حطّ بها الركابُ

   تمطّر عارض ودجا سحابُ

ومنها قوله :

لئن حُمَّ الوَداعُ فضقتُ ذرعاً

   به والتفّ مُهْجــَتِيَ الذّهابُ

فَمِنْ أهَلِي إلى أهْلِي رُجوعٌ

   وعَنْ وَطَنِي إلى وَطَنِي إيابُ

تلك التي تُذكِّر بيافا الحسناء المغتصبة وأّن واجب تحريرها من أيدي اليهود، مازال ديناً في عنق كلِّ عربيٍّ شهم ومسلمٍ غيورٍ لا يمحوه كرُّ الأيام ولا تقادم الأعوام.

    أوليس حقّاً أنّ من هذا القبيل الوبيل، أنْ يُحذف في الموضوع نفسه، السّؤالُ المتضمن لآية قرآنية وحديثٍ نبويّ وبيت شعرٍ للشّافعي تتحدّث عن كظم الغيظ والتّسامح والاستبدال بها أسئلة أخرى عن الأردن بلد التّسامح، وقيام الحضارات عبر التّاريخ عليه وكذلك الدّيانات جميعها، وأنّ في ذلك ارتكاب خطيئتين فاقعتين ومغالطاتٍ فاحشة! أمّا الخطيئتان فالأولى حذف أعظم النّصوص على الغرض المعنيّ من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وشعرٍ لسيّد الفصحاء؛ الشافعي رحمه الله، ولعلّ هذا هو المقصود، والاستبدال بها على الغرض عيْنِهِ تقريرات غير صحيحة, وهو نوعٌ ولا ريب من الإساءة إلى الإسلام، إذ يُسْتَبدَلُ الذي أدنى بالذي هو خير. أمّا أنّ الأردن بلد التّسامح فنعمْ، ولكنْ ليس بالسّكوت عمّا اغتصبه اليهود منه، وأمّا أنّ الحضارات والدّيانات في كلّ العصور قامت كلُّها على التّسامح، فمغالطةٌ كبيرةٌ تصل إلى درجة الافتراء والتّزوير للحقائق، إلا أنْ تكون الحضارة الإسلاميّة، وإلاّ فأين التّسامح في الحروب الصليبية مع إراقة دماء سبعين ألفاً من المسلمين في المسجد الأقصى، وفيما فعله التّتار ببغداد وإحراق كتبها وقذفها في النّهر وعرض الخليفة وذويه على السيف وقتلهم جميعاً، بل أين هو من محاكم التّفتيش في إسبانيا ومجازر قبية ونحّالين ودير ياسين وصبرا وشاتيلا وقانا وبقر بطون الحوامل في العصر الحديث؟! أليس كل ذلك يدعو إلى التّسامح المكذوب ويؤدي إلى التطبيع المعيب وبيع الأوطان والأديان بثمنٍ بخس؟ وإلاّ فأين الصدق والأمانة في الأحكام، وأين المروءة والشهامة في المواقف؟ أوليس التّسامح في الإسلام عن مقدرة، وإلاّ كان خضوعاً وخنوعاً؟

    وهل مسألة القول بالرأي والرأي الآخر ومن ثمّ القبول بهما في مجتمعنا أو مسألة التشارك فيه بين مختلف الفئات بعيداً عن التّعصّب، تعنيانِ من ضمن ما تعنيان حتّى يرضى واضعو المنهاج المغيّر أو مَنْ إليهم إلاّ أنْ لا نهتمّ بديننا أو نتجافى عنه، ولو مرحليّاً ومن ثَمَّ قد نتناساه أو نستخف به ونزدريه ونهوّن من شأن قيمنا الدّينيّة ورموزنا الإسلاميّة، وذلك بالتّقليل ولو تدريجياً من النّصوص القرآنية والحديثيّة وحتى الشعريّة المرموقة الدالّة عليها والممجّدة لها، ممّا يشي بتجفيفها ومن ثمّ محوها وإزالتها، حتى ولو كان ذلك بتغيير الأعلام ذات الدّلالة العظيمة في حضارتنا، سواءٌ أكانت لأشخاص أم لمدن وأقطار، مع الابتعاد عمّا تعنيه إلى أسماءٍ أو أعلامٍ جديدة لا دلالة ذات شأنٍ لها؟

 وهل تعني هذه المناهج الجديدة المعبوث بها إلاّ أنْ لا نكون مجتمعاً متميّزاً، بل مجتمعاً باهتاً لا لون ولا طعم ولا رائحة، يُنادَى فيه على بضاعةٍ من فكرٍ أو لغةٍ أو حضارة لا تصل في ميزان الحقّ إلى أرباع أو أثمان ما وصلت إليه حضارتنا التي سدنا بها العالم يوماً، والتي لم تكن إلاّ بفضل كتاب الله وسنّة رسوله، وهما المقصودان هنا في تجفيف المنابع بالدّرجة الأولى؟

    وهل نطمع حسب هذه المناهج الجديدة أنّنا إذا قبلنا بمعتقدات الآخرين سواءٌ أكانت سماوية أم أرضية، أن يقبلوا هم بمعتقداتنا فلا يعتدوا عليها بالاستهزاء أو الاستخفاف، أو لمزنا إذا نادينا بها أنّنا رجعيون أو ظلاميون أو إقصائيّون؟ بل هل يَسمَحُ لنا أبناءُ جلدتنا من الحكّام أن نطالب باحترامها في التّعامل الواقعي، بله أن نحكم بها, أم أنّ المسألة في حقيقتها هي إعطاء الحريّة للآخرين بالمناداةِ بما يعتقدون ولو بالكفر والإلحاد، مع وجوب سكوتنا عن ذلك إن لم تكن المطالبة بموافقتنا؟! أمّا نحن فإذا نادينا بما نعتقده فلسنا إلاّ مثيري فتنة وباعثي شغب وفوضى وذوي أجندات خارجيّة وغير منتمين. وعندها فمستحقّون للمحاسبة والمعاقبة. وهل احترام المرأة كما تطالب هذه المناهج الملعوب بها أن نترك لنسائنا الحبل على الغارب يفعلن ما يشأْنَ دونما أدنى سؤالٍ عن دعوة إلى الإيمان والتستر والتصوّن، ومن ثمّ ليكُنَّ في صورة النساء الكوافر أسماءً وأشكالاً وأخلاقاً ومعتقداتٍ، كلّ ذلك لنكون في عرف أصحاب الحداثة مقبولين عند أعدائنا ومواطنينا ممّن لا يدين بديننا.

 ألا إنّها للمؤامرةُ الخبيثةُ بالجهد الواصب وبمكر الليل والنّهار، وصدق الله العظيم : (إنّ هذا لشيءٌ يرادُ).

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …