نشر الدكتور خليل عليّان أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية، مقالاً بهذا العنوان في جريدة السبيل يوم الأحد بتاريخ (25/3/2018م)، فأحببتُ أنْ أُحاوره فيه وأُجيبه عن تساؤله الأخير، وأردّ عليه في بعض موضوعاته التي طرحها، وأذكر له السبب الذي لم يذكره من مظاهر إخفاق القومية العربية وأصحابها أو أسبابه.
يشمل مقال الدكتور عليان عدة نقاط بقدر تسع تتمثل مرتَّبةً بما يلي: المصدر الذي تأثرت به حركة القوميين العرب، وتعريف مَنْ هو العربي؟ ومَنْ أبرز رجال القومية العربية؟ ومكوناتِها، ومراحلها، ومبادئها، ومظاهر إخفاقها، وأسبابه. والنقطة الأخيرة وتتمثل في سؤاله: (لماذا نجحت الحركة الصهيونية التي أوجدت دولة إسرائيل من العدم في فلسطين بينما فشلت القومية العربية في تحقيق هذه الوحدة)؟!
يقول الدكتور في النقطة الأولى، وهي مصدر تأثرها ما نصه: (امتدادا لنشوء الدولة القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر بدأت حركة القوميين العرب وبشكل مبدئي في بداية القرن العشرين من القرن الماضي عام 1916م بالثورة على الأتراك). وفي الثانية يذكر ثلاثة معايير لِمَنْ هو العربي أحدُها النَّسَب. وهو أنّ العربي مَنْ يمكن إثبات نسبه إلى إحدى القبائل العربية في الجزيرة. وثانيها اللغة وهو أن العربي مَنْ كانت العربية لغته الأولى والثالث أنه المواطن في أي بلد تُمثِّل العربية إحدى لغاتها الوطنية أو الرسمية أو مَنْ هو عضوٌ في جامعة الدول العربية. والنقطة الثالثة وهي ذكر أبرز رجالها من مثل: عبد الناصر من مصر وميشيل عفلق وصلاح البيطار من سورية وسليمان النابلسي ونايف حواتمة من الأردن وجورج حبش وياسر عرفات ووديع حدّاد وعزمي بشارة من فلسطين ومعمّر القذافي من ليبيا وابن بِلّة وأبو مدين من الجزائر وعبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن وصدّام وأحمد حسن البكر من العراق.
أما النقطة الرابعة في مكونات القومية العربية فتشمل كما ذكر: (ناصريين ويساريين وماركسيين وبعثيين ووحدَويين من شتى البلاد العربية في المشرق والمغرب). وأما مراحلها وهي الخامسة، فهي كما ذكر ثلاث: (مرحلة القومية الاشتراكية التي واكبت صعود الناصرية والثانية ما بعد حرب حزيران وقد ضَعُفَ بعدها المدّ القومي والثالثة ما بعد ثورات الربيع العربي التي مثّلت انهيار حركة القوميين العرب). والنقطة السادسة وهي مبادئها فيذكر تحتها: (الاستقلال وتحقيق الوحدة العربية والتخلص من الاستعمار واسترداد فلسطين وأنّ الأمة العربية ذات رسالة خالدة). والسابعة وهي من مظاهر إخفاقها، فيذكر في ذلك هذه المفردات: (عدم تحقيق الوحدة العربية وضياع فلسطين والصلح المنفرد مع إسرائيل وعدم التمكُّن من إزالة الحواجز بين الدول العربية ونشوب النزاعات البينية وضعف مؤسسات الجامعة العربية وعدم تحقيق الديموقراطية والمحافظة على حقوق الإنسان العربي).
أما الثامنة وهي أسباب فشلها، فيعيدها إلى الهجمة الاستعمارية والصهيونية الشرسة عليها والخلاف بين حركة القوميين العرب والحركة الإسلامية وتهميش دور الأقليّات في البلدان العربية وعدم التمكُّن من تطوير المناهج القومية ودخول الدول العربية في الحرب الباردة بين المعسكَرَيْن واستمرار سيطرة القبلية على المجتمع العربي. ثم السؤال الأخير الذي ذكرته سابقاً، وهو يمثّل النقطة التاسعة.
وأقول: إن المعلومات التي يذكرها الدكتور عامّةً صحيحةٌ. ومجمل ذلك أن القومية العربية أخفقتْ حقّاً، ولعل من مظاهر اخفاقها، بل الارتياب فيها أصلاً أنها غريبةٌ على مجتمعاتنا بدليل أنها حاكت المدّ القومي في دول الغرب الذي قام ضد تحكّم الكنيسة ورجالها الطغاة في أمور المجتمعات هناك، وهو ما لم يكن عندنا ولن يكون حسب مبادئ ديننا. ويكفي دلالة على هذه الغربة بل الريبة، أنّ ثمن نشوئها كان باهظاً جداً، وهو القضاء على الخلافة العثمانية التي كانت تمثل إلى ذلك الحين الخيمة الجامعةَ للمسلمين، والحارس لمقدساتهم أمام أطماع الدول الصليبية والحركة الصهيونية.
أما قضية تعريف العربي بهذه المعايير الثلاثة وأهمها قضية الأنساب، فهي معاييرُ ليست مُحْكَمَة. فالأنسابُ اليومَ بشكل عام ضاعت واختلطتِ الدماء وخاصة بين العرب والعجم حتى إنّ عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (والذي نفسُ عمر بيده لو قلتُ لا يخرج من هذا الباب إلاّ صَمَد «خالص النسب» ما خرج إلاّ أقلُّكم). هذا في زمانه فكيف بزماننا؟! أما الكلام بالعربية وكون الإنسان من بلد عضو في جامعة الدول العربية، فليسا كافيَيْن لإثبات القومية، لإنه يدخل في ذلك اليوم أو قبل اليوم الأكرادُ والبربرُ وأهل جنوب السودان وجاليات تركية أو ألبانية أو حتى يهودية. أما قضية اللغة والثقافة والعادات، فالعربية في هذا العصر صارت أهون شيء على أصحابها، دعك من الثقافة والعادات، فقد أضحتْ أكثرها غربيةً.
ومع احترامي للدكتور الفاضل، فإن بعض مَنْ ذكرهم من رموز القوميين العرب مشكوك في أصله وفصله وانتماءاته!! ثم ماذا كانت سيرة هؤلاء وخاصة على مستوى الحُكّام إلاّ الدكتاتورية والظلم والطغيان والانقلابات على بعضهم بعضاً بصور فظيعة، وزج المخالفين لأدنى أمر في السجون وتعذيبهم أو قتلهم، وتشكيل أحزاب لأنفسهم وتحريم ذلك على الآخرين. وأقول: إذا كانت فكرة القومية العربية لها هذا الاحترام والصحّة، فَلِمَ لَمْ يتيسَّر لها إلاّ هؤلاء المجهول اصل بعضهم، والمطعون في أكثرهم.
ثم ما هذه الفكرة التي يُقام لها ويُقعد عند أصحابها أو مَنْ يحطِب في حبلهم، وتجمع في بطنها هذه الأوشاب والأخلاط غير المتجانسة، بل الغريبة والتي لو هِيجَت طيورُها لطار كُلٌّ منها إلى عُشِّه في الغرب أو الشرق، بعد أن نادى بها الحُكّام الطغاة الذين تربَّوْا في دهاليز الدول الأجنبية؟! فما الذي يجمع بين الشيوعي الملحد والبعثي الذي لا يعترف بالإسلام منهاج حُكم واليساري ومَنْ يُسمى بالوَحدوي ادّعاءً، إلاّ أن يكونوا ضدَّ مصلحة الأمة وفكرها الأصيل. وأُضيف إلى ذلك: ما هذه القومية التي تستحق الانتساب إلى العربية وتتسوّل فكرها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بما يُسمّى الاشتراكية أو الديموقراطية من البلشفيك أو دول الغرب؟!
أما مبادئها التي قامت لتحقيقها من: استقلال ووحدة وتحرّر من الاستعمار واسترداد فلسطين، فلم يتحقق منها شيءٌ البتّةَ، بل على العكس زاد العرب في عصر القومية وعلى يدها شرذمةً وهواناً وتناحراً وخضوعاً للدول الاستعمارية، حتى من بداية ثورتهم سنة 1916م، إذ في هذا التاريخ كانت سايكس بيكو التي مزّقت بلاد الشام ووعد بلفور سنة 1917م الذي أعطى فلسطين وطناً قومياً لليهود وبعلم العرب أنفسهم. ومن هنا كانت مراحلها الثلاث كلها هزائِمَ ، في سنوات: 1948م، 1956م، 1967م، 1973م. وفي 2002م كانت المبادرة العربية التي وافق عليها جميع العرب للاعتراف لليهود باغتصابهم مقابل دويلة للعرب لا سلطة لهم فيها!!
وأما مظاهر ما يسمّيه الدكتور بالإخفاقات فكلها صحيحة، ويكفي أن ننظر إلى ما يحدث في معظم بلاد العرب التي قامت فيها ثورات على حُكّامها الظَّلَمَة كيف يستعين هؤلاء الحُكّام بالأجنبي لاحتلال بلادهم وقتل شعوبهم وتشريدهم في الآفاق، وكيف أصبح مسوِّغاً عند هؤلاء الحُكّام القوميين استقدام هذا الأجنبي ليُحلَّه أرضه مقابل تثبيت طُغيانه؟! وأما الأسباب التي يذكرها لتلك الإخفاقات فأكثرها أسباب تمحُّلية وتعليق لأخطاء القوميين أو خطاياهم على مشاجب أخرى. غير أنّ من هذه الأسباب القاتلة حقّاً الدعوة إلى القومية نفسها في أوساط فيها غير الجنس العربي، مما دعا هذه الأجناس إلى المطالبة إما بالانفصال عن الكيانات العربية أو فرض لغاتها لغات رسميةً إلى جانب اللغة العربية كما في أكراد العراق وبربر الجزائر وجنوب السودان.
ولستُ أدري كيف قرّر الكاتب أن القومية (ازدهرت في الستينيات والسبعينيات وامتدت إلى الألفية الثالثة) إلاّ أنْ تكون تلك الجعجعات في الإذاعات كما في صوت العرب وأحمد سعيد ذاك الرجل المشبوه، وفرض الاستبداد على المجتمع كما في مصر وسورية، وهزيمة حزيران والاحتلال من سورية في السبعينيات أكثر مما احْتُلَّ منها في الستينيات، واعتراف مصر بالكيان الغاصب ومنظمة التحرير وزعيمها عرفات بالدولة اليهودية، إضافة إلى أحداث أيلول الأسود والمبادرة العربية المهينة.
أما السبب الذي أودُّ ذكره هنا ولم يذكره الدكتور المحترم من أسباب إخفاق دعوة القومية في بلاد العرب، فهو أنّ القومية ابتداءً مسحوبةَ الدسم من الإسلام منهاجَ حكمٍ ونظامَ حياةٍ، لن تنجح في بلاد العرب بأية حال، لأن العرب أُمّة لا تصلح إلاّ بالإسلام الذي يجمع مختلف القوميات تحت لواء واحد إخوة متحابين، ولأنّ القومية بمفهومها هنا تعد نوعاً من القبلية والعصبية أو العنصرية ضد الأجناس الأخرى. وهذا ما نفَّرَ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (دعوها فإنَّها نَتِنَة) وحذّر منه عمر رضي الله عنه بقوله: (نحنُ قومٌ أعزّنا اللهُ بالإسلام، فَمَنِ ابتغى العزة بغير الإسلام فقد أذلّه الله). وهذا ما يصدق على قومية العرب اليوم، تلك الهجينة مولداً وفِكراً وارتباطات، وما يشهد به الواقع، إذ زاد في زمنها الولاء للأجنبي ومحاربة فكر الأمة، وتفكّك العرب وتقتيل بعضهم بعضاً.
وأمّا جواب سؤال الدكتور لماذا نجح اليهود في إقامة دولتهم ولم تنجح القومية في إقامة الدولة العربية، فأُضيف إلى ما ذكرته سابقاً أن اليهود ربطوا قوميتهم بالدين، إذ كانت دعواهم منذ البداية الرجوع إلى أرض الميعاد، وإلاّ كانوا قَبِلوا بغيرها في مكان آخر، عِلاوةً على أنهم كانوا صادقين مع أنفسهم في مشروعهم، وكُنّا نحن وللأسف الشديد غير ذلك لا مع أنفسنا ولا مع قومنا!!
وبعد، فجزى الله الدكتور عليان على ما قدّم خير الجزاء، وأختم لوجه الله بالقول: ألمْ يأنِ لأصحاب الأفكار الهجينة من قومية وغيرها في ديار العروبة خاصة أنْ يفيئوا بعد هذا الطِّراد الطويل وذاك الجهد العريض الضائع إلى حظيرة الحق ويعلموا أنْ لا وحدةَ للعرب ولا تحرُّر من الأجنبي ولا طرد لليهود من بلادنا واسترجاع فلسطين إلاّ بالإسلام وذروة سَنامه الجهاد في سبيل الله؟!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات