هل نظام الرئاسة في فرنسا وأمريكا معيب؟
لماذا هذه الضجة الحادثة في أوربا من التعديلات الدستورية التركية؟ هل هذا النظام الرئاسى سيىء ومعيب ويصنع من الحاكم ديكتاتورا بالفعل؟ إذا كانت الإجابة بـ” نعم ” فلماذا تعتمده أعرق الديمقراطيات في العالم في دستورها في أمريكا وفرنسا؟ وإذا كانت الإجابة بـ”لا” فلماذا يهاجمون هذا التوجه في تركيا؟ ويشنون هجمة شديدة تنفيرا وتخويفا للشعب التركى من هذا التوجه؟ ولماذا يشن الإعلام الغربى حملة شعواء على التعديلات، ويوعز للعامة بأن التعديلات شر محض، وفساد عريض، وضرر ماحق؟
حقا صدق الشافعى حين قال لمن سأله كيف يعرف أهل الحق؟ قال: اتبع سهام العدو ترشدك إليهم .
هل الدعوة إلى النظام الرئاسى بدعة ابتدعها أردوغان؟
يكاد يحصر كثير من المعارضين للتعديلات الدستورية – حتى من الإسلاميين – أن هذه التعديلات رغبة لدى الرئيس أردغان، لاستمراره في الحكم صراحة وتشبثه به، وكأن الحزب ليس لديه غيره، والحقيقة التاريخية تأبى قبول هذا التصور.
فلم تكن الدعوة إلى النظام الرئاسى بدعة جديدة ابتدعها أردوغان، ولم تكن فكرة إصلاحية للنظام السياسى في تركيا استحدثها حزب العدالة والتنمية الحاكم، حتى لا يتمحور النقاش في التعديلات حول شخص أردوغان، والزعم بأنه يريد أن يستمر في الحكم إلى عام 2029 م، وأن الصلاحيات يمكن أن تصنع منه ديكتاتورا أو حاكما مستبدا، بل الحقيقة التاريخية الثابتة تؤكد أن التحول إلى النظام الرئاسى كان حلمًا يراود كبار الساسة والحكام السابقين ورواد الإصلاح في تركيا، الإسلاميين منهم والعلمانيين، ولكن حالت ظروفهم وزمانهم دون تحقيقه، في وقت كان للمؤسسة العسكرية الكلمة الفصل في الدولة، ولعل فشل الانقلابين العسكريين الأخيرين ( 2009 – 2016 ) هما السبب الأكبر الذى أغرى الحزب الحاكم بالإقدام على هذه الخطوة، بعدما ضعفت القبضة العسكرية على الحياة السياسية، وهذا ما أكدته دراسة مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث .
تقول الدراسة: إن الدعوة إلى النظام الرئاسي مطلب قديم جديد في تركيا، فقد طالب بذلك الرئيس (تورجوت أوزال)، ومن بعده الرئيس (سليمان ديميرال) الذي قال: “كنت أفضّل أن أجلب النظام الرئاسي إلى تركيا، وهذا الأمر عقدة في داخلي لأنني لم أتمكن من تطبيقه”. وطالب بذلك أيضاً نجم الدين أربكان، وقرَنه بالتنمية والاستقرار السياسي، أما زعيم الحركة القومية السابق (ألب أرسلان توركيش) فكان أكثر تشدداً حول تطبيق النظام الرئاسي، فقد قال: “إن عصرنا هو عصر السرعة والقوة، لذلك ندافع وفق ما يليق بتاريخنا وتقاليدنا عن النظام الرئاسي”.
ورغم مرور الدستور التركى بثلاثة استفتاءات شعبية (1987، 2007، 2010) منذ العام 1987 إبان حكم الرئيس تورجوت أوزال وحتى العام 2011، اثنان منها في عهد حزب العدالة والتنمية، فقد كانت التعديلات تدور حول المشاركة السياسية، والحريات العامة والخاصة، والشؤون القانونية والمدنية، وعلى الرغم من تعديل أكثر من ثلثي المواد الدستورية، لكنَّ أحداً لم يجرؤ على المساس بمواد تتعلق بنظام الحكم كما هو حال الاستفتاء الحالي؛ وذلك لحسابات كثيرة، أهمها ضلوع المؤسسة العسكرية في الحكم، وضعف دور الشعب في المعادلة السياسية آنذاك.
ومن الطبيعى لرئيس منتخب من قبل الشعب له مشروع إصلاحي أن لا يبقى رئيساً صورياً منزوع الصلاحيات، وأن يتجه نحو النظام الرئاسي ليتمكن من تحقيق مشروعه الإصلاحي، حتى إن أردغان يعد النظام الرئاسي هو الذى سيحدد مستقبل تركيا ونفوذها على الساحة الدولية.
أبرزالتعديلات الدستورية المقترحة .. اعتراضات وردود
دعونا إذن نناقش أبرز المواد المطروحة لنقرر مدى قربها أو بعدها عن المقررات الشرعية الثابتة والقواعد العامة الضابطة، ومدى قبولها – عقلا ومصلحة – لدى الشعب التركي.
وفيما يلى توضيح لأبرز القضايا التي دارت حولها المناقشات:
إلغاء المحاكم العسكرية:
يرى أردغان وحزبه والمتابعون للشأن التركي أن القضاء العسكرى يخضع لتأثير عدوه اللدود المقيم في الولايات المتحدة فتح الله جولن الذي حمّله مسؤولية الانقلاب الفاشل في 15 تموز/ يوليو.
والتعديلات تنص على إلغاء المحاكم العسكرية التي سبق أن أدانت ضباطاً, وحكمت على رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس بالإعدام إثر انقلاب 1960. فهل يختلف على إلغاء المحاكم العسكرية – بتاريخها الأسود في تركيا- أحدٌ يبحث عن الحرية ويعظم إرادة الشعوب وينادى بالعدالة، وينشد مستقبلا أفضل لتركيا؟
وفي هذا الجانب لن تكون تركيا حال أقرت التعديلات أول من تلغي المحاكم العسكرية، ولن تكون بدعا بين الأمم، وهناك تجارب لدول العالم مع القضاء العسكري بين المنع التام والحصانة العسكرية.
فبعض الدول تحظر إنشاء أي محكمة استثنائية تحت أي ظرف، وتمنع التقاضي خارج النظام الطبيعي ومنها اليابان، والسويد، وسويسرا، واستراليا.
وبعض الدول اتجهت إلى إلغاء المحاكم العسكرية تمامًا في وقت السلم، مع السماح بإنشاء محاكم خاصة بوقت الحرب، مثل: النمسا، وفرنسا، والدنمارك، وهولندا.
وبعض هذه الدول تمنح الحصانة للعسكريين من المحاكمة أمام القضاء المدني، سواءً أثناء تأدية عملهم فقط أو في جميع الأوقات، مثل: مصر، والهند، وإندونيسيا، وبورما.
فرض حالة الطوارئ:
تعطى التعديلات الجديدة في الدستور الحق للرئيس باتخاذ قرار فرض حالة الطوارئ ثم عرضه على البرلمان، وتحصر حالة الطوارئ فقط في حال حصول “انتفاضة ضد الوطن” أو “أعمال عنيفة تعرض الأمة لخطر الانقسام”. ثم يعرض الرئيس القرار على البرلمان الذي يحق له اختصارالمدة أو تمديدها أو رفعها عندما يرى ذلك مناسباً .
والنظام الرئاسى المراد إقراره في المرحلة الراهنة هو النظام الأقرب لكبح جماح الانقلابيين، ووضع حد فاصل بين مرحلة ومرحلة؛ مرحلة هيمنة المؤسسة العسكرية والاستبداد، ومرحلة فرض الإرادة الشعبية والاستقرار، في ظل مخاطر الانقلابات العسكرية التى تتهدد الدولة التركية من حين إلى آخر والمخاطر الخارجية، مما يعنى تثبيت نظام قوي، لديه القدرة على اتخاذ القرارات السريعة لمواجهة الأخطار والتعامل مع أي طارئ، بالسرعة الكافية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات