لا نفرح كثيراً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وبعض معاونيه ومستشاريه الأمنيين والعسكريين، سيخضعون أمام الشرطة للتحقيق، وستوجه إليهم تهمٌ بالفساد أو الرشوة، أو بالاستفادة الشخصية والمنافع الخاصة، على خلفية صفقة الغواصات الألمانية، وقد تثبت التهمة ضدهم، وقد يدان أحدهم ويحاكم أو يسجن ويغرم، وقد يحرم من امتيازاته أو يجرد من ألقابه، أو يقصى من وظيفته ويقال من منصبه، وقد تتناوله وسائل الإعلام بالنقد والتجريح، لكنهم في نهاية المطاف سيبدون أبطالاً، وسيذكر الإسرائيليون فضلهم، إذ أفادوا كيانهم وخدموا شعبهم، ونجحوا في إبرام صفقةٍ كبيرةٍ تحمي كيانهم، وتجعل منه قوةً ضاربةً تملك سلاحاً فتاكاً وقدرةً على الردع كبيرة.
ذلك أن صفقة الغواصات الألمانية الثالثة، تضمنت مجموعة غواصاتٍ جديدةٍ من نوع “دولفين” الاستراتيجية الألمانية الصنع، القادرة على حمل صواريخ نووية، والتي تستطيع أن تجوب البحار العميقة والمحيطات البعيدة، والبقاء طويلاً تحت الماء بعيداً عن أجهزة المراقبة وكاميرات التصوير ومجسات المتابعة الالكترونية، الأمر الذي يجعل منها منصاتٍ نوويةٍ عائمةٍ، قادرة على إطلاق صواريخ تحمل رؤوساً نووية، وتوجيه ضرباتٍ نووية استباقية أو انتقامية ضد أهداف معادية، بعيدة أو قريبة من حدودها، في الوقت الذي قد يعجز الخصم عن تحديد مكانها ويفشل في استهدافها.
الشرطة الإسرائيلية التي فتحت ملفات تحقيقٍ واسعةٍ بحق ضباطٍ عسكريين كبارٍ، وأعلنت عن استدعاء البعض وتوقيف آخرين، لن تغفل في معرض إدانة المتهمين عن واجب شكرهم وتقديرهم، ولن تجعل التهمة تطغى على حق الاعتراف بالفضل، فما قاموا به من وجهة نظرهم يستحق الشكر والتقدير، والعرفان والوفاء، وإن شاب صفقتهم بعض العوار، ودارت حولها شبهاتُ فسادٍ أو رشوةٍ، ولكن هذه الملاحظات التي تفرضها الشفافية والنزاهة، لا تسقط حقهم ولا تغفل فضلهم، ولعل سقطات شيمعون بيريز الكثيرة لم تغمط حقه ولم تغفل دوره في بناء القوة النووية الأولى لكيانه.
الجانب الآخر للقضية التي باتت تعرف بـــ”ملف 3000″، أنها أثبتت أن لا أحد في هذا الكيان فوق القانون، فالكل مهما علت رتبته وسما منصبه متهمٌ حتى تثبت براءته، فرئيس حكومته يُتهم ويُساءَل ويُحقق معه، وزوجته تتهم وتمثل أمام جهات التحقيق، وتخضع لجهاز كشف الكذب، علماً أن ملف التحقيق ما زال مفتوحاً، والاستجوابات مستمرة والتوقيفات لكبار الضباط لا تتوقف، ولا حصانة للمسؤول الأول، ولا مظلة أو حماية منه لموظفٍ، رغم أن الصفقة قد تمت بنجاحٍ، ورفعت من مستوى الجاهزية العسكرية الإسرائيلية، وحققت التفوق النوعي والسبق الاستراتيجي لجيشهم، إلا أن هذا النجاح لا يعني الصمت على الخطأ.
مئات الإسرائيليين ممن لم تسكرهم خمرة النجاح، يتجمعون كل يومٍ في مناطق مختلفة، يطالبون بالتعجيل في التحقيق مع رئيس حكومتهم، والكشف عن الأدلة المتوفرة لديهم، ويصرون على وجوب الاستمرار في التحقيقات وكشف الملابسات، وعدم التوقف بحجة حساسية الملفات وخصوصية الشخصيات، فالنجاح في إبرام الصفقة فلا يعنيهم كثيراً أمام تهم الفساد وسوء الإئتمان، واستغلال المنصب والاستفادة من التسهيلات وتوظيف المعلومات وتسريب الأسرار، وفتح ثغراتٍ للسماسرة والتجار المستفيدين.
وبقدر ما تبدو هذه القضية لدى العدو الإسرائيلي فضيحة مخزية، وقضية فساد كبيرة، ورأي عامٍ حيٍ وضاغطٍ، فإنها تكشف عن عمق المرض لدينا، وعن استشراء الأزمات فينا، فنحن أضعف من أن نواجه، أو نفتح ملفاتٍ للتحقيق مع الكبار، ومحاسبة المسؤولين، ومعاقبة المرتشين، ومحاكمة الفاسدين.
أمام هذه الحقائق التي تصدمنا بشفافيتها وجديتها، وتصفعنا بجرأتها وقوتها، وتذهلنا بمستوياتها وشخصياتها، هل يحق لنا أن نشمت في عدوٍ ملَّكَ كيانه سلاحاً، وزود شعبه بقدرةٍ فائقةٍ تحميه، وحصَّن وجوده بسلاحٍ رادعٍ يقويه، ونبدي فرحتنا بمحاكمة مسؤوليه، وشماتتنا في مساءلة قادته، وننتظر من قضائه أن يصدر في حقهم أحكاماً تهينهم، وتردعهم؟
هل يحق لنا الشماتة والفرح في الوقت الذي نعجز فيه عن حماية كياناتنا الصغيرة، وتحصين بلادنا الضعيفة، وتعزيز صمودنا الهش، واستعادة حقوقنا الضائعة وتحرير أرضنا المحتلة، وتطهير مقدساتنا المستباحة وقدسنا السليب، في الوقت الذي تبرم فيه صفقات السلاح العربية بمليارات الدولارات، التي يستفيد منها السماسرة وتجار السلاح ومصانع السلاح الغربية، بينما لا تستفيد منه الشعوب العربية ولا تنتفع به، اللهم إلا في قصفها وتدميرها، وتركيعها وإذلالها؟
هذه الصفقات الكبيرة المهولة، الفلكية الأسعار, المخيفة الآثار، لا تُبرم لقتال “إسرائيل”، وهذا السلاح لا يُشترى لحربها، ولا يخزن لتحقيق التوازن، ولا يستخدم لخلق التفوق، وإنما لتحصين الأنظمة البالية وحماية الحكومات الخربة، وبقاء الملوك والرؤساء والقادة والحكام في مناصبهم لسنواتٍ أطولٍ، بقوة الدبابة التي تسحق المواطنين، والرصاصة التي تخترق صدورهم وتستقر في قلوبهم، والأسلحة التي تجدد لسحق كرامتهم وإهانة كبريائهم.
في بلادنا مجرمٌ من يتهم الحاكم، وخائنٌ من يشك في النظام، وعميلٌ من يعارض، والويل كل الويل لمن يطالب بالمحاسبة أو يدعو للمساءلة، أو يشكو من وجود شبهاتٍ أو ظهور ملامح منفعةٍ شخصية أو رشواتٍ ماليةٍ، فحكامنا هم الطهر عينه، وقادتنا هم الحكمة ذاتها، وكلامهم الصدق, وحكمهم العدل، وغير ذلك كفرٌ وتجديف، وزندقةٌ وردةٌ، وخيانةٌ وعمالةٌ، يستحق مرتكبها السجن والرجم والسحل والشنق حتى القتل!
فهل التحقيق في صفقة الغواصات الإسرائيلية فضيحةٌ لهم، أم هي مفخرةٌ بحق؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات