العلماء هم روح الأمة وعقلها المفكر وقلبها النابض بالحيوية.. والحركة والحياة.
وهم ورثة الأنبياء ومشاعل الهدى الذين يضيئون بهداهم وعلمهم.. الطريق الصحيح للأمة.
حيثما وُجدوا.. وُجدت الحياة والقوة والعظمة للأمة.
والعكس صحيح..
حيثما تكون الأمة ضعيفة خائرة منهزمة, تكون خالية فارغة من العلماء.
وإن تراءت هياكل بشرية تلبس لبوس العلماء وتتكلم باسم العلماء.. وتقف على المنابر ترغي وتزبد.. وتأخذ بألباب العامة.. وتسيطر على قلوبهم بكلامها المنمق المزخرف المعسول.. وتجعل دموعهم تذرف مدراراً!
ولكنهم:
هم المنافقون الفتانون المخادعون.. الذين وصفهم الله تعالى بقوله:
( وَإِذَا رَأَيتَهُم تُعجِبُكَ أَجسَامُهُم وَإِن يَقُولُواْ تَسمَع لِقَولِهِم كَأَنَّهُم خُشُب مُّسَنَّدَة يَحسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِم هُمُ ٱلعَدُوُّ فَٱحذَرهُم قَتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤفَكُون).
العلماء ورد ذكرهم في القرآن الكريم مرة واحدة فريدة.. مما يدل على أنها كافية لأن تعطي المعنى كاملاً بدون أي إضافات ولا تقسيمات.. ولا تفصيلات!
( إِنَّمَا يَخشَى ٱللَّهَ مِن عِبَادِهِ ٱلعُلَمَؤُاْ).
العلماء لهم صفة واحدة مميزة وعظيمة الشأن والأهمية.. وهي كافية لأن تكون فخراً وتاج شرف على رؤوسهم فهي تشمل الدين كله, فليسوا بحاجة إلى إضفاء صفات أخرى عليهم.
العلماء هم من يخافون الله وحده ويخشون غضبه.. وكفى بهذا التعريف لا يحتاج إلى مزيد.. ولو كان يحتاج إلى مزيد، لبينه الله تعالى.
فهو جل في علاه ما نزل الكتاب إلا تبياناً لكل شيء.
( وَنَزَّلنَا عَلَيكَ ٱلكِتَبَ تِبيَنا لِّكُلِّ شَيء وَهُدى وَرَحمَة وَبُشرَى لِلمُسلِمِينَ )
فهذه الصفة المميزة للعلماء كافية لتدفعهم لأن ينطلقوا في دروب الحياة:
1- يعلمون الناس في المساجد؛ في الشوارع؛ في الأسواق؛ في المدارس؛ في الجامعات؛ في دوائر الدولة؛ في مكاتب الحكام الصغار؛ ومكاتب الحاكم الأكبر.
يعلمونهم ويصدحون بالعلم ليلاً ونهاراً؛ أن الدين جاء من عند الله كاملاً, ليكون مهيمناً ومسيطراً وقيماً على شؤون الحياة كلها؛ من الفرد, إلى الأسرة, إلى المجتمع, إلى الدولة بكل وزاراتها وإداراتها.
لا تجزئة.. ولا تقسيم للدين.. (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسلَمُ).
فلا يوجد عند الله إسلام سياسي, وآخر إسلام شعائر تعبدية, وآخر إسلام جهادي, وآخر إسلام سلفي, وآخر إسلام صوفي.
كل هذه أسماء بدعية ما أنزل الله بها من سلطان.. ولم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم, أراد منها أعداء الإسلام تفتيت الدين وتمزيقه وإبعاده عن الهيمنة والسيطرة على شؤون الحياة, واتخاذها حجة على العلماء بأن يتفرغوا ويهتموا بالدين في المسجد والأسرة وقضايا الطلاق والزواج والجنائز ويتركوا السياسة.. وشؤون الحكم والقضاء لأهلها!
إن الله جل علاه.. قد قرر.. وحكم.. ولا معقب لحكمه: (ٱليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسلَمَ دِينا).
إنه الإسلام وحده وكفى.. ولا يُقبل أي إضافة أو صفة. أو نعت له إطلاقاً..
2- يعلمونهم هذا الدين الصافي الخالص بدون أي شائبة ولا تزويق ولا تزيين ولا تعديل.. ليتماشى مع هوى الحاكم وزبانيته.. وبطانته.. أو مع هوى عامة الناس.
ومن ثم:
3- يأمرونهم بتطبيقه كاملاً غير منقوص بدءاً من الحاكم إلى أدنى مسؤول في الدولة, مع حسن الخطاب وجودة العرض ولطف الحديث وأدب المعاملة, من غير مداهنة ولا تزلف ولا تملق ولا استجداء ولا ترجي.
فدين الله أعز وأكرم وأقوى من أن يُقدم بطريقة مهينة ضعيفة.. كأنه يتدسس إلى الناس أو يترجاهم أو يتذلل لهم أو يتملقهم أو يتوسل إليهم.
4- بل يطلبوا منهم بحزم وقوة, احترام الدين في كل شؤون الحياة قاطبة, وتعظيمه وتوقيره والإلتزام بمظاهره وتكاليفه وفروضه وواجباته.. بقوة القانون الشرعي.
فكما أن قانون المرور يُطبق بالقوة ويُعاقب بالسجن أو الغرامات المادية من يخالفه بحجة المحافظة على سلامة الناس, كذلك الإسلام يُطبق بالقوة للمحافظة على سلامة الناس الدنيوية والأخروية.. وهذه هي الأهم.
( وَمَا ٱلحَيَوةُ ٱلدُّنيَا إِلَّا لَعِب وَلَهو وَلَلدَّارُ ٱلأخِرَةُ خَير لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعقِلُونَ).
5- يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. ليس في المساجد والصالات المغلقة والندوات العامة والخاصة وعلى المنابر فحسب, وإنما في كل نواحي الحياة العامة والخاصة.
وأكبر منكَرٍ يجب إنكاره علانية وجهاراً ومواجهته بحزم وقوة.. وشدة هو إنكار.. تطبيق شرع الله, فإذا كان الحاكم لا يطبق شرع الله, فما ينبغي للعلماء أن يسكتوا ولا يقبلوا ولا يرتضوا أن يعيشوا يوماً واحداً في ظل حكم العبيد.
لأنهم يخافون غضب الرب فينطلقون مباشرة إلى الحاكم ليأمروه بالمعروف لتطبيق شرع الله.
وإذا رفض حينئذ يدعون الأمة إلى عصيان الحاكم وعدم طاعته والإنقلاب عليه والثورة ضده لخلعه واستبداله بحاكم آخر يقيم شرع الله؛ لأنه أصبح حاكماً غير شرعي وعاصياً لله.
ومن يعص الله.. فلا طاعة له.. البتة.
( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُضَيِّعُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا؟ قَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ تَسْأَلُنِي ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ تَفْعَلُ؟! لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).
وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: { اسمعوا وأطيعوا وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ، مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ}.
وما يدندن ويطنطن فتيان المدارس الشرعية.. الذين ألفوا الذلة.. واستمرأوا الخنوع.. وتعودوا على التسبيح بحمد الحاكم وطاعته طاعة عمياء, بحرمة الخروج على الحاكم, فهؤلاء ليسوا من العلماء ولا يعرفون شيئاً من العلم.. وإن كانوا يحملون أعلى الشهادات.. ويلبسون لبوس العلماء.. ويسميهم العوام علماء.
هؤلاء أئمة الزيغ.. والضلال.
هؤلاء عبيد الشيطان.. يسوقون للحاكم ليبقى ممسكاً بخناق الناس ورابطاً أعناقهم بالكلاليب لا يستطيعون فكاكاً منه مدى الحياة..
علماً, بأن الأمر جد بسيط, بساطة هذا الدين.. يستطيع أن يدركها كل مسلمٍ فيه ذرة من الإيمان والخوف من الله ولا تحتاج إلى فتوى مشيخية أو أزهرية.
ثمة شرطان أساسيان يتوجب توفرهما في الحاكم ليستحق الطاعة.. وعدم الخروج عليه:
الأول: أن يكون مسلماً.. ولو كان عبداً حبشياً.
الثاني: أن يقيم شرع الله.. في كل شؤون الحياة.
فإذا انعدم شرط واحد.. يستوجب الثورة عليه.. فكيف إذا انعدم الشرطان؛ كما في سورية؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات