د. نزار السامرائي يكتب :استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي (1)

يختزن الفرس الضغينة والحقد على المسلمين الذين أسقطوا إمبراطورية فارس في معركة القادسية. واستطاعت فارس زرع هذا الشعور بالغبن لدى الشيعة العرب، من خلال إظهار حب آل البيت والمبالغة في ذلك الحب والولاء حد الهوس الخارج عن كل قيود العقل الراجح، فزايدوا في مكانتهم على الأنبياء والرسل وأعطوا أئمتهم “المعصومين” مكانة ومعجزات لا يجاريهم فيها أحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام بمن فيهم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

سالت دماء غزيرة منذ ذلك اليوم وما تزال، وما زال السؤال الذي يتجدد بأكثر من صيغة: من أحق بالخلافة أبو بكر أم علي؟ ويطرح بصيغة أخرى: هل تجوز تولية المفضول على الأفضل؟

وبالمقابل تولّدَ حافز لدى الطرف الآخر للدفاع عن عقيدته التي تمثل جوهر قيم الإسلام وعن رموزه وعن النفس في وجه حملات الإبادة التي تعرّض لها كل من لا يقر بالبراءة من صحابة الرسول الكريم  أو لا يقر بالولاية، وخاصة بعد وصول الصفويين إلى الحكم في بلاد فارس مطلع القرن الثامن عشر الميلادي وما ارتكبوه من فظائع وجرائم إبادة من أجل فرض التشيّع بالقوة الغاشمة وليس بالإقناع.

 

شخصية منقادة

على هذه الخلفية يتم بناء شخصية الفرد الشيعي لتكون منقادة لكل ما يطرح من مفاهيم وأفكار, والانصياع لمراجع التقليد والمعممين الصغار الذين لا تزيد معلوماتهم عن معلومات تلميذ في الصف الثاني الابتدائي على أحسن الفرضيات، من دون نقاش بل حتى من دون تفكير، ويمكن القول بأن الشيعي ينشأ على فكرة واحدة نتيجة الضخ اليومي في المنزل والشارع ثم في الحسينية لتصبح قانونا مقدسا له طيلة حياته وهي مخالفة الأحكام الشرعية المبنية على المنطق السوي والعقل السليم وما أمر به الإسلام من التدبر والتفكير، على الرغم من أن التشيّع وفي مصادر التشريع يجعل من العقل بديلا عن القياس، إذ ثبت في معظم الأحكام والفتاوى التي يصدرها مراجع الشيعة الحاليون أن مصادرهم “أي ما ينسبونه” للإمام المعصوم وخاصة جعفر بن محمد الصادق الذي نسبوا إليه وإلى ولده موسى الكاظم, أنهما أمراهم باستفتاء مراجع السنة في أية قضية تعن لهم ثم مخالفته!

هذا في جانب العبادات، أما ما يتعلق بموقف الشيعة من السلطة الحاكمة على مر التاريخ فقد تميّز بأنه خط عداء متصل وما يزال في أي بلد سني، واعتبروا ذلك دليلا على سلامة موقف الشيعة في تجسيد قيم التشيّع والولاء لآل البيت، لكن هذا في حقيقة الأمر يخفي ولاءً محسوما لإيران على مر التاريخ منذ أن اختارت التشيع دينا رسميا لها، بما في ذلك نظام الشاه الذي لم يكن نظاما دينيا بأي قدر، وأذكر في حقبة الستينيات من القرن الماضي أنني اطلعت على النظام الداخلي لحركة أو حزب شيعي أو جمعية ربما مرتبطة بمحسن الحكيم؛ المرجع الأعلى للشيعة في ذلك الوقت، وفيه هذا السؤال: “هل للشيعة نظام حكم يمثلهم ويعبر عنهم؟ ومعه جوابه بلا مواربة: نعم هو إيران”، هذا يدل بشكل قاطع على أن الأحزاب الشيعية تنظر إلى إيران على أنها مصدر إلهام لها وبوصلة لتوجهاتها الفكرية ومواقفها السياسية.

 

إيران دولة المذهب

إن الارتباط بدولة الدين أو المذهب في العالم حالة لم تعد قائمة في وقتنا الراهن، ولو أن أتباع كل ديانة أو مذهب جعلوا من مركز دينهم أو مذهبهم قبلة لغير الأغراض التعبدية وحولوه إلى مركز للولاء السياسي مع كل ما يتبعه من ولاءات، لكان أتباع السيد المسيح عليه السلام قد تعلقت أهدابهم ببيت لحم في فلسطين ولما تقاتلوا فيما بينهم قرونا طويلة لأسباب مذهبية ولما تعرضت فلسطين لكل خطط أوربا المسيحية لاحتلالها، ولوجدنا أن البوذية تستدعي ولاء جميع الشعوب التي تدين بها إلى تايلاند حيث مركز انطلاق بوذا ونشر ديانته التي يتبعها ملايين الآسيويين.

على هذا يمكن الجزم بأن مهندسي التشيّع الأوائل الذين اتخذوا من “قم” مقرا لهم، صمموا ركائز دينهم على قواعد لم يعتمدها أي دين أو مذهب في العالم لا قبلهم ولا بعدهم ليربط بين تصديق ما جاء فيه من معتقدات وبين الولاء الثابت لمركزه في إيران مع أنهم يزعمون بأن مقدساتهم في النجف وكربلاء، لكن إيران ظلت الدولة التي تمثل التشيع بصرف النظر عن توجهات الحاكم فيها، سواء كان حاكما دنيويا يسعى للتحديث كما هو شأن شاه إيران محمد رضا بهلوي، أو حاكما يحكم باسم الدين والمذهب كما هو حال دولة الولي الفقيه، وهذا ما عرفناه خلال العقود الماضية معاينة، أو ما عرفناه من كتب التاريخ، إذ إن بلاد فارس كانت موطنا لكل البدع والحركات الشعوبية والباطنية والأفكار الهدامة التي أشغلت الدولة العربية الإسلامية زمنا وجهدا بمعالجتها، ولم يكتف الفرس الصفويون بإحداث شرخ في الإسلام بل راحوا يتآمرون عليه مع أوربا المسيحية.

 

ولاء كل شيعي لإيران

وهكذا وظفت إيران قضية الارتباط بها عن طريق تحويل دولة الولي الفقيه إلى عقيدة دينية ثبتت مفاهيم الولاء له في دستورها ومن خلال الشعارات التي رفعها الخميني منذ الأيام الأولى لوصوله إلى السلطة بشأن فكرة تصدير الثورة، وهذه أفكار يفخر بها الشيعي ويجاهر بذلك وليس موقفا يجلب العار والمسؤولية الجنائية أو ما يقع تحت طائلة التجسس والخيانة العظمى أو ارتباطا يجلب الخزي لصاحبه، ولهذا لم يكن من العسير أن تجد إيران آلافا مؤلفة من العملاء والوكلاء ممن يجندون أنفسهم وإمكاناتهم وأموالهم في خدمة مشروعها السياسي التوسعي ويسارعون لوضع أنفسهم رهن إشارتها لتنفيذ كل ما توكله لهم من مهمات، ومن هنا نجد تفسيرا لقدرة إيران على الانتشار في كثير من الساحات العربية والإسلامية والتي تبدأ عادة بمجموعة صغيرة من الشيعة المقيمين أو من الشيعة المحليين أو من الذين تنجح في تشييعهم بالإغراء المالي في مجتمعات فقيرة ومسحوقة، فتنهال عليها كل هذه العناوين دفعة واحدة مع الانتفاع مما يحفل به قاموس الصهيونية من جنس مشاع ولكن هنا باسم زواج المتعة الذي لم يحللوا زناه فقط بل اختلقوا له أحاديث منسوبة لأئمتهم عن فضله وفضل من يمارسه من ذكور وإناث، ومع الوقت تتحول هذه التجمعات الصغيرة إلى كتلة سكانية تبدأ تشعر بالثقة بالنفس وتطرح مطالبها المتصاعدة مع الوقت ومع ما تستشعره من ثقة بنفسها.

من المعروف أن الشيعة يتبعون المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري، ولهم مراجع ملزمون بطاعتهم وتنفيذ أوامرهم ونواهيهم بطاعة عمياء ومن لا يفعل ذلك فقد أخرج نفسه من المذهب بل يتم تكفيره، ثم إن إيران تتمتع بمزية وحدة القيادة المتمثلة بالولي الفقيه ولها رأي واحد ملزم لكل الأتباع وهنا يتم الدمج بين ما هو ديني وما هو سياسي, فيصبح من العسير على الشيعي البسيط التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي.

أما السنة فهم رؤوس؛ لا يختلف صغيرهم عن كبيرهم, ولا عالمهم عن جاهلهم، وتتقاذفهم زعامات متصارعة ومتآمرة على بعضها البعض ولا تلزمهم مذاهبهم بمبدأ التقليد ولا تفرض عليهم طريقا للتفكير أو حصر عقولهم في خانة ضيقة محصورة في رجل دين مهما علا شأنه وربما لا يحفظ من القرآن الكريم أكثر من سورة قصيرة أو عدد من الآيات المنتقاة بدقة ليوظفها مع الأتباع الذين يطالبهم بطاعته والسير خلفه.

يؤشر المراقبون أن التشيّع سار بقوة على طريق اليهودية واستنسخ تقاليدها بما في ذلك جلد الذات وكذلك ألزم أتباعه بعدم سفك دمائهم حتى في حالة التصادم في الآراء بين الفرق والمجاميع المختلفة، فهل هناك من استطاع تأشير صراع ديني صرف بين حزب الله اللبناني على سبيل المثال وبقية المنظمات والأحزاب الشيعية المختلفة في لبنان باستثناء ما وقع بينه وبين منظمة “أمل” لأسباب لا صلة لها باختلافات فقهية؟ وما وقع في مدن جنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية منذ 2003 وحتى الآن، حيث تتواجد عشائر وأحزاب عديدة لم يسجل صراع عقائدي بينها أبدا، صحيح أنها تدخل في نزاعات مسلحة مع بعضها البعض ولكنها لا تمت إلى الاختلاف أو التباينات العقائدية داخل المذهب الشيعي الاثني عشري بل صراعات على الثروة والأرض والمراعي والماء كأي نزاعات تنشب بين العشائر الأخرى التي يطلقها صراع النفوذ والسيطرة على الشارع السياسي.

 

الإمام الغائب

استمات “شيعة فارس” بالقول بأن التشيّع نشأ في حياة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وراحوا يخترعون القصص والخرافات عن ولاء عدد من الصحابة لعلي مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وغيرهم، وحصل أنهم عندما وصل فكرهم إلى طريق مسدود بشأن الادعاء بأن أئمتهم هم 12 إماما بنص حديث للرسول المصطفى صلى الله وسلم، استنساخا لما هو موجود عند بني إسرائيل عن الأسباط الاثني عشر سبطا أو في المسيحية عن الاثني عشر حواريّا، وصل “شيعة فارس” إلى المأزق عندما مات الحسن العسكري ابن علي الهادي الذي صار إماما بعد ممات الأخير ولم يعرف عنه أنه ترك ذرية فاخترعوا ولادة طفل له وأطلقوا عليه اسم محمد، ووضعوا عنه قصصا لا تصح في عالم القادة المصلحين التاريخيين الذين يتحلون بالشجاعة والقدرة على تحمل الصعوبات والملمات ومواجهة الأعداء، كل ذلك من أجل المضي بهذه الفكرة واخترعوا حكايتي الغيبتين الصغرى والكبرى،  الصغرى التي استمرت في حياةٍ قضاها في عزلة عن الناس وخصص له أربعة سفراء كانوا وسيلة الاتصال بينه وبين جمهوره، وعلى الرغم من أن أطروحة الغيبة لا تليق بالقادة الكبار دينيا أو سياسيا فكيف يكون مصلحا وهو يحتمي وراء جدار من الوهم، ولو أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد اختار إيصال دعوته عن طريق سفراء، ما كان للدعوة الإسلامية أن تكون على النحو الذي نعيشه اليوم، ومع ذلك فإن “شيعة فارس” أدخلوا على فكرة المهدي الكثير من الخرافات والأساطير كي تكتمل الحلقات النظرية على الأقل لفكرة الإمامة المكونة من 12 إماما.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …