ذكرى “عريضة الإصلاح” تكشف الواقع السياسي في الإمارات

حين يحل شهر مارس من كل عام, يتذكر الإماراتيون حدثًا مهمًا في تاريخ الدولة وقع منذ 6 سنوات, حين حمل 133 إماراتيا مطالب شعب يستحق أن يكون جديرا بالحرية الكاملة، حرية أرد سالبوها أن تكون منقوصة، فانبرت ثلة من هذا الشعب تحمل ما عرف باسم «عريضة الإصلاح»، واختصروا مطالبهم في مطلبين (انتخاب أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، وتعديل المواد الدستورية ذات الصلة بالمجلس)، وبدلا من التقاط الدولة المطلبين والبناء الإيجابي عليهما حولت المجتمع إلى جحيم لا تخفي وهجه شعارات دولة السعادة او دولة التسامح الديني أو الدولة الأولى في الرفاهية.

مراقبون للحالة يرون أن الإمارات درجت منذ تأسيسها على يد الشيخ زايد بن سلطان، على توفير الخدمات الاجتماعية ودعم المواد الاستهلاكية والوظائف الحكومية، مقابل مشاركة ضئيلة، أو عدم المشاركة على الإطلاق، من جانب المواطنين في اتخاذ القرار.

ومع بدايات الربيع العربي والخشية من تنسم شعب الإمارات نسماته أغدقت السلطات على شعبها المزيد من الامتيازات المتعلقة برفاهية العيش من أراضٍ ومساكن وتسهيلات ائتمانية غير مسبوقة، بل وإيجاد فرص عمل أمام الشعب كانت موصدة خلال العقود الماضية ومتاحة لغيرهم من الوافدين، وذلك بهدف تأكيد جدارة السلطة بدورها.

ومع تراجع الاقتصاد تدريجيا فقدت السلطة فرصة توفير الخدمات إضافة إلى زيادة الوعي الجماهيري بالحقوق والحريات التي مثلت ركيزةً أساسية في اجتذاب نماذج الإصلاح السياسي والاقتصادي للمشاركة في حماية مستقبل الدولة في ظل حالة من الانحدار السكاني والإنساني والاقتصادي المتزايد منذ عام 2009.

مصير من حملوا عريضة الإصلاح

ماذا كان مصير من حملوا “عريضة الإصلاح”؟ وهل جميع من وقع عليها نال حظه من بطش السلطة؟ الإجابة بالنفي طبعا، فمن استمالته السلطة من الليبراليين والقومجية واليسارجية احتلوا مناصب عليا في الدولة أو المؤسسات التي كانوا يعملون بها، أما غيرهم ممن رفضوا “الانبطاح” للسلطة فكان لهم الاعتقال والسجن والتعذيب وسحب الجنسية وتهديد ذويهم وأقاربهم والدوائر العائلية المقربة منهم ومصادرة الأموال وإغلاق الشركات, وسجل التاريخ أنهم “إصلاحيون” لا “مخربين” كما تدعي السلطة .

وما إن نشر الإصلاحيون العريضة وتجاوبت فئات عريضة من الشعب معها حتى طالتهم إجراءات عقابية من جانب الحكومة، جردت الموقعين على العريضة من حقوقهم واتهمتهم بتلقي الدعم من الخارج وقامت بمحاكمة العشرات منهم بتهم لم تدرج أساسًا في تحقيقات النيابة أو حتى ساحات المحاكم الهزلية التي سيقوا إليها أمام مرأى ومسمع من العالم .

لمن لا يعرف طبيعة الموقعين على «عريضة الإصلاح»، هم لفيف من ألوان الطيف الفكري والسياسي في الإمارات بينهم رجال ونساء من أساتذة الجامعات وأعضاء سابقين في البرلمان ومسؤولين حكوميين سابقين ونشطاء حقوقيين وأعضاء في جمعيات المجتمع المدني وكتاب وفي مقدمة هؤلاء شيوخ من أبناء الحكام .

فضيحة المجلس الوطني في ذكرى التأسيس

المجلس الوطني الاتحادي الذي حلت ذكرى تأسيسه الـ45 قبل شهر يئن من الافتئات والجور عليه وبدلا من قيام رئيسته ” أمل القبيسي” بمنح المجلس سلطاته الدستورية، زادت من الطين بلة ودافعت عن تعيين نصف أعضاء المجلس غير مكترثة لمطالب الشعب بضرورة المشاركة السياسية الكاملة وعدم استمرار التمييز بين الإماراتيين في السماح لنحو 35% منهم فقط بالترشح والاقتراع.

“القبيسي” في مقابلة أجرتها مع صحيفة “الاتحاد” الرسمية الصادرة من أبوظبي ، فضحت الدولة والادعاءات بأن لديها تجربة برلمانية خليجية عريقة بإصرارها أن تُظهر المجلس الوطني على أنه “مكرمة” سياسية أو مؤسسة استشارية ملحقة بالسلطة التنفيذية، بدلا من انتهاز فرصة الذكرى لتؤكد حتى ولو من منطلق قانوني أن المجلس سلطة تشريعية كاملة الصلاحيات, الرقابية والتشريعية. 

الصحيفة سألت “القبيسي”: هل تتوقعون تاريخاً أو موعداً معيناً لبلوغ الاستحقاق الخاص بمرحلة الانتخاب الكامل والمباشر لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي؟

أجابت “القبيسي” حرفيا: “المزاوجة بين الانتخاب والتعيين آلية ليست حصرية على دولة الإمارات، بل تأخذ بها دول عدة عريقة، والمسألة ليست في الانتخاب الكامل أو النصفي، بل في تحقيق الأهداف المطلوبة من البرلمانات، وأعتقد أن وضع إطار زمني لبلوغ مرحلة الانتخاب الكامل لأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، أمر غير واقعي ولا يتماشى مع نهجنا في العمل الوطني، فالإمارات طبيعتها لا تميل، ولا تعمل وفق الشعارات الخاوية والدعايات الأيديولوجية، بل تحرص على أن تنظر أمامها بحرص ووعي وتقيس خطواتها جيداً قبل أن تواصل السير، ومن الطبيعي أن تكون الخطوات المقبلة أكثر حذراً ودقة من مرحلة البدايات، فنحن نريد أن نراكم على ما تحقق من دون مجازفة”، على حد زعمها.

وتابعت:” القيادة وضعت لنفسها إطاراً يقضي بتحويل المجلس الوطني الاتحادي إلى سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للسلطة التنفيذية، وهذا الأمر ينطوي على دلالة صريحة بأن مستقبل المجلس إلى مزيد من الصلاحيات الدستورية”، على حد قولها.

ناشطون يحرجون صناع الاستبداد 

ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان أحرجوا صناع الاستبداد واستنكروا أن ترد هذه التصريحات على لسان رئيس المجلس كونها تبرر للسلطة التنفيذية ما تقوم به من مواقف استبدادية، حيث من المفترض أن تتمتع “بالذاتية السياسية” على الأقل وألا تكون “ملكية أكثر من الملك” على حد تعبير ناشطين، وكان عليها أن تتوافق مع وظيفتها ومنصبها وتطالب بتطوير المجلس الوطني.

ناشطون أضافوا أن إجابة “القبيسي” على سؤال “الاتحاد” عن الفرق بين النائب المنتخب والنائب الذي يصل عبر التعيين كان قمة “المسخرة” عندما قالت وبلا تردد بأنه لا فرق بينهما، وكأنها تنفي الحاجة للانتخابات من الأساس وليس هناك حاجة ليقوم الإماراتيون بواجباتهم ما دام هناك من يقوم بها عنهم سواء برضاهم أم بدون رضاهم ، فيما اعتبر نشطاء آخرون أن الإجابة متسقة مع تعيين “القبيسي” رئيسة للبرلمان ولكونها لم تأت عبر انتخابات حرة نزيهة لهذا الموقع.

ولا يتمتع المجلس الوطني الاتحادي بأية صلاحيات تشريعية أو رقابية، وإنما يعد هيئة استشارية حسب الدستور، وينتخب 25% من الإماراتيين فقط, نصفَ أعضاء المجلس، فيما يتم تعيين البقية من قبل السلطات.

يتكون المجلس من أربعين عضواً موزعة كالتالي: (8) مقاعد لإمارة أبوظبي، (8) مقاعد لإمارة دبي، (6) مقاعد لإمارة الشارقة، (6) مقاعد لإمارة رأس الخيمة، (4) مقاعد لإمارة عجمان، (4) مقاعد لإمارة الفجيرة، (4) مقاعد لإمارة أم القيوين.

النشاط السياسي محظور

في الإمارات غير مسموح بأي نشاط سياسي، ويمكن أن يُقتاد الممارسون له إلى إجراءات عقابية، وهذا يتضمن الإصلاحيين والمستقلين وحتى المقيمين الأجانب من أفراد أو مؤسسات، وبالفعل فقد تم طرد عدد من المنظمات الحقوقية الأمريكية والألمانية العاملة في الإمارات عام 2012، وقد طلب من أجانب مغادرة البلاد كما منع آخرون من دخولها، في عام 2016.

وبعد 6 سنوات من إطلاق العريضة في 3 مارس 2011، تزامنا مع ثورات الربيع العربي، لم تتغير الإمارات، لكن تحولت إلى الأسوأ، تحت وقع الهواجس الأمنية للحفاظ على نظام رفض أن يتجاوب مع الحد الأدنى من متطلبات الإصلاح الإقليمية، رافضًا دفع أي فاتورة إصلاحية, متمسكًا بأجندته, ومحاولًا فرضها على الصعيد الإقليمي بشتى الطرق.

حصاد حكومة بلا محاسبة

نشطاء للرأي اعتبروا توجيه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بالتوجه نحو قيادة “مشروع المريخ 2117” هروبا من استحقاقات حكومية فشلت في عامها الأول أن تحقق رباعية “المستقبل والشباب والسعادة والتعليم” وقد دفعت الاتهامات بالفشل وغياب آلية جادة مؤسسية للمحاسبة عبر أدوات الديمقراطية والأساليب العصرية في الرقابة والمحاسبة الشعبية للسلطات التنفيذية، دفعت بعض أعضاء المجلس الوطني للمطالبة بوجود مؤشرات ومحددات لقياس مفردات الرباعية المزعومة.

مستقبل مجهول

الوضع الحقوقي في الإمارات، على مدار السنوات الست الماضية، أصبح في غاية السوء، وهو الأمر الذي وثقته عشرات المراكز الحقوقية في مقدمتها المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، ومنظمة «هيومن رايتس ووتش»، ومنظمة «العفو الدولية»، بالإضافة إلى وثائق آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان والمقررين الدوليين، والتي تعج بحالات انتهاك حقوق الإنسان في الإمارات.

وعلى الرغم من محاولات الإمارات تجميل هذا الوجه بالتسويق لمنجزات شكلية داخلية، والحرص على البقاء ضمن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة, لا يزال الواقع الحقوقي يعاني قمعا مستمرا، بحسب التقارير الحقوقية التي كان أحدثها تقرير «المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان 2017».

يشار إلى أنه في نوفمبر 2016، خلصت دراسة لمعهد «تشاتام هاوس» إلى أن استمرار دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، بالانحدار بعيداً عن الإصلاحات السياسية سيعزز التوترات المتعلقة بتعريف العقد الاجتماعي الجديد، بين الحكام والمواطنين.

وكشف واقع القضاء والمجلس الوطني مدى صواب رؤية الموقعين على العريضة، كون إصلاح هاتين السلطتين فيه إصلاح للسلطة التنفيذية وأجهزتها كافة، بما فيها يد الأمن الباطشة، على حد وصف ناشطين.

وإذا كان بعض الإماراتيين قد استغرب عام 2011 من العريضة ومطالبها، فإن سلوك السلطة التنفيذية وأجهزتها المختلفة وواقع المجلس الوطني والقضاء، بعد 6 سنوات من توقيع العريضة، يعطي جوابا كافيا وكاملا للمتسائلين، وتكسب العريضة مع كل يوم يقضيه الناشطون في السجون أرضا جديدة من التأييد.

وقد بات الإماراتيون يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع كوسيلة سياسية بهدف التأثير على خطط  الحكومة.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …