استمر الرئيس التونسي قيس سعيد في استغلال القضاء في بلاده، وتطويع قضاة فاسدين لإصدار أحكام بالسجن المؤبد ضد الشيخ راشد الغنوشي رئيس البرلمان الذي قام بحله وأحكام أخرى مشددة بحق قيادات حزب النهضة الإسلامي بغرض التخلص منهم وإخلاء الساحة لحكمه الديكتاتوري.
وأثارت الأحكام جدلا واسعا في تونس، وسط اتهامات من المعارضة ومنظمات حقوقية بأن المحاكمات تحمل أبعادا سياسية في ظل التوتر المتصاعد بين السلطة ومعارضيها منذ عام 2021.
وقضت محكمة تونسية، أمس الثلاثاء 2 يونيو 2026، بالسجن مدى الحياة بحق زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ضمن أحكام صدرت بحق عدد من المتهمين في قضية مرتبطة بتهم “إرهاب”.
وشملت الأحكام عقوبات متفاوتة تراوحت بين السجن المؤبد والسجن لمدة عشر سنوات، وفق ما أفادت به حركة النهضة وتقارير إعلامية محلية.
ويأتي القرار في ظل سلسلة من الملاحقات القضائية التي طالت قيادات سياسية بارزة في تونس خلال السنوات الأخيرة.
واتهم الغنوشي وشخصيات أخرى في النهضة بتأسيس “جهاز أمني سري” لخدمة الحركة التي فازت في الانتخابات التي أعقبت الثورة في عام 2011 وهيمنت من بعدها على الحياة السياسية التونسية لنحو عقد، وهي تهمة ملفقة.
وحكم على الغنوشي البالغ 84 عاما بالسجن مدى الحياة مع 30 سنة، وفق وسائل إعلام محلي والحركة التي أكدت الأحكام كما حكم على الضابط المتقاعد كمال البدوي بالسجن مدى الحياة مع 32 سنة.
أما رئيس الوزراء السابق على العريض المحتجز منذ عام 2022 والذي يواجه اتهامات في قضية منفصلة تتعلق بالمساعدة في إرسال مقاتلين جهاديين إلى العراق وسورية، فقد حكم عليه بالسجن لمدة 42 عاما.
واعتقل الغنوشي عام 2023 وبلغ مجموع الأحكام عليه في قضايا عدة، بينها “التآمر ضد أمن الدولة”، أكثر من 40 عاما في السجن، قبل حكم الثلاثاء.
النهضة: وصمة عار للقضاء
ويعتبر منتقدون أن الأحكام الصادرة ضد شخصيات المعارضة ذات دوافع سياسية ووصفت حركة النهضة الحكم بأنه “يفتقر إلى أبسط شروط العدالة”
ونددت منظمات غير حكومية تونسية ودولية عدة بتراجع الحقوق والحريات في البلاد منذ وصول الرئيس قيس سعبد إلى السلطة في يوليو 2021، حيث أقال رئيس حكومته وعلّق عمل البرلمان قبل أن يُنتخب برلمان بصلاحيات محدودة جدا.
واستنكرت هيئة الدفاع عن رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، صدور حكم يقضي بسجنه مدى الحياة في إطار قضية “الجهاز السري لحركة النهضة”، فيما اعتبرت الحركة أن الحكم هو “وصمة عار في تاريخ القضاء التونسي”.
ووصفت هيئة الدفاع عن الغنوشي حكم السجن الجديد بحقه بـ”الصادم والظالم”، معتبرة أن “القضية سياسية والمحاكمة هي لفكر سياسي مخالف لأصحاب الشكوى (هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي وحزبي الوطد والتيار الشعبي)، ولا صحة لما ينسبه الشاكون للمتهمين”
كما اعتبرت الهيئة أنه “تم الزج باسم الغنوشي وأسماء أخرى عام 2022 بطلب من وزيرة العدل، وتم عقب ذلك إصدار بطاقة إيداع ضده ومنعه من السفر دون إعلام كما يفرض القانون”
وأكدت أن القضية “بُنيت على ملف سبق للقضاء أن أصدر فيه أحكاماً باتة ثبت فيها انعدام أي علاقة للغنوشي بالمتهم فيها وبحيثياتها مع التذكير أنه قد تم إيقاف المتهم في تلك القضية ومقاضاته سنة 2013 وقضى العقوبة كاملة دون التمتع بأي ظرف من ظروف التخفيف”
كما أكدت “اعتراف أحد الشاكين في وسائل الاعلام عام 2018 أن حركة النهضة وقياداتها أبرياء من الاغتيالات السياسية، وهو ما أكدته الأحكام القضائية الباتة في قضايا الاغتيالات الصادرة سنة 2024 وما يليها”
واستنكرت حركة النهضة “الانحراف الخطير وغير المسبوق في مسار العدالة في تونس”، معتبرة أن إعادة إحياء القضية بعدما حسم فيها القضاء قبل سنوات هدف “إقصاء خصم سياسي، أثبت القضاء مراراً براءته من قضايا الاغتيالات السياسية”
كما اعتبرت أن “المحاكمة تمت في الظلام بعيداً عن الرقابة، بعدما أصرت المحكمة على الجلسات المغلقة، في ظروف تنعدم فيها أدنى ضمانات المحاكمة العادلة، ما يُثير تساؤلات جدية حول ما كانت تسعى هذه الجلسات إلى إخفائه”
وعبرت الحركة عن “إدانتها الكاملة للأحكام الصادرة بحق الغنوشي وسائر المتهمين، وتأكيدها أن هذه المحاكمة تفتقر إلى أبسط شروط العدالة، وأنها ستبقى وصمةً في تاريخ القضاء التونسي”
وطالبت بـ”وقف هذه المحاكمات الجائرة فوراً، وإطلاق سراح جميع المساجين السياسيين، والكفّ عن التغطية على فشل السلطة بالاستعراضات القضائية”
كما دعت السلطات إلى “الانصراف عن ملاحقة الخصوم السياسيين إلى معركة الإنقاذ الحقيقية، فالأزمة الاقتصادية حقيقية، والتدهور الاجتماعي حقيقي، ومعاناة المواطن اليومية لن تُداريها محاكم ولا خطاب التطهير”
وكانت منظمة “الكرامة لحقوق الإنسان” (مقرها جنيف) دعت بعثة الأمم المتحدة في تونس إلى حث السلطات التونسية على تنفيذ توصيات الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة والمتعلقة بالإفراج عن الغنوشي باعتباره محتجزا بشكل تعسفي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات