اتفق الجانبان الأمريكي والروسي على انتقاد الموقف المصري، وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية، وكان لكل منه ما يبرر ذلك، وفق ما نقلت مصادر دبلوماسية عن وزيري الخارجية الأمريكي والروسي.
وقال الكاتب الصحفي المصري الموالي لنظام عبدالفتاح السيسي، عبدالله السناوي، إن شخصية دبلوماسية – وصفها بأنها لها صلاتها وصداقاتها الدولية – التقت وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في «كافيه ميلانو» بواشنطن ودار بينهما حوار غير رسمي حول بعض تطورات الإقليم ومستقبل الدور المصري فيه.
ووفق رواية السناوي في مقاله المنشور بجريدة «الشروق» اليوم تحت عنوان «ما بعد الخطوط الحمراء»، فإنه الوزير الأمريكي كان يتناول العشاء في غرفة منفصلة وعندما علم أن صديقه القديم في المكان نفسه طلب من أحد العاملين أن يسأله إذا كان يريد أن يراه.
وأضاف: «في اللقاء طرح الرجل القادم من القاهرة سؤالا واحدا: «جون.. أخبرنى على أى أساس تشركون أو تستبعدون دولا مهمة فى الإقليم من مباحثات الأزمة السورية؟».
وتابع: كان قصده: «لماذا تستبعد مصر؟»، وجاءت الإجابة مثيرة فى نصها ورسالتها: «بقدر ما يمكن أن يقدموه». وكان قصده: «إن مصر ليس لديها ما تقدمه».
وقال السناوي إن رد فعل كيري استلفت نظر الدبلوماسى المصرى لأن ما سمعه منه هو نفس ما سمعه من وزير الخارجية الروسى «سيرجى لافروف» عندما التقاه فى موسكو بصحبة شخصية دبلوماسية مصرية أخرى لها اعتبارها الإقليمى والدولى. ووصف السناوي، الأداء الدبلوماسى المصرى فى مجلس الأمن بأنه جاء متخبطا على نحو فادح، لا يقنع أحدا ولا يجلب احتراما.
وقال: «فى المرة الأولى، صوت المندوب المصرى الدائم على مشروعى قرارين متضادين فى الأزمة السورية والصراع على حلب.. أولهما روسى والآخر فرنسى. لم يكن أحد فى العالم مستعد أن يصدق التبريرات التى سيقت لتفسير موقف لا يمكن تفسيره». وأضاف: «بالمعايير الدبلوماسية كانت هناك بدائل مفهومة مثل الامتناع عن التصويت على مشروعى القرارين، أو التصويت لصالح أحدهما دون الآخر».
وأشار إلى أنه «كانت النتائج كارثية على صورة الدبلوماسية المصرية على الجانبين الدوليين والإقليميين فى الحرب السورية. بتعبير «لافروف»: «هذا تخبط» كما قال فى لقاء غير رسمى مع صديقين مصريين قديمين»، كما يقول السناوي.
وعلق السناوي على سحب مصر لمشروع قرار بمجلس الأمن يدين ــ لأول مرة منذ ستة وثلاثين سنة ــ الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، قائلاً: ل يكن الأداء الدبلوماسى المصرى قبل وبعد التصويت مقنعا لأحد ولا جديرا باعتبار هنا ولا فى أى مكان آخر بالعالم باستثناء إسرائيل.
وروى قصة ما جرى بمجلس الأمن باعتباره يلخص تخبطا فى إدارة الملفات الإقليمية الحساسة وتجاوزا لأى خط أحمر عند النظر إلى حقائق المصير المصرى. إذ وصف السناوي فالقضية الفلسطينية بأنها «مسألة أمن قومى قبل أى شىء آخر، فأمن مصر موصول عند الجذور بالمشرق العربى»، واعتبرها «رغم التراجعات الفادحة التى لحقت بها هى ميزان الأحجام والأوزان والأدوار فى العالم العربى.
وقال إنه «بالحقائق المؤكدة، لا المشاعر الغاضبة، فإن مصر اهتزت صورتها على نحو يصعب ترميمه بتبريرات دبلوماسية مراوغة، وتراجعت على نحو فادح أية ثقة».
وأضاف: «لم يكن طلب مندوب مصر فى الأمم المتحدة إرجاء التصويت على مشروع قرار إدانة المستوطنات «رؤية عميقة»، على ما قال بيان رسمى، حتى يتسنى التوصل إلى تسوية شاملة للقضية الفلسطينية عند تولى الرئيس الأمريكى المنتخب «دونالد ترامب» مهامه. إذ قال إن «ترامب» يؤيد المستوطنات ويتبنى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وهذا تدمير كامل لأية فرصة لحل الدولتين، بينما يؤكد القرار الصادر عن مجلس الأمن عدم شرعية ما بنته إسرائيل من مستوطنات فى الأراضى المحتلة منذ عام (١٩٦٧)، بما فيها القدس الشرقية، داعيا إلى تحديد إطار زمنى للمفاوضات بآلياتها ومرجعياتها.
ومضى السناوي مستعرضًا ملابسات سحب مشروع القرار المصري، قائلاً: «لم يكن سحب مشروع القرار أمرا اختياريا، فقد تلقى المندوب المصرى ما اسماه هو نفسه بـ«الإنذار»، إما أن يجدد طلب التصويت الآن، وإما أن يسحبه حتى يمكن لدول أخرى أن تعرضه كما هو فى نفس الليلة». وأضاف: «لم يكن التصويت المصرى لصالح القرار، الذى وصف دوليا عن حق بالتاريخى، أمرا اختياريا آخر، فلا يمكن الامتناع ولا الرفض، وإلا فإنه الانتحار بالتماهى الكامل مع المشروع الصهيونى».
ورد على الادعاء الرسمى بأن الهدف من سحب مشروع القرار التأكد مما إذا كانت الولايات المتحدة ستستخدم حق الفيتو أم لا، قائلاً إنه ليس له أى ظل من الحقيقة.
واستطرد: «كانت المعلومات شبه معلنة فى أروقة الأمم المتحدة، فإدارة «باراك أوباما» عزمت أمرها على الامتناع عن التصويت، ولا يستبعد أن تكون قد أوعزت لأطراف دولية حليفة أن تمرر القرار حتى يظل مشروع التسوية متاحا وحل الدولتين ممكنا». وأردف: «كانت هناك أسباب جوهرية دعت الدول الكبرى، كل من موقعه ولحسابات أمنه، لتمرير القرار خشية أن يفضى تشدد حكومة «بنيامين نتنياهو» إلى إنهاء أية فرصة للتسوية مما قد يصب مزيدا من الزيت فوق النيران المشتعلة فى الإقليم ويزكى تيارات العنف والإرهاب داخل مجتمعاتها».
وقال إنه بحسب رواية إسرائيلية فإن «نتانياهو» اتصل بـ«جون كيرى»، لكنه لم يحصل على أية إجابة تطمئنه أن الولايات المتحدة سوف تستخدم الفيتو لإجهاض مشروع القرار، كما جرت العادة فى مرات سابقة من إدارة «أوباما» نفسها. «بدا الحصار الدبلوماسى شاملا، وإسرائيل معزولة، ولم تجد حكومة «نتانياهو» غير الاستعانة بالرجل الذى تعول عليه القاهرة لسحب مشروع القرار»، كما يقول السناوي.
ووفق قوله: «كان الرئيس الأمريكى المنتخب «دونالد ترامب» جاهزا، ولم يجد أمامه أية ممانعة. وذلك قد يرجح مستقبلا تقبل ضغوطا مماثلة فى ملفات حساسة أخرى». وذهب السناوي إلى أن كلاً من موقفين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي المنتخب دونالد ترامب، يميل من مداخل مختلفة إلى «الواقعية السياسية» ويبحث فى الكلفة والعوائد قبل اعتماد المواقف. وقال: «بوتين» تعنيه اعتبارات الأمن الروسى وتعظيم مصادر قوته.. و«ترامب» يميل خطابه إلى المصالح الاقتصادية وأن كل موقف عسكرى أو أمنى بحساب. فيما يتمتع «بوتين» بثبات فى رهاناته وسياساته فإننا نحتاج وقتا لاستكشاف الطريقة التى سوف يتصرف بها «ترامب» فى الأزمة السورية.
وخلص السناوي إلى ظأن «ترامب هو ترامب» لكنه لا يعمل وحده، ومن أهم الاختبارات المنتظرة مدى دور ونفوذ المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية والنيابية على قراراته. وقال: «باسم تلك الواقعية شرع «بوتين» فى التوظيف السياسى لاغتيال سفيره فى أنقرة. وباسم تلك الواقعية سوف يسعى «ترامب» إلى الانقضاض على ما تبقى من حقوق فلسطينية».
وختم السناوي مقاله بالقول: «هناك فارق بين الواقعية السياسية، التى تحكمها المصالح العليا لأى دولة، وبين واقعية أخرى تتجاوز الخطوط الحمراء فى الأمن القومى دون تحسب للأثمان الباهظة التى سوف تدفع».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات