يبدو أن البوب محمد البرادعي في بيان ” فات الميعاد ” كما رأيت أن أسميه، مازال يبحث عن دور زعيم مفقود، أو نجم بدأ في الأفول، مع توسع دائرة الغضب ضد نظام السيسي وتهاوي شعبيته الزائفة أصلاً (أي السيسي) في عيون الكثير من أنصاره ودراويشه ومريديه أنفسهم بعد أن اكتشفوا, ولو متأخراً, حقيقة أن السيسي جاء ليدمر مصر لا لينقذها، لكن أهم ما أثار انتباهي في بيان البرادعي أربع نقاط:
الأولى هي توقيت إطلاق البيان الآن ولماذا الآن على وجه الخصوص؟، ولماذا سكت الرجل أكثر من ثلاث سنوات ليخرج علينا ببيانه دون سبب منطقي مقنع، لاسيما في ظل تردي الأحوال الاقتصادية والمعيشية بشكل مخيف ينذر بإفلاس وشيك ومحقق ما لم تحدث معجزة، وقبيل دعوات ما يسمى بـ “ثورة الغلابة” في 11/11 ، كما عودنا دائماً الرجل قبل كل حدث كبير تنتظره الساحة السياسية، حيث يمسك بعصا البطولة ويتقمص دور المنظر والمنقذ والملهم على غرار ما حدث قبيل ثورة 25 يناير، لكنه أخطأ في التوقيت الآن بعد سقوط ورقة التوت عن كل من شاركوا في جريمة 30 يونيه و3 يوليه.
والثانية، الرجل يدعي أنه فوجئ في بداية الاجتماع أن رئيس الجمهورية (محمد مرسي) كان قد تم احتجازه بالفعل صباح ذلك اليوم (3 يوليه) من قبل القوات المسلحة – دون أي علم مسبق للقوى الوطنية، الأمر الذي يكذبه البرادعي نفسه في حواره مع الاعلامي شريف عامر على” قناة الحياة ” بتاريخ 3 أغسطس وبعد شهر واحد من الانقلاب عندما نفى التوسط لإطلاق سراح الرئيس مرسي زاعماً أن الأمر متروك للقضاء والشعب المصري، وهو ما أكدته حركة تمرد على لسان كل من محمود بدر ومحمد عبد العزيز اللذين أكدا أيضاً على أن البرادعي كان من الموافقين على عزل مرسي، وعدم اجراء استفتاء على انتخابات رئاسية مبكرة.
الأمر الذي يكشف أن المستهدف هو الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين والتجربة الديمقراطية التي يتباكي عليها الآن سيادة البوب الغارق في نعيم الغرب كجزء من مخطط مُعَد له سلفاً ، ويفضح أكذوبة القضاء الشامخ المستقل الذي يعيش الآن في أجازة طويلة بعدما ارتضى أن يمتطيه السيسي بالبيادة كأحد أهم أذرعه في قهر الشعب المصري.
أما الثالثة, والتي تنسف كل ادعاءاته البطولية الزائفة, قوله بوجود عنف بدأ يتصاعد في اشتباكات بين مؤيدي الرئيس السابق وقوات الأمن والذي أدى إلى وقوع الكثير من الضحايا(على حد وصفه)، وهو تشويه للحقيقة باعتبار الأزمة صراع بين قوتين متكافئتين تملكان نفس أدوات القوة، وليس طرفا اغتصب السلطة بقوة السلاح عبر السيطرة على الجيش والشرطة والقضاء والاعلام واعتدى على أول تجربة ديمقراطية نزيهة مثلت الشعب المصري عبر تاريخه، وطرف أعزل لا يملك سوى التظاهر السلمي في الشوارع والميادين دفع الثمن باهظاً من حياته وحريته.
أما الرابعة فهي خلو البيان من كلمة ندم أو اعتذار واحدة عن ما حدث قبل وبعد 3 يوليه من دماء وانتهاكات غير مسبوقة لحقوق الانسان، وهو ما يجعل المرء متشككاً في منطلقات البرادعي الفكرية قبل وبعد البيان، ذلك أن الرجل لم يندم على الترويج للانقلاب في الداخل والخارج الذي أفضى بالنهاية إلى سفك دماء آلاف الضحايا والزج بعشرات الآلاف في غياهب السجون، فضلاً عن انهيار اقتصادي ينذر بالافلاس، ولم يتبرأ بعد من عبد الفتاح السيسي ومن تورط الجيش في السياسة بشكل صريح وحاسم، لاسيما وهو الليبرالي الذي يتفاخر دائماً بالديمقراطية وتداول السلطة.
البرادعي يلعب في الوقت الضائع من بعيد كعادته من ” برجه العاجي” عبر وسائل التواصل الاجتماعي حباً في الظهور على المسرح السياسي تحسباً لأي تغيير قادم، وسواء كان بترتيب وتنسيق مع الغرب أم مداعبة لأحلامه الشخصية، فإنه لا يمثل إلا نفسه والجهة التي تقف وراءه، وحتى لا يُلدغ الثوار من جحر الكذب والخداع أكثر من مرة، ولن تنطلي علينا أسبابه الواهية بالتستر على الحقيقة لأكثر من ثلاث سنوات، فالحقيقة شهادة لا تخرج للنور بالقطعة وحسب الهوى، ولا يجب كتمانها لأغراض سياسية أو شخصية.
وعندما يخرج علينا في بيانه، إنما يحاكم نفسه قبل أن يصدر أحكاماً على الآخرين، وإدانة واضحة له قبل أن تكون إدانة لغيره، وأنه كان فاعلاً حقيقياً ومحركاً أساسياً للمشهد السياسي وليس ضحية تم استغفاله كما يحاول أن يروج في ثنايا كلامه المسموم، ذلك أن أهم رسالة قرأتها من البيان هي اعادة الاعتبار المعنوي دون أن يقصد صاحبه بالطبع للرئيس المغدور محمد مرسي, والأحرار الأسرى في معتقلات السيسي, والشهداء الذي قضوا انتفاضاً من أجل حريتهم ورفعة شأن أمتهم وبلادهم ، في الوقت الذي أدرك القاصي والداني أن 30 يونيه كانت أكبر خديعة وكارثة حلت بمصر والمنطقة كلها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات