ما حدث مع وزير تموين السيسي، خالد حنفي ليس مفاجأة أو اكتشاف، فالجميع يعرف مدى الشبهات التي تحوم حول فساد الرجل داخل الوزارة لاسيما في ملف توريد القمح الذي وصل إلى مليار جنيه بحسب تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها برلمان السيسي، واكتشاف تسجيل 27 مليون مواطن على الكروت الذكية الخاصة بالتموين بشكل وهمي يحصلون على دعم، فرائحة الفساد في وزارته لم تعد تُحتمل ولن يُجدي معها التجميل أو التبرير.
وعليه فإن دوره قد انتهى ويتم البحث عن بديل, لن يكون أنقى من سلفه.
“حنفي” يقيم منذ أكثر من عامين ونصف العام في فندق سميراميس ذي النجوم الخمسة منذ توليه الوزارة في فبراير 2014 ، والسيسي وأجهزته تعلم ذلك ولم يتحرك أحد, لأن الوقت لم يكن قد حان بعد, حيث لم يستنفد “حنفي” مهامه المأمور بتنفيذها، لذا فمن غير المسموح له أن يستقيل من تلقاء نفسه دون انتظار أوامر جديدة بالاستمرار أو اجباره على الاستقالة.
ومنذ أيام, حانت لحظة الفراق وصدرت الأوامر للأذرع الإعلامية بالهجوم على الوزير واستباحة سمعته، والنيل منه، تمهيداً للتخلص منه في أقرب فرصة للظهور بمظهر النزاهة وحماية المال العام بامتصاص غضب الحانقين على سلوك وسياسة الوزير التي لم تعد تُحتمل من ناحية، والإلهاء وممارسة ما نسميه (الاشتغالات) المكشوفة من ناحية أخرى.
ذلك أن رأس السلطة متورط في الفساد ويرعاه، وما خالد حنفي إلا جزء صغير في منظومة فساد كاملة تحول بين عشية وضحاها إلى كبش فداء بغرض غسل سمعة النظام البائسة، لذا فإن أي إدانة للوزير هي إدانة للنظام؛ الجاني الحقيقي، فقد يدفع ” الصبي ” ثمناً متفقاً عليه بالسجن خمسة نجوم أيضاً إذا اقتضت الحاجة حسب اتجاه الريح السياسية فداءً ” للمعلم الكبير”، مع الاحتفاظ بأمواله التي اكتسبها زوراً من منصبه، حتى يخرج بعد قضاء عقوبته “السياحية ” لينعم بما نهبه من مال الشعب، ولذلك فإن معركتنا الحقيقية مع “الرجل الكبير” وليست مع “الصبي” حتى لا نضل الطريق.
من الخطأ تسطيح قضية وزير التموين وحصرها كسلوك شخصي بعيداً عن أجواء عامة ترعى الفساد وتشرعنه بالالتفاف على القانون، فالفساد في مصر أصل وقاعدة وليس استثناء، لاسيما بعد الانقلاب الذي انقض على الإرادة الشعبية بالأساس ليحمي مكتسباته التي جناها عبر السنين بوسائل وطرق ملتوية، وما حدث مع خالد حنفي ليس انتصاراً للعدالة أو حفاظاً على المال العام المُهدَر منذ أكثر من ستة عقود، بل التفافاً على الواقع وتستراً على هذا الفساد حتى ولو بالتضحية بوزير أو مسؤول, إعلامياً, وحرقه سياسياً, فقط دون اتخاذ اجراءات قانونية شفافة، حيث ستنتهي القضية غالباً بالحفظ أو سلقها دون الخوض في تفاصيل ستكشف بالقطع رؤوساً أكبر, نافذة في السلطة تماماً كما فعلوا مع أحمد الزند؛ وزير العدل السابق.
خالد حنفي كغيره من أذرع السيسي ليس سوى أداة استنفدت الغرض منها ووجب التخلص منها فوراً، ليس لأنه فاسد أو متستر على الفساد فحسب، بل لأنه استمرأ الكذب في كل حرف تفوه به، من أول قصة الدجاجة التي ثمنها 75 قرشاً, وكيلو اللحم بجنيه واحد، وأن نجاح مؤتمر شرم الشيخ ليس بالضرورة أن يكون عن طريق جذب الاستثمارت، حتى آخر تصريح له بأنه لن يستقيل وسيظل مقيماً في الفندق، ذلك أن المسؤول الذي يكذب ويتحرى الكذب لن يتورع في انتهاك حرمة المال العام.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات