رضا حمودة يكتب: عندما ركع حاكم عربي أمام رئيس وزراء إسرائيل!

 لم يعد غريباً صمت الأنظمة العربية, حد التواطؤ, ضد القضية الفلسطينية, التي لم تعد قضية العرب والمسلمين المركزية كما كانت في وعى الأمة الجمعي لعقود طويلة، بل بات المدهش حقاً أن نرى من حكامنا عكس تلك المواقف المخزية إزاء كل ما يتعلق بقضايانا المصيرية العادلة, خاصة كل ما هو إسلامي. لذا أعتقد أن من المنطق عدم التعويل طويلاً على هؤلاء الحكام أو التباكي على خزى مواقفهم أو انتظار نوبة صحيان تطرأ فجأة لصالح شعوبهم أو قضايا الأمة. ولعل تصريحات ئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو الأخيرة أثناء لقائه الرئيس الأمريكي ترامب في واشنطن (15 فبراير) ترسخ هذا المعنى وتؤكد عليه عندما قال “لأول مرة في حياتي ولأول مرة منذ إقامة دولة إسرائيل، الدول العربية لا تعتبر إسرائيل عدوة, بل تعتبر إسرائيل أكبر حليف لها”.

ونتيجة لهذا التحالف يصبح من البديهي عدم تأييد الأنظمة العربية للمقاومة، بل التآمر عليها وشيطنة كل عمل مسلح ضد عدونا الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأن السبب واضح وهو أن هذه المقاومة تفضح تبعيتهم للخارج وتُعريهم تماماً كما تفضحهم أى تحركات ثورية معارضة في بلداننا العربية (بلدان الربيع العربى)، ذلك أن المقاومة ضد المحتل كشفت الصهاينة العرب في بلادنا، الذين صار جهاد المحتل دفاعاً عن الأرض إرهاباً بنظرهم ودعوةً للتطرف, تماهياً وانسجاماً مع الرواية الغربية الصهيونية. وبالتالي نلحظ تحركاتهم الحثيثة والخبيثة لإجهاض أى صوت أو تحرك ثوري على الأرض ينادي بالحرية والاستقلال والانعتاق من التبعية للغرب بشتى الوسائل المادية والمعنوية والإعلامية.

هزتني قراءة رسالة مخزية عبر الفاكس لحاكم عربي ارتضى لنفسه ولأمته الذل والمهانة بعثها لرئيس وزراء العدو الصهيونى( إسحاق رابين) بتاريخ الثالث من يوليو من عام 1995تعمّدت إسرائيل تسريبها وللمصادفة القدرية أن يتزامن تاريخ الرسالة الفاضحة مع انقلاب عبد الفتاح السيسي عام 2013.. هذا الحاكم هو الرئيس الصومالي محمد إبراهيم عقال، والغرض من الرسالة هو طلب تأسيس شركة إستراتيجية مع إسرائيل قائلاً في نهاية رسالته بحالة من الانسحاق والانبطاح المثير للغثيان ولكل معاني الدونية وامتهان الكرامة: (ونعرب لسعادتكم عن إعجاب شعبنا الشديد بإسرائيل التي هزمت العرب في ثلاث معارك رئيسية حتى حصلت على مبتغاها، وعلى كل حال فنحن منكم كالقزم أمام العملاق. شالوم .. ولي الشرف أن أبقى خادمكم المطيع).

انتهت رسالة الحاكم “المنبطح” لكن مازال دويّها الهائل وأثرها بالغ السوء على ضمير كل عربي ومسلم يمتلك الحد الأدنى من النخوة والكرامة وحمرة الدم البشرى لكل من قرأها، ورغم أن الرسالة قديمة تاريخياً لكنها حديثة في جوهرها تعززها الشواهد على أرض الواقع وكأنها كتبت للتو، ويبدو أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة وربما هناك الكثير من الرسائل المماثلة لحكام ومسؤولين عرب آخرين لم يتم الكشف عنها بعد.

(ولعل آخر ما تم الكشف عنه هو اعتراف نتنياهو حسب صحيفة “هآرتس الصهيونية” بلقاء السيسي وملك الأردن في مدينة العقبة الأردنية بحضور وزير الخاردية الأمريكي السابق؛ جون كيري في مارس 2016 بهدف تصفية القضية الفلسطينية في غياب ممثل عن الشعب الفلسطيني ولو شكلياً)، ما يجسد مدى الحميميّة القائمة على “الدونية” وليست “الندية” بين حكامنا, المستأسدين على شعوبهم فقط, وبين زعماء الكيان الصهيوني.

 ولعل أبرز ما يجسد هذه الحالة ما قاله الوزير الصهيوني المتطرف أفيجدور ليبرمان في (يونيو 2014) مكرراً مقولة رئيس جهاز الموساد الأسبق مائير داجان : “إن الدولة الإسرائيلية مثل العشيقة في الشرق الأوسط، الجميع (يقصد الحكام العرب) يستمتعون بالعلاقة معها، ولكنهم لا يعترفون بذلك”..إلى أن وصل حد الغطرسة والاستعلاء بالقول بأن “إسرائيل بإمكانها العيش والصمود بدون (العرب)، ولكن هذه الدول لا يمكنها العيش بدون إسرائيل”.

هكذا تحدث الصهيوني ليبرمان وغيره من قيادات الدولة الصهيونية من واقع التجربة العملية وإدراكهم الواقعي لطبيعة العلاقة التى تربط كيانهم بالحكام العرب (والتي لا تعرفها الشعوب العربية)، ذلك أن العلاقة بين الجانبين تخطت حد العلاقات العادية إلى علاقات المودة والحميمية والسلام الدافيء(حسب مصطلح السيسي)، فضلاً عن التبادلات التجارية فى السر والعلن وصفقات الأسلحة والغاز, وما خفي أعظم.

فكما أن العلاقة بين الدولة المصرية وأمريكا كعلاقة الزوج وزوجته وليست علاقة عابرة كما قال نبيل فهمي؛ أول وزير خارجية بعد 3 يوليو، فإننا نستطيع الزعم بأن الكيان الصهيوني على علاقة غرام وعشق لكنه العشق الحرام مع دول وأنظمة عربية (وأقصد هنا الأنظمة وليس الشعوب)وهي العلاقة الأشبه بالاغتصاب لكنه بالتراضي والاستمتاع يلعب فيه حكامنا دور المفعول به مع كامل الأسى والخجل، بعد أن اغتصب كامل الأرض وانتهك العرض العربي والإسلامي، ويتحمل أسباب ذلك بلا شك أصحاب الجلالة والفخامة والسمو من حكامنا الأجلاء مهما قالوا وزعموا ورفعوا من شعارات الممانعة والعروبة والإسلام لا سيما بعدما فضحهم الربيع العربي, وقامت بتعريتهم الانقلابات التي  دبروها وأداروها بأموالنا.

 أكثر ما يفضح تلك الأنظمة بنظري ويكشف عوراتها، تلك الصواريخ الإبداعية للمقاومة الإسلامية (حماس) التي وصلت تل أبيب, وطائراتها بدون طيار المصنعة محلياً والتي حلقت فوق وزارة الدفاع الصهيونية بالامكانيات الذاتية رغم حصار الشقيقة الكبرى مصر، فكل ما تملكه حماس هو الإيمان والإرادة القوية ، مع الأخذ بأسباب القوة الكفيلة بكسر أنف العدو ، وإهانة كبريائه الزائف نيابةً عن الأمة كلها، فضلاً عن أنها كشفت أيضاً حجم الخيانة والتواطؤ والتآمر العربي الرسمي  المخزي لحكام وملوك كان لهم ظهير من العلماء والقضاة والأبواق المأجورة صدق فيهم قول العلاّمة الراحل الشيخ محمد الغزالى: “إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاء السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفاً من إنكارهم”.

 

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …