لا تزال ليبيا تعيش مرحلة من الانقسام السياسي والتوتر العسكري، تمخض عنها وجود أكثر من حكومة وبرلمان وجيش تتنافس ما بين طرابلس غربا ومدينتي طبرق والبيضاء شرقا.
ورغم توقيع اتفاق الصخيرات برعاية أممية وانبثاق حكومة وحدة وطنية عنه باشرت مهامها من طرابلس أواخر مارس2016، إلا أن هذه الحكومة تواجه رفضا من الحكومة والبرلمان اللذين يعملان في شرق البلاد.
مصادر أمريكية ومصرية ودبلوماسية ذكرت أن روسيا نشرت قوات خاصة في قاعدة سيدي براني الجوية بغرب مصر قرب الحدود مع ليبيا في الأيام الأخيرة بعد أن خسرت قوات الجنرال المرتزق خليفة حفتر، المدعوم من مصر والإمارات, مواقع مهمة في منطقة الهلال النفطي (شمال وسط)، التي تضم أهم موانئ تصدير البترول ونجاح «سرايا الدفاع عن بنغازي» في السيطرة على موقع «رأس لانوف»
مسؤولون أمريكيون قالوا إن أي نشر لقوات روسية من هذا القبيل قد يكون في إطار محاولة دعم حفتر الذي تعرض لانتكاسة عندما هاجمت سرايا الدفاع عن بنغازي قواته قبل أيام عند موانئ النفط الخاضعة لسيطرته.
وقال المسؤولون الأمريكيون الذين طلبوا عدم نشر أسمائهم إن الولايات المتحدة لاحظت فيما يبدو قوات عمليات خاصة روسية وطائرات بدون طيار عند سيدي براني على بعد 100 كيلومتر من الحدود المصرية الليبية.
مصادر أمنية مصرية زادت في التفاصيل قائلة إنها وحدة عمليات خاصة روسية قوامها 22 فردا, وأضافت أن روسيا استخدمت قاعدة مصرية أخرى إلى الشرق من سيدي براني في أوائل فبراير2017 .
وقالت مصادر مصرية إن طائرات عسكرية روسية حملت نحو ست وحدات عسكرية إلى مرسى مطروح قبل أن تذهب إلى ليبيا.
غير أن مصادر رسمية روسية ومصرية نفت اليوم,الثلاثاء 14 مارس وجود قوات روسية في مصر.
وخلال العامين المنصرمين أرسلت بعض الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة قوات خاصة ومستشارين عسكريين إلى ليبيا.
متى بدأ الحديث عن قوات روسية في ليبيا؟
الحديث عن نشر قوات روسية تزامن مع زيارة حفتر إلى موسكو أمس؛ 13 مارس حيث التقى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف.
وقالت وكالة «ريا نوفوستي» الروسية إن بوجدانوف مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أكد لحفتر موقف موسكو الداعم للعملية السياسية في ليبيا ووحدة أراضيها، والاستعداد للمساعدة في التوصل إلى حل سياسي للأزمة التي تمر بها.
وأَضاف المصدر أنه تم تبادل وجهات النظر بشأن الوضع الراهن في ليبيا، مع التشديد على أهمية إعادة الحوار بمشاركة جميع القوى الفاعلة في البلاد والقبائل، لإخراج البلاد من أزمتها الحالية.
وأكدت مصادر أن حفتر يلتقي اليوم 14 مارس 2017 عددا من المسؤولين الروس رفيعي المستوى، بينهم وزيرا الخارجية والدفاع.
وتتزامن التساؤلات بشأن نوايا موسكو في ليبيا الغنية بالنفط والتي تحولت إلى مناطق متناحرة في أعقاب الإطاحة بمعمر القذافي.
ووصلت الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس إلى طريق مسدود مع حفتر, واجتمع مسؤولون روس مع الجانبين في الأشهر الأخيرة.
وقال«أوليج كرينيتسين» رئيس مجموعة (آر إس بي) الأمنية الروسية، إن قوة من بضع عشرات من “المتعاقدين” الأمنيين المسلحين, وهو تعبير مخفف لكلمة مرتزقة, من روسيا عملوا حتى الشهر الماضي في منطقة بليبيا خاضعة لسيطرة حفتر.
ويقول رئيس الشركة إن وجود المتعاقدين العسكريين ترتيب تجاري، لكن أشخاصا يعملون في مجال الأمن في روسيا يقولون إن ذلك ما كان ليحدث على الأرجح من دون موافقة موسكو.
لكن وزارة الخارجية الروسية قالت في بيان إنها ليس لديها علم بأن متعاقدين مسلحين تابعين لمجموعة (آر إس بي) الأمنية الروسية عملوا في ليبيا لنزع ألغام بأحد حقول النفط وانتهت مهمتهم وعادوا.
وقال قائد القوات الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”؛ الجنرال توماس والدهاوسر لمجلس الشيوخ الأسبوع الماضي إن روسيا تحاول بسط نفوذها في ليبيا لتعزز سطوتها في نهاية المطاف على كل من يمسك بزمام السلطة.
ونقلت شبكة «فويس أوف أميركا»، عن وولدهاوسر قوله إن الدور الروسي مرحب به لحل الأزمة في ليبيا، وأكد أهمية التعاون بين حكومة الوفاق الوطني في طرابلس وحفتر, باعتباره مفتاحًا لحل الأزمة الليبية, وأشار إلى أن الحل السياسي يجب أن يبدأ من شرق ليبيا، حيث يوجد حفتر.
واعتبر وولدهاوسر أن السبيل الوحيد لاستعادة السلام في ليبيا هو توحيد الفصائل المتنافسة، وهذا يتطلب تضافر جهود الأطراف المختلفة بينها روسيا.
وتابع: «الهدف هو إقناع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج, والمشير خليفة حفتر بالجلوس معًا والتفاوض، وحل الخلافات العالقة».
وأوضح أن هناك كثيرًا من القوى الإقليمية والدولية يساعد في التوصل إلى حلول للأزمة، موضحًا: «مصر وروسيا تسعيان لجمع الأطراف معًا, ففي النهاية التسوية السياسية تتطلب مشاركة خليفة حفتر، وفائز السراج», معتبرًا أن نفوذ حفتر أمر يجب التعامل معه.
وتابع بأن الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية هو دعم حكومة الوفاق الوطني، موضحًا أن قيادة قوات «أفريكوم» لديها علاقات واتصالات قوية مع «السراج».
من جهته قال مسؤول بالمخابرات الأمريكية إن هدف روسيا في ليبيا محاولة فيما يبدو «لاستعادة موطئ قدم حيث كان الاتحاد السوفييتي ذات يوم حليفا للقذافي»، كما أنها تحاول أن تفعل ما فعلته في سوريا.
روسيا وصفحات تصعيد نجم حفتر
يعارض «حفتر» حكومة تساندها الأمم المتحدة وتعتبرها الدول الغربية أفضل فرصة لاستعادة الاستقرار في ليبيا، لكن بعض صناع السياسة الروس يعتبرون حفتر رجلا قويا يمكن أن ينهي 6 سنوات من الفوضى التي تلت الإطاحة بالقذافي.
ويسعى حفتر للحصول على الدعم الخارجي للمساعدة في تعزيز سيطرته على مناطق ليبيا، وأبدت روسيا استعدادا للتحاور معه, وعليه, فقد زار موسكو في نوفمبر2016 والتقى وزير الخارجية لافروف. وفي ديسمبر2016 صعد حفتر على متن حاملة طائرات روسية قبالة الساحل الليبي وتحدث عبر دائرة تلفزيونية مغلقة مع وزير الدفاع الروسي.
وفي الأسابيع الأخيرة استقبلت روسيا 100 من مقاتلي حفتر المصابين للعلاج.
كما استقبلت موسكو منافس «حفتر»، «فائز السراج» رئيس الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة، لإجراء محادثات حول الوضع الليبي .
ويسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتدخل في ليبيا مكتسبا الثقة من التدخل العسكري الروسي في سوريا.
نقطة الخلاف الجوهرية
محللون يرون فشل المحاولة الأخيرة لجلب الحكومات المتناحرة في ليبيا معًا تحت سقف واحد منذ ديسمبر 2015، حين تمّ توقيع الاتفاق السياسي الليبي لتوحيد (مجلس النوّاب والمؤتمر الوطني العام) في ليبيا في حكومة موحّدة تعرف باسم حكومة الوفاق الوطني.
واحتدم القتال بين الميليشيات التي تدعم الحكومات، وتمّ تكثيف المبادرات الدبلوماسية لإعادة التفاوض حول بنود الاتفاق السياسي الليبي لإيجاد حل أكثر عملية، وضغطت روسيا وأوروبا وتونس والجزائر من أجل جلب رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج واللواء خليفة حفتر أقوى داعم عسكري لمجلس النواب للجلوس معًا.
وفي 13 و14 فبراير2017 نسّقت مصر اجتماعًا بين القادة، وهو الأول خلال عام، مع آمال كبيرة في نجاح المفاوضات، ومع ذلك انهارت تلك المحادثات عندما رفض «حفتر» الجلوس مع «السراج».
وعلى الرغم من أنهما اتّفقا على التفاوض من خلال وسيط والتزما باستمرار المفاوضات، فمن غير المرجّح التوصّل إلى توافق في وقت قريب.
ورغم خلافاتهما، تمكّن «السراج» و«حفتر» من إيجاد أرضية مشتركة حول بعض القضايا، مثل إنشاء لجنة مشتركة لاقتراح تعديلات على الاتفاق السياسي.
مع ذلك، لن يكون هذا التقدّم المحدود مرضيًا للحكومة المصرية لفشلها في الجمع بينهما على مائدة واحدة، وقد تسبّب رفض «حفتر» التفاوض مع «السراج» إلى توتير علاقته بالقاهرة، التي دعمته بثبات.
وخلال العامين الأخيرين، ورغم أنّ حفتر لم يسيطر حتّى الآن بشكلٍ كاملٍ على بنغازي، فقد استطاع السيطرة على 4 من محطات تصدير النفط كانت تسيطر عليها قوات حماية المنشآت النفطية، ووصل إنتاج ليبيا من النفط إلى 700 ألف برميل يوميًا، وهو المستوى الأعلى في سنوات.
وقد دافع سياسيون أجانب مثل وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون» عن حتمية وجود حفتر في حكومة ليبية موحّدة.
حفتر يستدعي النموذج السيساوي
صحيفة «القدس العربي» اللندنية سبق وأشارت إلى أن الأزمة الليبية شهدت تطوّرا جديدا تمثّل بإعلان دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة استعدادهما لتسليح حكومة «الوفاق»، فيما تراجع خيار التدخل العسكري الغربيّ المباشر (رغم وجود قوّات خاصة أمريكية وأوروبية على الأراضي الليبية).
وأضافت أن تصريح حفتر بأنه : «لم يُسمع بتأسيس حكومة في ظل الإرهاب» ما هو إلا معزوفة على نغمة الاقصاء التي أتبعها عبد الفتاح السيسي مع الإخوان لبسط نفوذه في مصر.
وعقبت الصحيفة بأن حفتر يريد السير على نفس نهج نظام السيسي في مصر متناسياً أن ليبيا ليست مصر، وأن نموذج «السيسي» الاقصائي لم ينجح أصلاً في مصر كي يتكرر على يديه في ليبيا.
الجريدة رأت أنه بعد فشل نموذج حفتر في الحل الاقصائي المصري بل أدّى دعم خيار حفتر عمليّاً إلى مآسٍ كبيرة لحقت بالدولة والمجتمع الليبيين، مما عزّز التيار السلفيّ المتشدد الممثل بتنظيم «الدولة الإسلامية»، وساهم في قلقلة أمن دول الجوار القريب وأوروبا، وفي تمكين عصابات المهرّبين من الاتجار بالبشر الراغبين في اللجوء إلى أوروبا عبر المتوسط. السبب الوحيد لاستمرار هذا الخيار فاعلاً على الأرض الليبية هو أن سقوطه سيكشف تهافت النموذج المصريّ الذي تأسس عليه وهو الأمر الذي تحاول القاهرة تأجيله ما أمكن.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات