لم تُشعل وتُلهب الضربة الأمريكية الأخيرة مطار الشعيرات العسكري في حمص وقد أمطرتها, ( أعود وأقول أمطرتها ) بـ 56 صاروخا من نوع توما هوك، بقدر ما أشعلت وألهبت تلك الضربة المواقف السياسية والتحليلات الإعلامية على المستوى العربي والإقليمي.. بل والدولي.. حتى إن التغطية الإعلامية المحترفة والمقصودة لهذا الحدث قد غطت على أصل الحدث؛ حيث الجريمة التي ارتكبها نظام بشار بضرب بلدة خان شيخون بالسلاح الكيمياوي وقتل أبنائها .
معسكران يتوسطهما أهل الأعراف
وفي الوقت الذي ميز هذا الحدث المعسكرين المتحاربين (المتمايزين أصلا) على الأراضي السورية بشكل خاص والمنطقة بشكل عام؛ حيث معسكر داعم مطلق للنظام السوري والمتمثل بايران وروسيا وميليشيا حزب الله في لبنان, ومعسكر داعم وبقوة للضربة الأمريكية للنظام متمثلا بتركيا والسعودية والكويت وقطر والبحرين والأردن, بينما ظهرت كل من مصر والعراق وكأنهما من أصحاب الأعراف في هذه المعادلة البائنة! حيث خرجت تصريحاتهم الرسمية هلامية حرصت على عدم إظهار موقف واضح من جريمة النظام الدموي الحاكم في سوريا, متحججة بالسيادة السورية وانتهاكها!
وكان الموقفان الروسي والإيراني الأضعف رغم تدارك البلدين الأمر سريعا ليعلنا في قمة لقاء جمعت بين رأسي هرم البلدين موقفًا حاولا من خلاله إظهار تماسكهما, واجتهدا في محاولة التشكيك بالتهم المنسوبة الى الأسد وزبانيته, من خلال المطالبة بتحقيق دولي! بينما أكدت قراءات الأقمار الصناعية الأمريكية قيام النظام السوري الدموي بهذة الجريمة النكراء.
وإذا ما جمعنا ما بين الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات، والتصعيد الإعلامي الأمريكي وعلى لسان الخارجية الأمريكية والمتمثل بـ :
1- التصريح بأن حكم عائلة الأسد قارب على نهايته.
2- تحذير الجانب الروسي من أن عليه بيان موقفه ليكون إما مع المعسكر الأمريكي أو مع معسكر إيران وحزب الله.
3- عدم إستبعاد تكرار الكَرّة في ضرب النظام السوري وأوكاره العسكرية في حالة تكراره لمثل هذه الإنتهاكات، وهذا ما أكده الرئيس الروسي في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الإيطالي من أن الولايات المتحدة تستعد لضربة جديدة على سوريا!
4- التأكيد على فشل روسيا في ضمان منع النظام السوري من استخدام السلاح الكيمياوي عوضا على نزعه وتدميره.
5- التأكيد على فشل روسيا في تحقيق النجاح في اجتماعات الإستانة .
من كل ما ذكرنا فإننا نكون أمام زوبعة ترابية هائجة, أوهمت الكثير وبعثت التفاؤل في آخرين من أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد تفعل الصواب الذي تخاذل عنه أوباما, وهم يظنونها اليوم ساعية وبخطوات واثقة لإسقاط النظام الدموي الحاكم في سوريا, حتى وصل الحد ببعض المتفائلين الى الربط ما بين تاريخ أحداث ضرب مطار الشعيرات العسكري في حلب وما بين تاريخ سقوط بغداد واحتلال العراق, خاصة إذا ما علمنا أن بين سقوط بغداد في 9/4 وسقوط الصواريخ على الشعيرات في 7/4 يومان فقط ! .
قراءة مغايرة
وبعيدا عن تلك القراءات المتفائلة التي امتدت آثارها المُبهجة الى خارج الحدود السورية ليتفاءل بها أهل العراق وأهل اليمن, وربما حتى اللبنانيين, من أن هذه الضربة لن تُسقط النظام السوري فحسب, وإنما هي أولى بشائر نهاية التدخلات الإيرانية في المنطقة, وأن زمان تقليم أظافر فيلق القدس الناهشة في دول الجوار وغير الجوار الإيراني قد حان!
وبعيدا عن كل هذا فانني ومنذ أول سماعي لنبأ الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات تبادر الى خاطري قصة جارنا بيت وليد، وكان وليد شابا سيء الخلق, وفي يوم من الأيام تعرض لإحدى فتيات الحي متحرشا بها، فخرج والد البنت وإخوانها والتحق بهم جمعٌ من رجال الجيران مساندين ومؤازرين, وقصدوا بيت وليد ليؤدبوه وأهله على تلك الفعلة الشنيعة. وبينما هم منطلقون بجمعتهم المهيبة, وقبل أن يصلوا باب بيت وليد بخطوات, حدث مالم يكن بالحسبان, حيثُ فُتح باب بيت وليد بقوة, وطُرح وليد على الأرض طرحا! وخرج من البيت رجل ضخم يلبس الملابس العسكرية وينادونه صقرا! تحمل عضلاته المفتولةعصاً غليضة ينهال بها ضربا على وليد وسط صراخ نساء أهل البيت يطلبون منه الرحمة, في مشهد مرعب لم يشهده الحي من قبل!
تسمّر الرجال القادمون للانتقام في أماكنهم, ووقفوا ينظر بعضهم الى بعضهم, وما هي إلا لحظات حتى وجدوا أنفسهم يتجهون إلى الرجل الضخم؛ سيد صقر, والذي ما زال منهالا بالعصى على المتحرش وليد يطلبون منه الرحمة, ويستسمحونه بما فعل وليد وكأنهم هم المذنبون! ينادونه بتوسل أن الولد سيموت بين يديه, وإنه أخطأ ولم يكفر, والرجل الذي تبين فيما بعد أنه عمه يرفض الإصغاء, حتى أقسموا عليه بحق الجيرة أن يكف عن ضرباته التي وإن زادت فإنها لن تصل إلى 56 ضربة!
توقف الصقر حينها إكراما للضيوف, وتقدم الجمع إليه يقبلونه شاكرين له الاستجابة لمطالبهم, ودخلوا البيت سوية, مع وليد الذي حملوه من على الأرض! ( والعجيب أن جسم وليد كان خاليا من الآثار المبرحة رغم أصوات الضرب التي كانت تأخذ القلوب، مما يدل على حرفية عالية كان يتمتع بها صقر! .. وكأنها ليست المرة الأولى التي تقوم بها عائلة وليد بهذه المسرحية!).
وفي البيت لم يُطرح موضوع تحرش وليد باعراض الناس! بقدر ما تحدثوا عن الضربات القوية لصقر التي لا تتناسب مع الفعلة التي فعلها, وإنه مهما كان إبننا وابن حينا! .
أعتقد أن القصة قد اختصرت الكثير, وبينت رؤيتي للحدث, فوليد وبشار وجهان لعملة واحدة, فكلاهما منتهك لأعراض أهله, مثلما السيد صقر وترامب, هما الأدوات الخبيثة التي تنقذ المجرم الآثم من فعلته!
ومما يؤيد هذا المذهب الذي ذهبت إليه, إنها ليست المرة الأولى التي تنقذ بها هذه القوى الدولية بشار من جرائمه, فبذات السيناريو الخبيث مع بعض الاختلافات الشكلية تم إنقاذ بشار ونظامه بعد ضربته الكيمياوية بغاز الأعصاب على بلدة الغوطة في 21 أغسطس/آب من عام 2013 والتي راح ضحيتها المئات من الضحايا، حيث سارعت أمريكا أوباما في حينها إلى تلقف الأمر وقد تعهدت بالقصاص من النظام السوري الدموي, وتبنت بنفسها تنفيذ ضربة قاصمة للنظام, وصار الأمر ليس أكثر من مسألة تحديد زمن الضربة. ولكن, وبمرور الزمن صار التريث عنوانا لهذا الملف, لتقديم مصالح وتأخير مفاسد ما أنزل الله بها من سلطان, ولينجو كالعادة, حامي حمى الحدود السورية مع إسرائيل من فعلته الشنيعة.
صواريخ توما هوك
بالأضافة الى التكاليف الباهظة لهذا الصاروخ التكتيكي الإستراتيجي الذي تصل معدل تكلفة إنتاجه من 600 ألف دولار الى 2.1 مليون دولار فإن لهذا الصاروخ ثلاث مزايا خطيرة توافق قدرا الأهداف التي من أجلها كانت الضربة على مطار الشعيرات العسكري, وهي:
1- السرعة الكبيرة والمباغتة للصاروخ التي تصل لأكثر من 880 كم في الساعة .
2- الحماية الكبيرة من السقوط لأن الصاروخ له القدرة على الطيران بمستويات منخفضة تمنع كشفه .
3- بُعد منصاته التي يُطلق منها عن الأهداف وميدان التماس، لأنه يُطلق إما من الغواصات الحربية أو السفن الحربية كما كان في ضربة الشعيرات .
وهذه المميزات تتوافق مع أهداف العملية الأمريكية على مطار الشعيرات والتي كان المطلوب منها أن تكون سريعة لمنع تنامي قوى المعترضين على جريمة الأسد في قتل شعبه والتي قد تؤدي الى سقوطه ومن خلال عملية ذكية ومن دون خسائر أو تكاليف باهظة .
ومما يؤكد مثل هذا المذهب, ما تم نشره من صور لآثار الهجوم على مطار الشعيرات العسكري بعد أن أمطرت ( نسبة الى المطر) الصواريخ الأمريكية أرض المطار, وقد استنتج الخبراء من آثار الضربة الصاروخية ما يلي:
1- إن آثار الصواريخ التي سقطت على المدارج كانت أقرب الى ضربات هاون متوسط ولم تكن ذات قوة تدميرية كبيرة!
2- إن الطائرات السورية التي تضررت من القصف كانت أصلا خارج نطاق الخدمة العسكرية ! .
3- سرعة معالجة الأضرار لمدارج المطار من قبل النظام السوري بحيث لم تمر إلا ساعات حتى أعيد استخدام المطار من جديد وأقلعت منه طائرات لقصف القرى السورية!
من هنا أقول, من قبل أن نتفاءل علينا أن نتساءل: هل من الممكن أن يكون خلاص الشعب السوري من جلاده الأرعن هدفا لإدارة رئيس أمريكي جديد؟ أم إن سوريا وأخواتها من الدول العربية المنكوبة وغير المنكوبة, ستبقى أوراق لعب على طاولة المصالح الدولية الخبيثة؟ ونبقى بين التفاؤل والتساؤل حتى يقضي الله فينا أمرا كان مفعولا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات