شريف عبد الغني يكتب: ضابط وقاضٍ .. ابنان شرعيان لـ «الفساد والجهل»

(1)

يعرف القاصي والداني أن العمل في جهازي الشرطة والقضاء في مصر المحروسة يتم عبر ثلاثة طرق لا رابع لها: الأول دفع رشاوى، والثاني «وراثة» المنصب، والثالث واسطة كبيرة جدا.

القبول بهذه الصيغة, من الطبيعي, لا يتطلب الكفاءة أو التميز أو مستوى فكريا أو ثقافيا. والنتيجة أن هذين الجهازين الخطيرين ضما عناصر هي في الأصل لا تملك المؤهلات اللازمة، فمن دفع رشاوى كبيرة للالتحاق سيعمل حتما بعد تخرجه على استردادها بشتى الطرق, غير المشروعة غالبا. ومن «ورث» المهنة عن أبيه فالمؤكد أنه سيحتمي به، وسيكون أكثر الفئات قبولا لـ «توريث» المناصب، وبالتالي استمرار الأوضاع كما هي عليه وتغييب العدالة عن المجتمع.

(2)

أتذكّر الآن سهرة رمضانية خلال السنة اليتيمة التي حكم فيها الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب. السهرة كانت عند أحد الأقارب حضر فيها اثنان من ضيوفه: ضابط شرطة وقاض، الاثنان ينتميان لجهتين من أركان «الدولة العميقة» التي تشكلت طوال عصر مبارك، وطالهما ما طال الحياة المصرية عموما طوال ثلاثة عقود من تجريف للعقول وإفساد للذمم، وكانت ضمن الحلف المقدس الذي أطاح بمرسي، وهو ما سيتضح من كلامهما.

بحكم شيطان المهنة تحدثت مع الضيفين الشابين، وقد منيت النفس أن يكونا نموذجين يختلفان عن العقليات السائدة في هذين الجهازين. قلت ربما أفلتا من ثالوث «الرشى» و«الوراثة» و«الواسطة» لينضما إلى العناصر الجيدة في الشرطة والقضاء, لكن أمنياتي كانت صرحا من خيال هوى عند أول عبارةٍ نطقا بها.

(3)

سألت «الضابط» عن سبب عدم التواجد الأمني في الشارع حينذاك، ومدى صحة ما يقال عن أن الشرطة ترفع شعار «الإضراب المقنع» عن العمل، بمعنى أن يذهبوا إلى مكاتبهم معززين مكرمين لإثبات حالة دون أن يعملوا؛ عقابا للشعب على قيامه بالثورة وانتخابه لمحمد مرسي. لما عرف بمهنتي حاول «التنظير»، لكنه فضفض بكلمات كارثية: «الشرطة لن تقوم بدورها إلا بعد أن يعرف الناس الأدب والاحترام في التعامل».

عبارته تعني – حسب فهمه- أن يصمت المصريون كما كان يحدث طوال عصر مبارك عن أي إهانات من هذا الضابط أو ذاك، ويعتبروا أنه شرف عظيم أن تهوي يد الضابط الكريمة على «قفا» أي مواطن. كما لم ير عارا أو عيبا في تلقي رجال الشرطة الرشاوى، وتساءل: «وفيها إيه يعني لما يحسّنوا دخلهم زيهم زي كل الموظفين اللي بياخدوا إكراميات في مصالح الحكومة»!

(4)

أما «القاضي» فنمت كلماته عن عقلية تستحق الرثاء والشفقة. استنكر أن يقف في تلك الأيام عضو برلماني صغير السن في مجلس الشعب ليطالب بإقالة الدكتور كمال الجنزوري؛ رئيس الوزراء الأسبق من منصبه. وقال: «ده حتى عيب لأن الجنزوري في عمر أبوه».

حاولت شرح أن الموضوع ليس فيه عيب أو عدم احترام، وأن العضو يمارس دوره الذي كفله له القانون بالرقابة على الحكومة، فضلا عن أن مسألة السن ليس لها دخل في الأمر. لكنه تقبل الكلام على مضض، واتفق مع الضابط في أن الناس هي السبب في عدم عمل الشرطة، وقال: «زمان كنت تلاقي الواحد بيخاف من أمين الشرطة، دلوقتي ما بيخافش حتى من الظابط».

طبعا لم يقتنعا معا بما قلته إن مبدأ «الخوف» أصلا مرفوض في العلاقة بين المواطن والشرطة، والمطلوب علاقة احترام وفق القانون.

عموما ألتمس العذر للضابط والقاضي، فهما نتاج عصر فاسد وتعليم جاهل وإعلام مضلل، والنتيجة هي مصر التي نراها الآن!

شاهد أيضاً

نتنياهو أصدر 114 أمرًا عسكريا بتوسيع المستوطنات تعادل ما صدر خلال 22 عاما

كشف تحليل جديد لجمعية “بِمكوم” أن إسرائيل أصدرت منذ أكتوبر 2023 أوامر عسكرية لتوسيع مناطق …