شعبان عبد الرحمن يكتب: ذكرى استشهاد «البنا».. تأملات في الحدث

لم يكن مقصودا بعملية اغتيال الشيخ حسن البنا قبل ثمانية وستين عاما ( 12 فبراير 1949م ) شخصه فقط، وإنما المشروع الذي جاء به وانتشر في المنطقة كانتشار ضوء الشمس، ولم تُقبل عليه النخب فقط وإنما تسابقت إليه الجماهير من كل الطبقات والشرائح في بلاد شتى.

كان في حقيقته مشروعا وطنيا يرمي إلى التحرر من ربقة الاستعمار العقلي والوجداني قبل التحرر من الاستعمار الاحتلالي للبلاد. مشروع يستنهض همة الناس – البسطاء منهم قبل المثقفين – للتضحية من أجل الحرية والإبداع وبناء نهضة وطنية خالصة لا تقبل معها شريكا، والأهم في ذلك المشروع أن أعمدته الراسخة من صنع الإسلام الحنيف، وتلك هي الخطورة التي مثلها على كل المشاريع المتسابقة على فرد شباكها على المنطقة, خاصة المشروعين الغربي والصهيوني.

الاهتمام بشخصية البنا الفذة ودراسة معالمها ومسيرتها مهم، ولكن ذلك يجب أن يصحبه اهتمام بمشروعه الذي أتعب – وما زال – قوى الاستعمار وسماسرتهم المتناثرين حولنا.

في مسألة تأمل شخصيته تكفيني الإشارة للمستشرق الأمريكي المعروف روبير جاكسون التي سجلها في مقال مطول بعد لقائه البنا في مصر عام 1945م وترجمه الكاتب الإسلامي الأستاذ أنور الجندي يرحمه الله وقد بلور المستشرق المنصف خلاصة قصة الشيخ حسن في كلمات قلائل قائلا: «زرت هذا الأسبوع رجلاً قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر”.  بعد اغتياله عاد روبير جاكسون قائلا : “صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكرًا، وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر، وأنا أفهم جيدًا أن الشرق يطمح إلى مصلحٍ يضم صفوفه، ويرد له كيانه، غير أنه في اليوم الذي بات فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف”.

“كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم، ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتّاب رسالتهم، وكان كل جانب من هذه الجوانب يبرز كطابعٍ خاص في الوقت المناسب”.

وقد نشرت مجلة “المباحث” في 8 ربيع الآخر سنة 1370 الموافق 16 يناير سنة 1951 آخر كلماته يرحمه الله في رسالة وجهها للإخوان ومن وصاياه فيها قوله: «وإن أخص ما أوصيكم به بهذه المناسبة أن يكون شعارنا النظافة: في الضمير والتفكير, وفي اللسان, وفي السير, وفي الثوب, وفي البدن, وفي المطعم والمشرب, والمظهر والمسكن, والتعامل والمسلك, والقول والعمل، وإنَّ مما أوصى به الرسول- عليه الصلاة والسلام- أمته: “تنظَّفوا حتى تكونوا كالشامة بين الأمم”.

لقد جاء اغتيال البنا وقد كاد مشروعه الجهادي أن يحرر فلسطين من العصابات الصهيونية، وبعد أن حاصر مجاهدو الإخوان والحركة الوطنية عشرين ألف صهيوني في القدس، وكاد الجوع والعطش يحصد أرواحهم، ولولا قبول النظام العربي الهدنة لكانت فضحية كبرى للصهاينة، وهو ما أقر به مناحم بيجين في مذكراته.

وبعد هذه الهدنة تم اغتيال البنا بعد حل جماعته، وتم سحب مجاهدي الإخوان من الميدان والزج بهم في السجون، تنفيذا لقرار دولي اتخذه سفراء خمس دول كبرى في معسكر فايد ( من كتاب الإخوان المسلمون – أحداث صنعت التاريخ – الجزء الأول )

ومن المهم ونحن نتوقف أمام ذكرى استشهاد هذا العملاق أن نتأمل منظومة الحروب المتتالية التي تم شنها لتصفية مشروعه، وهي حروب أعتى من المعارك الحربية بين الدول، والميزانيات التي رصدت لها تفوق ميزانيات كثير من الدول، وجهود التخطيط لها تفوق جهود وضع خطط تنموية عشرية وخمسية، ومع ذلك ما زال مشروع البنا صامدا مقاوما يجذب أنصارا جددا حول العالم.

إن عملية اغتيال الشيخ البنا جاءت في إطار مخطط تصفية رموز الأمة وأدوات نهضتها في شتي الميادين وكل الساحات حتي تظل بلادنا جاثية على الأرض, محصورة في شرنقة التخلف, ومطية للاستعمار ومشاريعه.

إن اليد التي اغتالت الإمام حسن البنا هي التي اغتالت عالمة الذرة الشهيرة سميرة موسى (1917 م – 1952م ) التي وصفت بمدام كوري، واغتالت عالم الذرة الشهير يحيي المشد ( ١٩٣٢- 1980م ) باني المشروع النووي العراقي، واغتالت سعيد السيد بدير( 1949 – 1989 ) العالم المصري في مجال الميكروويف والاتصالات الفضائية، واغتالت في 25 يونيو 2015م المخترع المصري «رفعت همام»، في لبنان, وبالمناسبة فإن كل هؤلاء تم اغتيالهم في ريعان شبابهم بين الخامسة والثلاثين والثانية والأربعين!

واليد التي اغتالت حسن البنا هي نفس اليد التي فرزت علماء العراق في شتى المجالات بعد احتلاله وقامت بشحنهم للخارج وتصفية من رفض وهي نفس اليد التي زجت إلى السجون والمسالخ البشرية خيرة العلماء في شتى التخصصات وخيرة الكفاءات التي تكفي لنهضة أمة في مصر وسورية والعراق.

وهي اليد التي تقف بالمرصاد لأي نبتة نهضة, أو بشارة نهوض, وتقطع الطريق على بناء أجيال النهضة بإفساد التعليم وتسميم الأجواء وصناعة الكبت وسد الأفق أمام الأجيال.

هي نفس اليد التي تضع الأجيال في أحلام وردية طوال مراحل التعليم حتى إذا ما تخرجوا من الجامعة وجدوا أنفسهم على المقاهي في سن العطاء والنضوج والإبداع ليتم قتل كل الملكات على نواصي الشوارع وقوارع طرق التيه ومراكب الموت في الهجرة خارج الأوطان.

يد ستظل تعبث وتعيث في بلادنا قتلا لخيرة أبنائها حتى تظل جاثية على ركبتيها دون حراك!  

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …