صورة إسرائيل والقضية الفلسطينية في الكتب المدرسية الإيرانية

تعدّ دراسة المناهج والكتب المدرسيّة، وتحليلها من الدّراسات المهمة في الميدانين التربوي والسياسي؛ فالكتاب المدرسيّ أحد العناصر المكونة للنظام التعليميّ، وهو أداة المنهاج في تحقيق أهدافه، فالمناهج والكتب المدرسيّة تمثل في حقيقة الأمر رؤية الدولة ومؤسساتها المسئولة عن تربية النشء فيها وتشكيل شخصياتهم. فللمناهج دور عظيم في تشكيل شخصيات الطالب العقليّة والأيدولوجيّة والنفسيّة والاجتماعيّة، وتمثل خط الدفاع الأول عن أمن المجتمع وبقائه وحقوقه.

وفي المقابل، إن دراسة المجال الجغرافي تؤكد وجود مكوّنات طبيعية وبشرية كثيرة مترابطة تتميز بتفاعلات كثيرة تحصل بين هذه المكونات، وقد تعمّقت هذه الأهداف مع نشوء الدولة القومية وتعزيز الهوية الوطنية؛ لذلك تركّز الدول القومية على تعليم الطالب وتعريفه على المجال الجغرافي الذي يعيش فيه بهدف تعزيز وتمكين هويته القومية، وأصبحت الجغرافيا الثقافية والسياسية أحد المواضيع الرئيسة لتفسير الصراعات بين مجموعات ثقافية، وإثنية، وسياسية في مجال جغرافي معين.

  من هنا، شكّل التعليم العمود الفقري الذي اعتمدت عليه الحركة الصهيونية في بث دعوة (هرتزل) وأمثاله بين اليهود في أوروبا للهجرة إلى إسرائيل، فقد كان التعليم سبباً في نجاحهم وفي استقطاب الآلاف من اليهود الذين كانوا يعيشون في (الجيتو) روحاً وجسداً. 

   وبالنظر إلى قضية الصراع العربي اليوم في المنطقة نجدها مع مشروعين؛ المشروع الإسرائيلي، والمشروع الإيراني، فلم تعد قضية صراع قوميّ أو عسكريّ أو أمنيّ أو جغرافيّ أو اقتصاديّ فحسب، بل هي قضية صراع فكريّ وتربويّ وثقافيّ مع الأيديولوجية، التي زيَّفت الحقّ، وأباحت القتل، وسرقت الديار، ودمرت المقدسات.

ويمكن القول إن معركتنا مع المشروعين الإيراني والإسرائيلي معركة حضارية وعلمية، بعيدة عن لغة الخطابة والوعظ. هل نحن اليوم بحاجة إلى دليل يثبت أن المشروعين الإيراني والإسرائيلي في خندق واحد، ويتقاسمان الكراهية والتحريض والحقد ضد العرب، ويعتبران نفسيهما دولة شرق أوسطية بامتياز، وليستا جزءاً من الإقليم المتخلف، وغير المتحضر؟

 من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة في إيقاظ الوعي لدى صناع السياسات التربوية والمنهاجية في الوطن العربي ودول الطوق العربي تحديداً على خطورة المشروعين الإسرائيلي والإيراني على المنطقة العربية، وضرورة إعداد القوة للتصدي للتحديات المنبثقة عن المشروعين الخطيرين، ونعني هنا بالقوة؛ القوة التربوية والعلمية، وأداتها الأساسية هي المناهج الدراسية. وكما قيل العلم أعظم أثراً من السلاح, فكل مدرسة وكل جامعة في الوطن العربي هي مدفع موجه إلى قلب هذين المشروعين.

صورة إسرائيل والقضية الفلسطينية في الكتب المدرسية الإيرانية

 في سلسلة الكتب المدرسية الإيرانية، يكشف الإيرانيون عن نواياهم الحقيقية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، وقد سعت هذه الكتب، إلى محاولة ترسيخ قيم مخالفة حتى للإسلام، وتصل إلى درجة التكذيب في العقيدة الإسلامية من عدة نقاط أساسية، إلى جانب تزييف التاريخ والوقائع.

إنكار وجود المسجد الأقصى في فلسطين

تقول الكتب المدرسية الإيرانية إن المسجد الأقصى، رُفع إلى  السماء الرابعة، وهذا يمهد لنفي صفة القدسية عن فلسطين من ناحية، كما يعزز من عملية نفي  فكرة الصراع الديني بين العرب واليهود، ومعنى هذا أن المسجد الأقصى الذي يجاهد المسلمون اليوم لأجل تحريره ليس إلا مسجدا مزيفاً لا قيمة له في المناهج الإيرانية، وبالتالي لا ضير من قيام اليهود بهدم المسجد الأقصى؛ هذا البناء المزيف، حسب ما تدعيه الكتب المدرسية الإيرانية .

على هذا الأساس تجتهد الكتب المدرسية الإيرانية لبيان أن المسجد الأقصى ليس الذي بفلسطين, وتحاول أن تورد الكثير من أقوال الأئمة، وروايات الشيعة للتدليل على أن المسجد الأقصى بات في السماء، وليس هو مسجد بيت المقدس في فلسطين، الذي يعرفه عموم المسلمين، ويسعون إلى فك أسره وتحريره  من براثن اليهود.

أفضلية مسجد الكوفة على غيره من المساجد 

الهدف الأعمق للكتب المدرسية الإيرانية فض عرى القدسية بين المساجد الثلاث؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي الشريف، وتركز على أفضلية وأشرفية مسجد الكوفة  .

إذ تقلل الكتب المدرسية الإيرانية من قيمة المساجد الثلاث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تشد الرحال إلا إليها، وتستعيض عن ذلك بالتأكيد على قدسية قبور أئمتهم والأضرحة كقبر الحسين, ومن ذلك قولهم:

من زار قبر “الحسين” يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم – عليه السلام- وألف ألف عمرة مع رسول الله، وعتق ألف نسمة، وحملان ألف فرس في سبيل الله، وسماه الله عز وجل عبدي الصديق آمن بموعدي، وقالت الملائكة: فلان صديق زكاه الله من فوق عرشه.

وتقول الكتب المدرسية الإيرانية لقد جعل رب العالمين لطفاً بعباده قبر الحسين – عليه السلام – بدلاً من حج بيت الله الحرام؛ ليتمسك به من لم يوفق إلى الحج بل إن ثوابه لبعض المؤمنين، وهم الذين يراعون شرائط الزيارة أكثر من ثواب الحج.

إن إنكار الكتب المدرسية الإيرانية لقدسية فلسطين وأرضها ومقدساتها يضر بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، ويصب في مصلحة اليهود، فإذا كانت إيران الدولة والثورة والمذهب لا تعترف بوجود المسجد الأقصى الموجود في فلسطين، فإن اعتداء اليهود على المسجد الأقصى لا يعني إيران في شيء، وعليه فإن التعبئة الإيرانية لمواجهة “الشيطان الأصغر”؛ إسرائيل لا يوجد له مبرر ومحفز عقدي عند الشيعة.

 وتحاول الكتب المدرسية الإيرانية غرس فكرة تقوم على نزع قدسية فلسطين من ناحية، ومحاولة تصوير الصراع العربي الإسرائيلي على أنه صراع سياسي بالدرجة الأولى، وإسقاط فكرة تحرير المسجد الأقصى الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه، والذي بارك الله حوله؛ فهو عندهم في السماء وليس في فلسطين ولا في بيت المقدس، دون تقديم مبررات أو مسوغات حول أسباب رفع المسجد إلى السماء، وعندهم مسجد الكوفة الذي هو أكثر قدسية من مسجد بيت المقدس الذي لا يعترفون بوجوده أصلاً .

وتعمد الكتب المدرسية الإيرانية إلى تشويه صورة وسيرة الخليفة  عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث تنفي حقيقة وجود المسجد الأقصى عند  دخول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بيت المقدس والذي كان الجانب الديني أحد الدوافع لتحريره من براثن الصليبيين، وتشير إلى أنه لم يكن هناك مسجد أصلاً، انتقاماً وثأراً من سيرة عمر وطعناً في دوره التاريخي .

هذه هي عقيدة الثورة الإيرانية ونظرتها إلى المسجد الأقصى حسب المعتقد الشيعي، وهي عقيدة تفسر عدم صبغ الكتب المدرسية الإيرانية للصراع مع إسرائيل بصبغته الدينية، فلماذا يصر البعض على الرهان على إيران في مواجهة إسرائيل؟

هذه السياسة التعليمية الإيرانية تعتبر بمثابة الضوء الأخضر للإسرائيليين؛ كي يستمروا في سعيهم لتهويد القدس، وهدم المسجد الأقصى، مما يمهد لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه .

الانتفاضة واختزالها في أدب الأطفال والابتعاد عن شرح القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل

  يستعرض أحد الدروس قصة الطفل الفلسطيني ” خالد”، الذي يسطر شجاعته وبطولته من خلال مقاومته للاحتلال الإسرائيلي، حيث بقي يحمل حجراً بيده رغم إحاطة الجنود اليهود به، إلا أنه لم يخف، رغم حركات الجنود الإسرائيليين لإرهابه، وتذكر القصة أن أم خالد هرعت لأنقاد طفلها إلا أن الجنود الإسرائيليين منعوها، وطلبوا القبض على (محمد) قبل الإفراج عن الطفل ( خالد). ضحك أبو خالد، فقالوا له لماذا تضحك؟ قال: محمد في البيت، وهو طفل عمره ثلاث سنوات، وهرع الطفل محمد، لرجم الجنود الإسرائيليين بالحجارة، وفي هذه اللحظة قام الجندي الإسرائيلي بإطلاق النار عليه، فاستشهد .

المثير أن الإيرانيين يكرهون اسم (خالد)، ويقفون موقفاً عدائياً من الصحابي الجليل خالد بن الوليد, ولا مجال لتناول هذا الموضوع الآن. لكن لماذا تُطلق على الفلسطيني اسم خالد؟

القضية الفلسطينية والبعد الإنساني

 تركز الكتب المدرسية الإيرانية على القضية الفلسطينية من خلال الزاوية الإنسانية الصرفة، حيث تستعرض موضوع تهجير الفلسطينيين، محاولةً استخدام الوسائل والأدوات التوضيحية من خلال صورة جندي إسرائيلي يرفع بندقيته تجاه عدد من العائلات الفلسطينية، ووضعت تحت الصورة تعليقاً، يقول: التهجير القسري للإنسان: فلسطين, دون الحديث عن حيثيات القضية الفلسطينية والتعريف بها، وما تقوم به إسرائيل من سياسات تعسفية، ومن تهويد للقدس، وانتهاك المقدسات، ومستقبل الصراع، ومصادرة الأراضي والبيوت.

الاعتراف بحق اليهود

تعترف كتب الجغرافيا المدرسية باليهود، حيث تقول عند حديثها عن القدس: إن بيت المقدس هو مدينة مقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء، واستطاع اليهود احتلال القدس، وبسط السيطرة عليها، هكذا دون عرضٍ للقضية الفلسطينية، ومحاولة تعريف الطالب بها .

التحالف بين إمام الزمان واليهود

تتدرج الكتب المدرسية الإيرانية في ترسيخ فكرة عدم العداء لإسرائيل، والهدف يمكن فهمه من خلال تعرض هذه الكتب لأفكار ومفاهيم مذهبية غريبة مفادها أن الشعب والدولة الإسرائيلية سوف تنظم لتكون تحت راية المهدي ” إمام الزمان ” القادم من إيران، بعد أن يُظهر لهم عصا سيدنا موسى خضراء نضرة كيومها، كدليل على صدق دعوته، ما يدفعهم في النهاية للقتال تحت راية إمام الزمان، ليكونوا أحد مصادر قوته، لإخراج العالم من الظلمات إلى النور، وربما هذا يفسر ترسيخ إيران وثورتها لقيم الكراهية والتحريض ضد العرب على اعتبار أنهم مخالفو إمام الزمان, على عكس اليهود الذين سيقاتلون إلى جانبه، ويدينون له بالطاعة والولاء.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …