بعد تنفيذ وزارة الداخلية بغزة أحكام الأعدام في عملاء العدو الصهيوني, المدانين بقتل القائد الأسير المحرر مازن الفقهاء يتساءل الإنسان الفلسطيني بمرارة :
هل يعقل أن يتواطأ فلسطيني مع العدو في قتل أخيه في الوقت الذي يواصل به هذا العدو عدوانه الذي لم يسلم منه الأطفال الرضع والفتية والنساء والشيوخ والشباب حتى الحجر والحيوان والطير؟
وإذا كان هؤلاء العملاء يستحقون هذا الجزاء، فما جزاء الأفاعي من المحرضين من دعاة الانبطاح والاستسلام الذين مارسوا بغاء الفعل والقول، وفضلوا المتاجرة بدماء شعبهم وقضيته الوطنية، والذين بلهثون كالكلاب المسعورة في حملة ضالة تعكس نفسياتهم المريضة، وسلوكياتهم الشاذة غير السوية، وأحقادهم السوداء على قطاع غزة منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية ” حماس” بالانتخابات التشريعية عام 2006 م؟
في البدء يجب التأكيد على أن ظاهرة العملاء والجواسيس بمختلف أشكالها ومسمياتها منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا, من الظواهر التي ترافقت مع تطور المجتمعات على مر العصور، خاصة تلك التي وقعت تحت حكم المحتل الأجنبي.
وعند البحث في صفحات التاريخ نجد الكثير من الأمثلة التي تُصنف اليوم على أنها أحد الأفعال التجسسية والخيانة، فهذا يهوذا الأسخريوطي؛ أحد تلاميذ السيد المسيح الإأثنى عشر يُرشد أحبار اليهود على مكان اختباء أستاذه مقابل ثلاثين قطعة من الفضة!
وهذا مؤيد الدين العلقمي وزير الخليفة العباسي المستعصم رتب مع هولاكو بمعاونة نصير الدين الطوسي قتل الخليفة واحتلال بغداد عام 1258 م ، على أمل أن يسلمه هولاكو إمارة المدينة!
كما عرف القائد الفرنسي نابليون بونابرت أهمية الجاسوسية فقال: “إن جاسوسًا واحدًا في المركز الملائم أفضل من عشرين ألف جندي في ميدان المعركة “.
لذلك يجب علينا القول بأن انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب ولا سمعتها، وقد مرت بمختلف الأوطان أحداث تاريخية عديدة جابهت فيها الأعداء بشجاعة وتضحية، ومع ذلك برز من بين صفوفها من هادن الأعداء وأرشدهم أو سار في صفوفهم، ومع ذلك استمرت السمعة الأصيلة مثلها الأعلى ولونها المشرق الجذاب، وأصبح تاريخها النضالي منارة يحتذي بها في مقاومة الاحتلال.
تعرضت فرنسا لغزو هتلر الساحق, وركعت باريس تحت نير الاحتلال خاضعة مستسلمة, ووقع الماريشال فيليب بيتان صك الاستسلام، وطوال أربع سنوات كانت جموع الفرنسيين في الخارج تكون حركة المقاومة ضد الغزاة, وكانت حركة المقاومة في الداخل تتزايد وتنمو مع وجود فريق ضالع مع المحتلين. كان هناك من سالمهم وقدم لهم الغذاء, ومن قدم لهم المعلومات والإرشاد ومخازن السلاح, بما يشكل انحرافاً وخيانة بالمعنى الوطني.
ولكن فرنسا التي حررها الحلفاء تتربع اليوم معتزة بوطنيتها.
لم يَشنْ فرنسا الجنرال بيتان، ولم يخدش من سمعتها الأدميرال لا فال، ولم تنزل من قيمتها جموع فتياتها على نهر السين يرحبن بالغزاة، لأن انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب .
وبريطانيا حين سلط هتلر جموع طائراته يدكها بالقنابل، وحين أرسل جيوشه تدمر القارة الأوربية رحلت جيوش بريطانيا تجر أذيال الخيبة، وأضطرهم هتلر أن يستعملوا البواخر والصنادل والأخشاب هاربين من دنكرك، وحين عاش شعبها في الأنفاق شهوراً طويلة، كان أحد أبنائها يذيع من برلين كل مساء أن النظام البريطاني يجب أن يزول، وأن ألمانيا أرسلتها العناية الإلهية لتقوّم إعوجاجا, وكان هذا هو المسمى اللورد (هوهو)!
وبعد الحرب العالمية الثانية, عشنا سنوات طويلة نستمع لهروب عدد من علمائها ودبلوماسييها حاملين أسرار بلادهم إلى روسيا جاعلين مصلحة أوطانهم في الحضيض، وما قصة برجيس الدبلوماسي ولا جون فيلبي؛ مراسل مجموعة الصحف البريطانية الكبرى, وما قصصهم ببعيدة وهم يختفون هاربين إلى موسكو وفي جعبتهم الكثير من الأخبار والأسرار، وكل هذه الحوادث على ما فيها من هوان على الوطنية لم تحطم سمعة الشعب البريطاني الذي تحمّل نكبات الحرب العالمية الثانية المريرة ولم يشنه وجود بعض المنحرفين, فانحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب .
ويطول بنا ضرب الأمثلة واستعراض الشواهد, لو تحدثنا عن كوسيلنج في دول اسكندنافيا، وكيف عاون الألمان وساعدهم وساق قسماً من جيوش بلاده تدافع عن الاحتلال، ومع هذا فشعب اسكندنافيا معتز بتاريخه المجيد, وخيانةُ القلة لم تخدش من كبرياء الأكثرية.
وكيف تحرك قسم من قادة إيطاليا يجرون الكرسي من تحت زعيمها موسوليني حتى هوى، وأخذوا زعيمها وقائدها الذي كان يخيف الدنيا مكبلاً بالحديد إلى ساحة دووموا في ميلانو وشنقوه من رجليه ثم انهالوا عليه بالرصاص.
ومع هذا فشعب إيطاليا يكرر أنه بذل في الحرب الكثير استهدافاً للنصر، وأن الأحداث المختلفة أو انحراف قلة من أفراده لا تجعله يحاول التخلص من تاريخ المجد العريق .
وكان في الجزائر ” الحركيون”، وهم الذين كانوا مجندين في صفوف الجيش الفرنسي إبان الثورة الجزائرية ( 1954 ــ 1962)، وقد استعملتهم فرنسا من أجل قمع المجاهدين الجزائريين والتجسس عليهم، وبعد انتصار الثورة الجزائرية أصبحت مثلاً تحتذي به الشعوب وتستمد منها أسلوب كفاحها، ولقبت الجزائر ببلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي.
وقبل انهيار وتفكك الأتحاد السوفياتي, تمكن جهاز الاستخبارات السوفيتي ” كي. جي. بي” ذات يوم من تحقيق اختراقات وعلى مستويات عليا لدول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية، في حين أن وكالة الاستخبارات الأمريكية ” سي آي ايه ” تمكنت في المقابل من تحقيق بعض الاختراقات الخطيرة في الأحزاب الشيوعية الحاكمة في موسكو ودول أوروبا الشرقية التي كانت تعتبر تنظيمات حديدية ومحصنة.
لن ندخل بالتفاصيل والأسماء المحشوة في وكر الأفاعي الذي لا تـنجو منه حقيقة من دون أن تمتلئ بالسموم!، ولكن نرى أنه من حق الشعب الفلسطيني وحق شهدائه وجرحاه وأسراه، بل من واجبنا أن نتصدى لهذه الأفاعي, بفضحها وتعريتها وكشف أسبابها ومسبباتها، منبهين ومحذرين إلى خطورة ما قد ينشأ وما قد يتمخض عنها في بعض قطاعات الشعب الفلسطيني الذي يزداد إحساسه بالعزلة هذه الأيام، والذي بدأ يشعر أكثر من أي وقت مضى أن منافذ العدالة قد سدت في وجهه، والتي تتكرس اليوم وتبلغ قمتها في حرب الأبادة والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة من قبل العدو الإسرائيلي، وحرب الحصار والتجويع من قبل إخوتنا الأعداء!
ألم يكن غريبا أن يشارك هذا ” الطابور من الأفاعي” من رموز التواطؤ مع العدو الإسرائيلي في الوقوف في الصف الأول مع دعاة حصار أبناء قطاع غزة وتجويعهم، وفي تأجيج الكراهية وممارسة التحريض عليهم في كل المجالات؛ فلسطينيا وعربيا ودوليا، والعمل على تطويقهم والنيل منهم؛ تارة بالتحريض عليهم، وبالتهديدات ليل نهار بـ ” الإجراءات غير المسبوقة ” من خلال تجويع غزة وإظلامها، حتى وصل الأمر بأحد ” غربان الخيانة ” أن يلطلب من زعيم الأفاعي حرق غزة!
وتارة أخرى بشن جرائم حرب ضد القطاع من خلال قطع شرايين الحياة عن شعبنا المجاهد في قطاع غزة من خلال منع السفر وقطع الكهرباء ومياه الشرب ووقف الخدمات الصحية وإيقاف الخدمات التعليمية!
قلنا مراراً إنه ما من وسيلة لتوحيد جبهتنا الداخلية إلا بقطع رؤوس الأفاعي التي تعيش بيننا وتنفث سمومها في داخل مجتمعنا الفلسطيني، وإذا كان العملاء شرذمةً قليلة عاثت فسادًا بين أبناء شعبها وأصبحت خنجرًا مسمومـًا في ظهر القضية، فإن هذه الأفاعي أصبحت جزءًا من المشروع الصهيوني.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات