جريمة جديدة تقوم بها عصابات القتلة, واغتيال آخر قامت به دولة المافيا .. ومرثية أخرى نكتبها على صفحات الحزن اليومي الفلسطيني.
فعلى الطريق إلى الوطن الكبير سقط القائد المجاهد مازن محمد الفقهاء ” أبا محمد ” شهيدًا داخل الوطن الذي فرض عليه.
كثيرون سقطوا على هذا الطريق؛ منهم من سقط برصاص قاتل مأجور.. وآخر سقط بتفجير سيارته.
منهم من قتل بتفجير بيته على أطفاله, وآخر سقط عن طريق الهاتف.
منهم من قتل في بيروت, في أثينا, دمشق, لشبونة, روما, لندن, قبرص, تونس, نابلس, خانيونس, طولكرم, غزة, رام الله, رفح!
المكان متعدد الاحتمالات كاسم القاتل.
وكما يمكن تشخيص القاتل بأنه العدو، يمكن تحديد المكان بأنه المنفى.
من كاتب القصة .. إلى رسام الكاريكاتير.
ومن الشاعر .. إلى المؤرخ والصحفي.
ومن الحالم .. إلى المفكر.
من الطفل الرضيع في حضن أمه .. إلى الطفلة التلميذة على مقعدها المدرسي.
ومن العجوز عند زيتونتها .. إلى المقاتل المجاهد في ميدان المعركة.
من قتله المجهول .. ومن قتله المعلوم الذي تحول إلى مجهول.
من قتله العدو .. ومن قتله أبن جلدته.
من سقط قبل الشتات .. وفي الشتات .. وفي المنافي .. وبعد الشتات.
وآخر سقط داخل ” الجيتو” الذي فـُرض عليه باسم السلام.
هكذا كان الموكب وما زال طويلأً جداً، وقافلة الشهداء تسير دون توقف .. وتنضم إليها يوميا كوكبة جديدة على طريق ذات الشوكة. يمضون أطفالا ورجالا ونساء .. يرفعون الرايات المعطرة بدمائهم الزكية الطاهرة ، ويرسمون معالم الطريق .. طريق انتصار الدم على السيف والحديد.. ويعبرون إلى جوار ربهم وقد أدّوا الأمانة دفاعاً عن أمة تستباح أرضها .. و مقدساتها .. ومساجدها .. أعراضها .. أرواح أبنائها .. كرامتها.
إنها التراجيديا الفلسطينية.. من موكب جنائزي إلى آخر، ومن شهيد يرتقي إلى آخر يسابقه، وكأنهم جميعـًا في سباق أسطوري يفيض برائحة القدس وعبق يافا واللـد والرملة وحيفا.
ولكن هل تنتهي رحلة الألف ميل بطلقة واحدة؟
لقد تجاوزت خطوات الشهداء الألف ميل إلى آلاف الأميال.
قطعوها خطوة .. خطوة.
من رمال شاطئ غزة الأزرق إلى حقول القمح وأشجار العنب في الخليل.
ومن جبال وكهوف نابلس إلى حقول الألغام والأسلاك الشائكة أينما ولوا وجوههم في المسيرة إلى الوطن، أو ما تبقى من هذا الوطن.
هذه هي فلسطين.. فائض من الشهداء، وألم ينوء عن حمله وطن عربي من المحيط إلى الخليج .
لم تختلف نهاية القائد المجاهد مازن محمد الفقهاء عن بدايته إلا بمدى ما تختلف مراحل تطور مأساة الانسان الفلسطيني.
ولا تتصل نهاية مازن الفقهاء ببدايته إلا بمدى ما تتصل حلقات هذه المراحل.
من هنا لا تكون هذه النهاية قفزة أو تحولا وإنما هي تسلسل طبيعي بكل ما تحمله هذه الكلمة من مآسٍ.
لقد اختار ” أبو محمد ” بين التساقط .. أو السقوط شهيدًا.
وقد اختار.
لن تجدي الكلمات في رثائه.
ولن يجدي الحرف في التعزية.
ولن تجدي العبارات الحزينة في الاسهاب في فلسفة استشهاده.
فعندما اختار القائد ” أبو محمد “طريق الجهاد فقد اختار طريق الشهادة.
لقد استشهد كما يستشهد الفرسان حقاً:
ذهب إلى موته بشجاعة .. وجاؤوا إليه بخسة ونذالة.
سار في طريق الجهاد حتى الشهادة .. واغتاله العملاء بكل أحقادهم المكبوتة.
ويتساءل الإنسان الفلسطيني بمرارة :
لماذا ظهرت ظاهرة العملاء بوضوح شديد بعد دخول السلطة الفلسطينية إلى الأراضي المحررة عام 1994م مع العلم أن هذه الظاهرة قد تم القضاء عليها في الانتفاضة الأولى منذ عام 1987م إلى عام 1994م، حيث هرب قسم منهم إلى داخل إسرائيل، والباقي ذهب إلى المساجد لإعلان التوبة!
وكيف استطاعت هذه الإفرازات والمظاهر الانحرافية التي لا تمت بصلة إلى عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني، وبعيدة كل البعد عن مبادئ الثورة الفلسطينية وقضية الشعب الفلسطيني التي قدم لها هذا الشعب قوافل الشهداء والجرحى والمعتقلين أن تصبح أحصنة طروادة للعدو الإسرائيلي في اختراق المجتمع الفلسطيني؟!
هل كان تصاعد الحس الوطني ومشاركة الشعب الفلسطيني بكل شرائحه في فعاليات الانتفاضة الأولى سبب في القضاء على ظاهرة العملاء؟
وإذا كان كذلك فهل أفرزت عملية التسوية حالة من تقبل الشارع الفلسطيني لإمكانية التعاطي مع العدو الإسرائيلي في ظل رفع البعض لمبدأ ” التنسيق الأمني المقدس” مع العدو، ودور بعض المتنفذين في السلطة في تنظيف (الخراف السوداء) وتبييضها وغسل عارها ومن ثم إدخالهم في أجهزة السلطة؟!
وكيف سقطت القيم والقدوة الحسنة في نظر هؤلاء العملاء ورضوا بالتعاون مع العدو في قتل أبناء شعبهم؟!
وإذا كان البعض يستطيع أن يتغاضى ويتسامح ويتنازل عن حقه في معاقبة هؤلاء العملاء، فإن أيتام وأرامل وثكالى الشعب الفلسطيني البطل، وشواهد القبور وجدران الزنازين لا يمكن أن تتنازل عن حقها في الأخذ بالثأر من الخونة والعملاء الذين برزوا للعلن وتحت حماية هذه الأجهزة في أغرب ظاهرة يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
مازن الفقهاء ..
ملحمة الشجاعة وسفر الرجولة والبسالة الذي دوخ العدو الإسرائيلي عقلا وتخطيطـًا وتنفيذًا.
لقد طلبت الاستشهاد بنفسك .. وعملت له .. وسعيت إليه .. ذلك لأنك آمنت بأن الشهادة هي أقصر الطرق إلى فلسطين.
حق فلسطين علينا ألا نبكيك .. وحقك علينا أن نغبطك شرف الإستشهاد, ولهذا لن نرثيك .
فالإنسان يرثي الأموات، ونحن ليس لدينا أموات بل شهيد قتل في سبيل الله .
لا وقت للحزن والدموع .. والرثاء لن يجدي .. وملصقات ” الشهيد” لن تعيد الروح إليه .. ولكن فلنستمر على درب الشهيد.. درب فلسطين .. فالطريق إلى فلسطين معبدة بدماء الشهداء.
مازن الفقهاء..
أيها الشاهد والشهيد ..
إن الشهادة حق لا يناله إلا الأبرار، فهنيئا لك الشهادة ووسامها يا مازن، ونم قرير العين، فإن رحلت عنا فسينبت فينا ألف مازن فققهاء؛ نجوم في سماء الوطن وعنوان الأمل القادم، ولتظل ذكراك أغنية فلسطينية متجددة على لسان الأطفال والأمهات، يزرعنها في الأبناء جيلا بعد جيل حتى تحين ساعة النصر باذن الله.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات