عادل أبو هاشم يكتب : فتحي الشقاقي .. في ذكرى استشهاده

” كان أصلب من الفولاذ، وأمضى من السيف، وأرقّ من النسمة، كان بسيطًا إلى حد الذهول، مركبًا إلى حد المعجزة! كان ممتلئًا إيمانًا، ووعيًا، وعشقًا، وثورة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، عاش بيننا لكنه لم يكن لنا، لم نلتقط السر المنسكب إليه من النبع الصافي “وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي”، “وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي”، لكن روحه المشتعلة التقطت الإشارة فغادرنا مسرعًا ملبيًا “وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى” .

هكذا وصف الدكتور رمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قي فلسطين القائد  والرمز الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي  ” أبو ابراهيم” بعد اغتياله.

شكل ” أبو ابراهيم ” محور الرحى في حركة الجهاد الإسلامي من حيث صياغة المنظومة الفكرية، والتأسيس والتنظيم والقيادة، ومن حيث الروح الوثابة التي كانت بين جنبيه والتي فجرها إلى طاقة فعل هائلة ضد المحتل الصهيوني وضد المشروع التغريبي وضد الركود إلى ساحة الفعل الإسلامي الحركي.

وكرد فعل على هذا الجهد الكبير الذي بذله وفى محاولة لقطع الطريق عليه من مواصلة جهده واستثمار ثماره على الأرض قام الاحتلال الصهيوني بتغييبه في السجن، لكن الروح الوثابة لم يؤثر فيها القيد ولم يحد من طاقاتها الهائلة المخزونة بين جوانحها والتي تحركها طاقة ايجابية هائلة بضرورة تغيير الواقع والخروج من بين الركام ووجوب التصدي للاحتلال رغم قلة الإمكانات، فاستمر في قيادته وتوجيهه للمشروع الجهادي على أرض فلسطين من داخل السجن وساهم بدور كبير في اشتعال الانتفاضة وزيادة زخم الفعل الجماهيري مما دفع المحتل الصهيوني إلى إبعاده من السجن ومن الوطن إلى لبنان جريًا على نهج المفسدين في الأرض، لكن الإبعاد  لم يقيد فعل ” أبي إبراهيم ”  ولم يحد من تأثيره في قيادة انتفاضة الشعب الفلسطيني ومقاومته فكانت عملية الاغتيال الجبانة في 26\10\ 1995 م.

 

وصل الشقاقي إلى ليبيا حاملاً جواز سفر ليبيا باسم ” إبراهيم الشاويش” لمناقشة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين على الحدود الليبية المصرية مع معمر القذافي، ومن ليبيا رحل على متن سفينة إلى مالطا (نظرًا للحصار الجوي المفروض على ليبيا آنذاك ) باعتبارها محطة اضطرارية للسفر إلى دمشق حيث يقيم مع أسرته هناك منذ أبعدته السلطات الإسرائيلية عام 1988م .

وفي مدينة ” سليما ” بمالطا وفي يوم الخميس 26/10/1995م اغتيل الشقاقي وهو عائد إلى فندقه بعد أن أطلق عليه أحد عناصر الموساد طلقتين في رأسه من جهة اليمين، لتخترقا الجانب الأيسر منه، وتابع القاتل إطلاق ثلاث رصاصات أخرى في مؤخرة رأسه ليخر ” أبو إبراهيم ” ساجدًا شهيدًا مضرجًا بدمائه.

فر القاتل على دراجة نارية كانت تنتظره مع عنصر آخر للموساد، ثم تركا الدراجة بعد 10 دقائق قرب مرفأ للقوارب، حيث كان في انتظارهما قارب معد للهروب.

رحل الشقاقي وهو في الثالثة والأربعين من عمره مخلفـًا وراءه ثمرة زواج دام خمسة عشر عامًا، وهم ثلاثة أطفال وزوجته السيدة ” فتحية الشقاقي ” وجنينها.

في سبيل الله كان الشقاقي على موعد، لا يقدم رجلاً ولا يؤخر أخرى، لقد غرس قدمه في ساحة الجهاد لدفع العدوان عن أرضه والانتصار للحق في فلسطين.

أدرك الشقاقي أن الصراع مع هذا الوحش الضاري قد يودي إلى الموت لكنه أيضاً كان يدرك أن الإسلام والوطن يريدان رجالاً ينتصرون للحق، وقد يستشهدون في الدرب الطويل للجهاد.

يعتبر الشهيد فتحي الشقاقي أول إسلامي دعا إلى الجهاد المسلح ضد إسرائيل منذ استشهاد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل عام 1948م .

وكما كتب الأستاذ ” فهمي هويدي ” عنه:

 ” سيظل يحسب للشقاقي ورفاقه أنهم أعادوا للجهاد اعتباره في فلسطين، فقد تملكوا تلك البصيرة التي هدتهم إلى أن مسرح النضال الحقيقي للتحرير هو أرض فلسطين، وتملكوا الشجاعة التي مكَّنتهم من تمزيق الهالة التي أحاط بها العدو جيشه ورجاله وقدراته التي “لا تقهر”، حتى أصبح الجميع يتندرون بقصف الجنود الإسرائيليين الذين دبَّ فيهم الرعب، وأصبحوا يفرون في مواجهة المجاهدين الفلسطينيين”.

درس  فتحي الشقاقي ورفاقه التاريخ جيدًا، وأدركوا أن الحركات الإسلامية ستسير في طريق مسدود إن اهتمت ببناء التنظيم على حساب الفكرة والموقف ( بمعنى أن المحافظة على التنظيم يكون أهم من اتخاذ الموقف الصحيح)، فقرر الشقاقي أن تكون حركته خميرة للنهضة وقاطرة لتغيير الأمة بمشاركة الجماهير، كذلك أدرك الشقاقي ورفاقه الأهمية الخاصة لقضية فلسطين باعتبار أنها البوابة الرئيسة للهيمنة الغربية على العالم العربي.

كان الشقاقي ينادي بالتحرر من التبعية الغربية، فطالب بتلاحم الوطن العربي بكل اتجاهاته، ومقاومة المحتل الصهيوني باعتبار فلسطين مدخلا للهيمنة الغربية، أراد أن تكون حركته داخل الهم الفلسطيني وفي قلب الهم الإسلامي.

وجد الشقاقي أن الشعب الفلسطيني متعطش للكفاح بالسلاح فأخذ على عاتقه تلبية رغباته، فحمل شعارًا لم يألفه الشعب في حينها، وهو ” القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية المعاصرة “، فتحول في شهور قليلة من مجرد شعار إلى تيار جهادي متجسد في الشارع الفلسطيني، ومن هنا كانت معادلته (الإسلام ــ الجهاد ــ  الجماهيرية) .

يقول الشقاقي عن حركته:

” إننا لا نتحرك بأي عملية انتقامية إلا على أرضنا المغصوبة، وتحت سلطان حقوقنا المسلوبة، أما سدنة الإرهاب ومحترفو الإجرام فإنما يلاحقون الأبرياء بالذبح عبر دورهم، ويبحثون عن الشطآن الراقدة في مهد السلام ليفجرونها بجحيم ويلاتهم”.

يعد الشهيد الشقاقي أحد أبرز رموز التيار المستنير داخل الحركة الإسلامية لما تمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الحركات الإسلامية وقضاياها في العالم العربي والإسلامي، كما يعتبر مجدد الحركة الإسلامية الفلسطينية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح، فدخلت بذلك طرفـًا رئيسيـًا ضمن قوى الإجماع الوطني الفلسطيني بعد طول غياب.

لم يكن جبانـًا قط، بل إن من شجاعته ورغبته في الشهادة رفض أن يكون له حارس خاص, وهو على دراية تامة بأنه يتصدر قائمة الاغتيالات الصهيونية، فضَّل أن يكون كالطير حرًا طليقـًا لا تقيده قيود ولا تحده حواجز.

عندما كان يستمع إلى تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين باغتياله رداً على عمليات الجهاد التي من أبرزها عملية (بيت ليد) والتي نفذها عنصران من حركة الجهاد الإسلامي في 21 يناير 1995م وأسفرت عن مقتل نحو عشرين جندياً إسرائيلياً، كان يردد ما قاله الإمام علي بن أبي طالب (حارس العمر الأجل) وكان يعتقد أنه عاش أكثر مما كان يتصور, وأن دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعّد المواجهة ضد الاحتلال .

لم يكن الشقاقي يخشى الموت، وكان يودع زملاءه كل مرة يغادر فيها سورية كأنه سيكون اللقاء الأخير بينهم، ورغم أنه كان يعرف أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تلاحقه، بل اعتبرته (هدفاً خاصاً)، فإن ذلك لم يحفزه على تشديد إجراءاته الأمنية، بل عُرف باستهتاره بالاستخبارات الإسرائيلية واعتزازه بقوة تنظيمه، مما أدى إلى انزعاج جهاز أمنه الخاص أكثر من مرة.

كان فتحي الشقاقي دقيقاً في كلامه إذ كان يؤكد أن (معركتنا مع الإسرائيليين في الداخل)، وكان صراعه معهم دقيقاً، وأهداف التنظيم كانت تنحصر في العسكريين وليس في المدنيين، وقال قبل استشهاده إن الوضع التنظيمي للحركة بعد رحيله لن يهتز، وهذا ما حصل فعلاً إذ إن قادة الحركة لم يعلنوا عن استشهاده إلا بعد أن رتبوا وضعهم الداخلي بشكل دقيق، إذ أعلن (مجلس الشورى) انتخاب الدكتور رمضان عبد الله شلح أحد المقربين للشقاقي أميناً عاماً.

اغتالت المخابرات الإسرائيلية الدكتور الشقاقي قبل أن يحقق أياً من أحلامه التي عرف أنه لن يبلغها (وأن المعركة طويلة وتشمل أجيالاً) حتى أن مشروع روايته (تاريخ الجهاد الإسلامي) وعلاقته مع الإخوان المسلمين وحركة المقاومة الإسلامية حماس لم يكتمل، بدأ يتحدث عن فترة الستينات لكنه اغتيل في مالطا قبل أن يصل إلى مرحلة التسعينات.

استشهد ” أبو ابراهيم”  كما يستشهد الفرسان حقا..

ذهب إلى موته بشجاعة . . وجاؤوا إليه بخسة ونذالة.

لقد ظن العدو الإسرائيلي أنه باغتيال الشقاقي ستنتهي حركة الجهاد الإسلامي، ولكن الحركة استطاعت الصمود والثبات على نهج الجهاد والاستشهاد، وباعتراف العدو استوعبت الحركة الضربة القاصمة التي وجهت لها وهي ما زالت تتصدى لحالة الاستسلام التي يجري تعميمها على الأمة متمسكة بالثوابت التي حكمت مسارها منذ بداية القرن والتي كرس دم الشهيد الشقاقي وجودها على الأرض ليكون شاهداً وشهيداً على عدو كان ولا يزال الإرهاب والاغتيال أحد أعمدة كيانه، وإن هذا العدو هو مصدر الإرهاب وصانعه منذ نشأته وإلى الآن.  

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …