عادل صبري يكتب : عسكرة السفارات” ونهاية ” القوة الناعمة”

من المسلم به أن تكون السفارات بوابة الدول للتواصل السلمي مع الخارج، وتقديم الخدمات القنصلية من جوازات سفر وتأشيرات وتوكيلات وتسهيل طلبات الزائرين والمستثمرين الأجانب وحماية رعايا الدولة والجاليات التي تنتشر في النطاق الجغرافي لكل سفارة.
هذه المهمة القديمة للسفارات، أصبحت أكثر وضوحا في ظل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، التي تنص على أن مهام السفارة” تمثيل الدولة وحماية مصالحها والتفاوض مع الدولة المضيفة بما يعزز العلاقات الاقتصادية والثقافية”، حيث تتمتع السفارات بحصانة دبلوماسية، فلا تٌفتش المباني من الداخل وللعاملين بها حصانة جزئية أو كاملة وفقا لاتفاقات ثنائية، تحدد أعداد البعثة الدبلوماسية ومستوى التمثيل الدبلوماسي لكل فرد، مقابل عدم جواز التدخل في شؤون الدولة المضيفة.
التعريف القانوني للسفارات، لم يمنع تاريخيا أن تتحول بعضها إلى بوابة خلفية للدول الكبرى للتدخل في شؤون الآخرين، كما حدث في مصر والدول العربية خلال القرن العشرين، وأحيانا كآلة لفرض الاستعمار المباشر، كما وظفتها فرنسا لاحتلال الجزائر عام 1831، عقب اشتباك لفظي بين السفير الفرنسي والباي حاكم البلاد، أو تدبير انقلابات عسكرية كالتي تديرها سفارات الولايات المتحدة بالمنطقة ودول أمريكا الوسطى والجنوبية وأفريقيا وآسيا.
محطات البوليس السري
في السنوات الأخيرة، صعدت ظاهرة خطيرة، يمكن وصفها بــ” عسكرة السفارات”، حيث تحولت بعض البعثات من خدمة رعاية الدولة إلى مراكز أمنية “محطة بوليس”غير رسمية، أو حتى مصائد لخطف وقتل المعارضين، بما يتنافى مع القانون الدولي واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
حول البعض السفارة من ملاذ آمن للمواطنين إلى مصائد قمعية، للمعارضين الذين يقصدون سفارات بلدهم طلبا لتجديد جواز سفر أو توثيق أوراق رسمية، فيجدون أنفسهم أمام إجراءات إذلال أو حرمان متعمد من الخدمات للمواطنين العاديين بالخارج، وفي حالات أخرى، تستهدف المعارضين واللاجئين السياسيين، حيث يجري استدراجهم إلى مقار البعثات لينتهوا بين الاعتقال والترحيل القسري أو القتل.
الأمثلة على “عسكرة السفارات” كثيرة ومخيفة لوقوعها من دول كبرى شجعت غيرها على السير في ركابها بكل جرأة، دون خوف من عواقبها. على سبيل المثال، وجهت العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة اتهامات رسمية للصين بإنشاء ” مراكز شرطة سرية” داخل أراضي هولندا وألمانيا والولايات المتحدة، خلال الفترة من 2017 إلى 2023، أثبتت التحقيقات الرسمية أن هذه المراكز الموجودة داخل السفارات ومنشآت تابعة لها، مارست أنشطة غير قانونية لمراقبة الجاليات الصينية، وملاحقة المعارضة وابتزازهم عبر التهديد بملاحقة أسرهم داخل الصين.
كشفت تحقيقات وزارة العدل الأمريكية لعامي 2023 و2025، عن وجود مراكز شرطة غير رسمية، تديرها عناصر أمن صينية داخل القنصليات أو عبر واجهات بين الجاليات. اعتقلت السلطات شخصين بتهمة” إدارة مكتب شرطة سرية” تابع لبيجين، أبريل 2023، يعمل على مضايقة المعارضين والتجسس عليهم. وفي كندا طردت السلطات دبلوماسي صيني 2024، لملاحقته أحد الصينيين الفارين إلى كندا، وكذلك فعلت إنجلترا مع أعضاء البعثة الصينية الذين اعتدوا بالضرب على أحد اللاجئين أثناء حمل لافتة تندد باستبداد الحزب الشيوعي.
الصين وأخواتها في الاستبداد
في تلك الحقبة لم تكن الصين وحدها، فقد مارست روسيا الاغتيال السياسي ضد معارضين في أوروبا، أبرزهم قضية تسميم سيرغي سكريبال في بريطانيا 2018، وتبنت تركيا وإيران سياسة ملاحقة المعارضين في الخارج. وهناك دول عربية حولت قنصلياتها إلى مجازر بشرية لقتل صحفيين أو خطفهم ونقلهم قسرا إلى غياهب السجون، وبدلا من أن تكون السفارات أحد أدوات بناء صورة جيدة عن خطط الإصلاح والانفتاح ومستقبل الدولة، أصبحت متهمة بممارسة أعمال شبيهة بالمافيا.
أحد أشكال “عسكرة السفارات” يتمثل في تحويل أبسط الخدمات القنصلية إلى أدوات ابتزاز، فبدلا من أن يكون جواز السفر حقا طبيعيا لكل مواطن، صار في بعض الحالات “سلاحا سياسيا”. يروي كثير من المعارضين المصريين والعرب في أوروبا وأمريكا كيف ترفض سفارات بلدانهم تجديد جوازاتهم، أو ماطلت عمدا لإجبارهم على العودة. هناك آخرون محرومون من توثيق أوراق الزواج أو الميلاد وشهاداتهم العلمية، وبطاقة الهوية، بما جعل حياتهم في المهجر أكثر صعوبة، وكأن الدولة تقول لهم: أنتم بلا وطن إلا إذا عدتم إلينا صاغرين!.
هذا السلوك لا ينتهك فقط حقوق الأفراد، بل يضرب في عمق صورة الدولة أمام العالم، فأي بلد يدعي اختياره التواصل مع الآخرين مرتكزا على قوته الناعمة لا يمكن أن يلجأ لهذه الممارسات الخشنة لأنه بذلك الفعل القهري يثبت أنه عاجز عن إقناع الآخر بوجهة نظره، ويحاول فرضها بالإكراه المادي والعنف النفسي والبدني.
الإكراه الاقتصادي
الملفت أن الدول الاستبدادية تبدد أموال هائلة، لمنع الدول التي أساءت التصرف داخل أراضها، من ملاحقة دبلوماسييها، وكذلك الذين يعملون لحسابها، وقد تلجأ الغنية منها إلى الإكراه الاقتصادي كما تفعل الصين مع دول أوروبا بعد أن أصبحت الشريك التجاري الثاني والمستثمر الأول بالاتحاد الأوروبي. رغم كل هذه الضغوط، فإن دول أوروبية لم تقف مكتوفة الأيدي، فقد أغلقت هولندا أواخر 2022، مكاتب شرطة صينية سرية، وطالبت بكين بقديم تفسير رسمي حول وجودها على أراضيها. وكذلك فتحت ألمانيا تحقيقات موسعة في ممارسات مشابهة، وفي بريطانيا كشف تقرير برلماني أن دبلوماسيين صينيين تورطوا في مراقبة طلاب صينيين ومنع أنشطة احتجاجية لهم داخل الجامعات البريطانية.
تدفع المصالح الاقتصادية بعض الدول إلى التعامل بتردد في مواجهة أنظمة الاستبداد وعسكرة السفارات، مع تداخل مصالح ضخمة ومعقدة، بين الدول وكبار السياسيين ورجال الأعمال، ولكن هذا لم يمنع تصاعد الضغوط من منظمات حقوق الانسان والجاليات المهاجرة، لإجبار الحكومات على التحرك واتخاذ بعض الإجراءات، وإن جاءت رمزية مثل استدعاء السفير أو اغلاق مكتب قنصلي بينما تبقي الشبكات الأمنية الأعمق في الظل.
الحصانة والإفلات من العقاب
تبقي الولايات المتحدة أكثر حزما من أوروبا في مواجهة ” عسكرة السفارات” وهذا ما شهدناه في مواجهة بيجين، حيث وجهت لوائح اتهام ضد ضباط ومسؤولين صينيين محددين، في رسالة واضحة بأن الحصانة الدبلوماسية ليست غطاء مطلقا. تريد واشنطن أن تجعل من القضية ورقة ضغط في المواجهة الأكبر مع بيجين، وفي نفس الوقت تكسب مصداقية لدى المهاجرين والجاليات المهاجرة، التي تخشى من مطاردة دولها الأصلية، وهو ما نتوقع حدوثه مع السفارة المصرية، بعد حادث الاعتداء الأخير على أحد المتظاهرين أمام قنصلية مصر في نيويورك، من قبل موظفين بالبعثة الرسمية، الذين حولوها إلى ” ذراع بوليسي ” أزال عنه صبغة ” القوة الناعمة”.
المفارقة أن عسكرة السفارات لا تضر بالمعارضين وحدهم، بل تضر بالدول ذاتها، حيث تفقد السفارات دورها الطبيعي كجسور بين الشعوب، والدبلوماسيون يفقدون الثقة عندما يخشى المواطنون اللجوء إليهم للحصول على خدمات من الدولة، والشعوب تبدأ في فقدان الإيمان ببلدانها. فإذا كان سفير البلد أو أحد معاونيه يراقبهم أو يبتزهم أو يعتدي عليهم ويحول مكتبه إلى مصائد اغتيال أو مركز أمني، بتعليمات من رئيسه في العمل أو لامتلاكه أوراق جواز السفر فلا معني إذن للمواطنة ولا قيمة لحصانة تُفلت صاحبها من العقاب.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …