عامر عبدالمنعم

عامر عبد المنعم يكتب: ترمب المحارب وعودة المحافظين

وكأن طاقة من الجحيم فُتحت، وطبول الحرب دقت، وحربا ضروسا قد سعرت، ففوز المرشح الجمهوري دونالد ترمب بمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة فتح أبواب الجدل حول مستقبل العالم في ظل رئيس متهم بالجنون، يثير الفزع بتصريحات نارية، كأنه أحد رعاة البقر، يطلق الرصاص من مسدسه يمينا وشمالا، يعلن الحرب على مللٍ ونحل، ويتوعد المسلمين بالويل والثبور, والأقليات بالمطاردة، ويهاجم مخالفيه من بني جنسه بالانتقام، وكأنه مسعر حرب.

الأخطر أن ترمب لم يأت بمفرده، فهو جزء من تكتل واسع يمثل قوة اليمين الأمريكي الصاعد بأجندة مسيحية، بعد حصول الجمهوريين على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، والسيطرة على الكونجرس بغرفتيه، وهذا يجعل الرئيس الجديد على رأس منظومة متماسكة من المحافظين الجدد، تهيمن على السلطتين التنفيذية والتشريعية.

أكدت نتيجة الانتخابات الأمريكية خطأ التقديرات المتفائلة بتراجع تيار المحافظين منذ فشل حروب بوش في العراق وأفغانستان، والتي كانت سببا في انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة، وثبت عدم دقة الحملات في الإعلام الأمريكي الذي يسيطر على معظمه الليبراليون والعلمانيون؛ فحصاد المعركة الانتخابية يؤكد أن ترمب وما يمثله من نموذج هو تعبير عن تيار شعبي يميل للتعصب، وإحياء لأفكار متطرفة ظننا أنها تراجعت مع الإنجازات العلمية والتقدم الحضاري.

انفراد الجمهوريين بالسلطة يشكل خطرا مستقبليا على العالم الإسلامي، خاصة في ظل حالة التبعية والتفكك التي يعاني منها المسلمون، ورغم أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يختلفان حول الدعم المطلق لإسرائيل, والتحالف مع الشيعة ضد السنة, ومنع الإسلاميين من الوصول للحكم، فإن الجمهوريين لهم أجندة صليبية عدوانية منطلقة من تفسيرات بروتستانتية تقوم على شن الحروب الاستباقية.

 ورغم أن السياسة الأمريكية تضعها مؤسسات، تعمل وفق التصور المسيحي الصهيوني، وهذه المؤسسات منخرطة منذ عقد ونصف العقد في حروب ضد المسلمين، فإن اليمين الأمريكي يغريه التفوق العسكري، والتقدم العلمي بالإسراع في تنفيذ الأجندة الأكثر تدميرا وتكملة ما بدأه جورج بوش.

إن العقيدة المسيحية الصهيونية التي يعتنقها المحافظون الجدد ليست وليدة اليوم، وإنما هي الأساس الذي بنيت عليه أمريكا منذ هاجر الأنجلوساكسون البروتستانت البيض من بريطانيا إلى الأرض الأمريكية، وحافظ هذا العرق الذي يمثل نحو نصف السكان على الهوية الدينية للولايات المتحدة عبر تاريخه وحتى اليوم.

البيوريتان وتأسيس أمريكا

منذ معرفة الطريق للأمريكتين تدفق الأوربيون إلى الأراضي الجديدة، وتركزت هجرة الأنجلوساكسون على شرق القارة الشمالية وأقام البيوريتان أول مستعمرة لهم على خليج ماساتشوستس في عام 1630م، والبيوريتان اسم مشتق من Puritan وهي كلمة تعني الطهر والنقاء وهم البروتستانت الذين أرادوا تطهير كنيسة انجلترا، خلال الحكم العدائي للملك جيمس الأول وتشارلز الأول وقرروا الهروب إلى مكان آخر لممارسة معتقداتهم.

كان وصول البيوريتان إلى الشاطئ الأمريكي في الرحلة الأمريكية الشهيرة على المركب “ماي فلاور” هو البداية لتأسيس دولة مسيحية في العالم الجديد، وشبهوا رحلتهم بالخروج الجماعي في العهد القديم الذي هرب فيه بنو إسرائيل من مصر ورحلوا إلى الأرض الجديدة، وسيطرت عليهم فكرة أنهم الشعب المختار ونظروا إلى العالم الجديد على أنه إسرائيل الجديدة.

اعتقد البيوريتان أنهم يقومون بالدور الأخير في التاريخ البشري، وراحوا يؤيدون هذا المعتقد باستشهادات كثيرة من العهد القديم، فاعتبروا أمريكا أرض “كنعان” الجديدة، وعلى هذه الأرض الأمريكية ستقام الألفية التي يسود فيها السلام.

ومع تدفق المزيد من المهاجرين الأوربيين إلى أمريكا لم يعد الانغلاق البروتستانتي البيوريتاني ملائما، خاصة مع تمرد المستعمرات، وعدم قبول المستعمرين الجدد الخضوع لسلطة انجلترا، فحدثت تنازلات فرضها الواقع، وتطورت الأفكار البروتستانتية لاحتواء الآخرين، دون تنازل عن القيادة السياسية والدينية، إلى أن تحقق لهم الاستقلال الكامل عن بريطانيا.

ومنذ إعلان الاتحاد فإن العائلات الأمريكية البروتستانتية الكبرى كانت مؤثرة ومحتكرة للمناصب السياسية، حيث ترتكز السيطرة الأصولية على قاعدة متينة من العائلات والمؤسسات الأمريكية  الأكثر ثراء، وتوارث الأبناء والأحفاد الثراء والنفوذ والسلطة، وحصروا التنافس السياسي في حزبين وأجهضوا كل المحاولات لإنشاء حزب ثالث حتى لا تفلت السلطة من أيديهم.

تنامي الأصولية الحركية

تنامت الحركة الأصولية الحديثة كرد فعل للتطورات السياسية والاجتماعية التي شهدتها أمريكا خلال فترة الستينات من القرن الماضي، وشهدت تلك الفترة سقوط هيبة الدولة مع سقوط الرئيس الأمريكي نيكسون في فضيحة ووترجيت، وسقوط هيبة الأسرة والمجتمع مع شيوع الانحلال والفساد الأخلاقي بسبب الموجة الليبرالية والشيوعية، وأيضا مع ثورة السود التي قادها مارتن لوثر كنج والتي نجحت في إلغاء التمييز العنصري، ويضاف إلى ذلك سقوط الهيبة العسكرية بسبب النتائج الكارثية لحرب فيتنام، ويضاف إلى ما سبق فوز جون كينيدي كأول رئيس كاثوليكي يصل إلى هذا المنصب الذي يحتكره البروتستانت، وقد قتل كيندي ولم يكمل مدته، ومازالت علامات الاستفهام الكثيرة تحيط بهذا الاغتيال حتى الآن.

بدأت قوة اليمين المسيحي تظهر بوضوح بعد  فوز رونالد ريجان في الثمانينيات والذي أظهر توجهه الديني وأعلن اهتمامه بالتقاليد المحافظة وعمل على تثبيت دور الدين في استعادة هيبة أمريكا عالمياً، وهو الذي اتفق مع الإيرانيين على تأخير الإفراج عن الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1979 لمنع جيمي كارتر من الفوز في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

 وبلغت قمة الصعود للمحافظين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وانفراد أمريكا بزعامة النظام الدولي، وشعروا بأن الطريق مفتوح لتحقيق طموحاتهم بأمركة العالم، ومع بداية الألفية سيطر المحافظون علي السلطة، وجاء تنصيب جورج بوش رئيسا بفضل المناخ العام الذي هيأه الأصوليون المسيحيون، والذي بدأ حملته الانتخابية بقوله إنه كان يستجيب لاستدعاء إلهي!

التفسيرات المحاربة

يعتقد المحافظون الأمريكيون أن الحروب ودمار العالم شرط للعودة الثانية للمسيح، حسب تفسيراتهم لما ورد في سفر الرؤيا، ولذلك هم يعملون من أجل المعركة الكبرى –حسب تصوراتهم-  بين قوى الشر وقوى الخير, والتي يطلقون عليها “هرمجدون” ويعقتدون أن مكانها يقع في منطقة جبل مجيدو في القدس.

وفق التأويلات الإنجيلية لمعركة هرمجدون فإن ميدان المعركة “سيكون واسعا لدرجة أنه سيغطي مئات الأميال شمال القدس وجنوبها وسترتفع بحور الدم حتى تصل إلى رقاب الخيول. وبسبب هذه الحروب ستدمر كل مدن الأمم بفعل الأسلحة المدمرة والتي سوف تحرق الأرض وتمزقها إربا، ولن يعود المسيح إلى الأرض إلا إذا بدت وكأن الحياة فيها ستنعدم، عندئذ يعود لإنقاذ من تبقى وعندئذ يبدأ حكم القديسين في الألف سنة الموعودة” ، أي أن المسيح لن ينزل إلى الأرض إلا بعد تخريبها.

يرى التفسير البروتستانتي الصهيوني أن لليهود دورا حاسما في تحقيق نبوءة نهاية الزمان، ويعتقدون أن تجميع يهود العالم في فلسطين وإقامة الهيكل المزعوم في الموضع الذي يشغله المسجد الأقصى وقبة الصخرة مقدمة لهذه العودة، ويرون أن اليهود سيؤمنون بالمسيح بعد نزوله الثاني ويعتنقون المسيحية ويتوبون عن موقفهم السابق!

لقد بذل بعض دعاة الأصولية الأمريكية جهودا كبيرة لإعطاء تأويلات معاصرة لهذه الأفكار، سواء في سفر الرؤيا أو غيره. ومن هذه التأويلات أن “المرحلة الاولى من هذه الحرب ستبدأ حينما يشن التحالف العربي الأفريقي الذي يدعى (ملك الجنوب)، هجوما شاملا ضد إسرائيل. أما المرحلة الثانية، فهي غزو كامل لإسرائيل والشرق الأوسط، تقوده روسيا والتي تدعى (ملك الشمال) والدول التابعة لها” . وفي تفسيرات حديثة جعلوا الصين هي ملك الشمال الذي سيتحالف مع العرب.

ليس هناك خلاف كبير في تأويلات نهاية الزمان المدمرة بين الأمريكيين المتدينين والأمريكيين العلمانيين. فهم سواء في اعتناق ذات العقيدة. لا فرق بين آراء جيري فالويل وبات روبرتسون وغيرهما من منظري اليمين المسيحي، وآراء مفكرين علمانيين مثل فرانسيس فوكوياما صاحب (نهاية التاريخ) وصمويل هنتنجتون صاحب (صدام الحضارات)؛ فالفريق الأول يؤصل لحرب هرمجدون  برؤية دينية بينما يتبنى الفريق الثاني ذات العقيدة ولكن برؤية علمانية.

***

تشكل الأفكار البروتستانتية المتطرفة خطرا علي المسلمين، فهي المحرضة على الحروب المدمرة؛ فالتيار المتطرف يرى أن الطريق إلى الجنة ومصاحبة المسيح فوق السحاب بشن الحروب على المسلمين والمبادأة بالعدوان، ويعتقد المحافظون الأمريكيون أن إشعال الحروب الكونية ضرورة حتمية لإقامة مملكة الرب المتخيلة، ولا يرون غير السلاح حلا وحيدا في التعامل مع الغير.

ورغم ما نحذر منه من تداعيات سيطرة المحافظين على البيت الأبيض والكونجرس فإن التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، وتمرد الشعوب على الهيمنة الأمريكية والرغبة في الاستقلال ستفرض واقعا جديدا ينتهي بتصدع بنية العلاقات التي صنعتها الحكومات الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويخدم المحارب ترمب حركة الانقلاب على أمريكا، فهو لا يترك أي مساحة رمادية لأصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة للمناورة والهروب أمام الشعوب.

وكما تسبب بوش في تدمير المشروع الإمبراطوري الأمريكي فإن ترمب قد يكون علامة النهاية للتمدد الخارجي في ظل نظام دولي ينهار ونفوذ أمريكي يتراجع ويتآكل يوما بعد يوم، فماذا سيفعل ترمب أكثر مما فعله بوش؟ وماذا عساه أن يفعل أكثر مما يفعل أوباما الذي لم يتوقف العدوان على المسلمين في عهده رغم كلامه المعسول؟

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …