لم تُطلق تلك الرصاصات فقط على أندريه كارلوف، ولم تُسفر تلك العملية عن اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة فقط، وإنما استهدفت العملية العلاقات الروسية التركية، وجرت محاولة اغتيالها. وتعمل اليوم الجماعة التي فشلت في تدمير تركيا يوم 15 تموز/ يوليو، على نشر الفوضى، ولذلك نفذوا عملية تجاه روسيا؛ الداعم الخارجي الأكبر لتركيا.
بذل السفير الروسي كارلوف، جهودا كبيرة لتفادي تبعات حادثة إسقاط الطائرة الروسية يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، وكان دبلوماسيا يثق في أمن تركيا لدرجة أنه يتجول في أنقرة بدون حماية. كان صديقنا وضيفنا، لكننا للأسف لم نستطع حمايته.
علينا اليوم أنْ نعيد مجددا ملف إسقاط الطائرة الروسية، خصوصا بعد اغتيال السفير الروسي في أنقرة، لأنّنا علينا كشف الأصابع التي تريد، بإصرار، استهداف العلاقات الروسية التركية.
الحليف الأهم
روسيا هي الحليف الأهم بالنسبة لنا في الموضوع السوري، ولذلك تم إسقاط الطائرة الروسية في اليوم الذي كنا سنتفق فيه مع روسيا لبدء عملية جرابلس الكبيرة، ولم نستطع منذ ذلك التاريخ التحليق في الأجواء السورية، وقد أدركنا مرة أخرى يوم 15 يوليو/تموز أهمية العلاقات مع روسيا، كما أنّ عملية إخلاء السكان من حلب وعملية درع الفرات أثبتت أهمية صداقتنا مع روسيا، وأخيرا جرت عملية اغتيال السفير الروسي قبل يوم واحد فقط من اجتماع روسيا وتركيا وإيران لبحث الملف السوري.
الخلايا النائمة
لم يتبق لجماعة فتح الله جولن أي قوة تمكنهم من محاولة تنفيذ انقلاب كالذي فعلوه ليلة 15 يوليو/تموز، لكن كثيرين توقعوا بأنّ الجماعة “ستحرك الخلايا النائمة لاستهداف قائمة أهداف ربما على رأسها رجب طيب اردوغان”، والبعض كان قلقا من عمليات انتحارية ربما تنفذها الجماعة، وقد أثبتت عملية اغتيال السفير الروسي صحة تلك التوقعات، في ذات الوقت الذي كان فيه توأم جماعة جولن؛ حزب العمال الكردستاني يقوم بتفجيرات في إسطنبول وقيصري.
بدأت الجماعتان التوأمان تطبيق نفس السيناريو، وقد لاحظنا ما نشره عضو جماعة جولن؛ “عبد الله بوزكورت” يوم 16 من هذا الشهر، والذي كتب في تغريدة له: “لا أمان بعد اليوم للسفراء”، وفهمنا ليلة أمس الأول ما المقصود من ذلك. تحركت خلايا جماعة جولن النائمة، وأهدافهم القادمة مجهولة بالنسبة لنا.
التمويه باستخدام غلاف القاعدة
نستطيع القول بأنّ “مولود ميرت ألتنطاش”؛ منفذ عملية الاغتيال، تم تدريبه وتنشئته بصورة جيدة جدا، ولم يكتف فقط بتوجيه ضربة للعلاقات الروسية التركية، بل هتف بالعربية بشعارات للقاعدة أو النصرة، لصرف الأنظار لهما. وبرغم أنه يعمل في الشرطة منذ عامين، إلا أنه ظهر في عملية الاغتيال كمنفذ مُحترف.
لا أعلم إذا كان بإمكاننا معرفة من الذي أصدر التعليمات لمنفذ الاغتيال، ومن دربه من “إخوته الكبار” في جماعة جولن، ومن الإمام” الذي طُلب منه القيام باغتيال السفير الروسي، وذلك لأننا لم نستطع إلقاء القبض على المنفذ حيّا، وهناك دلائل تشير إلى ارتباطه بجماعة جولن، منها أنه أخذ اذنًا لعطلة يوم 15 يوليو/تموز؛ يوم محاولة الانقلاب، وأنه درس في مدرسة خاصة تابعة لجولن، وكان قد جرى تحقيق سابق معه بتهمة سرقة وتسريب أسئلة امتحانات.
أُدير الأمر بهدوء
استرجعت الذاكرة لحادثة إسقاط الطائرة الروسية، حينها لم تكن أنقرة تُدرك حيثيات الموضوع، وكان الجميع مُتحمسا، ولم يكونوا يُدركوا بأنّ توغل جماعة جولن قد يصل لقيادة طائرات واستهداف طائرة تابعة لدولة مثل روسيا، وبعد ذلك أدركنا كيف أنّ تصرف أنقرة في تلك الحادثة قد حقق المطلوب من إسقاط الطائرة وهو تأزم العلاقات بين روسيا وتركيا.
لكن ليلة أمس الأول كلنا شعرنا بالقلق وتساءلنا “هل سيتكرر مشهد 24 تشرين الثاني/ نوفمبر؟”، لكن أنقرة وموسكو قطعتا الطريق على ذلك، وأُدير الأمر بهدوء وببرودة أعصاب وحكمة من الطرفين، حيث اتصل اردوغان سريعا بالرئيس الروسي بوتين، خصوصا وأنّ الأخير قال لاردوغان “كنت انتظر منك الاتصال بي أولا قبل الناتو بعد حادثة إسقاط الطائرة”، ولذلك لم يتكرر المشهد، كما اتفق الرئيسان على تشكيل لجنة تحقيق روسية تركية مشتركة للبحث في حيثيات عملية الاغتيال.
وأعتقد أنّ إدراك روسيا وبوتين لخطر جماعةٍ همّت باغتيال رئيس دولتها يوم 15 يوليو/تموز وما قامت به من محاولة انقلابية دموية، سيسهل من مهمة فهمها وإدراكها أنّ نفس الجماعة تستطيع اغتيال سفير روسيا.
صحيفة حرييت – ترجمة وتحرير ترك برس
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات