أن تدرك الأمة واجبها فهي أمة حية .. وأن تدرك حقوقها فهي أمة واعية .. وأن توازن بين الأمرين فهي أمة مختارة.
حين يتحدثون عن العدل يذكرون عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان حريا بهم أن يذكروا معه أمّة عمر، تلك الأمة الربانية، الحديثة عهد بالسماء, فخرج منها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأخرجت أمةً من الصحابة يسيرون علي الأرض بقلوب من الجنة, رضوان الله عليهم أجمعين، أمة لا تصنع من حكامها فراعنة يحكمون باسم الإله في الأرض ويستعبدون الناس من دون الله.
الدولة عندهم كيان يحمي الفرد ويربيه ويوفر له احتياجاته كإنسان له كافة الحقوق الإنسانية, بدءًا من احترام حريته وانتهاءًا بكفالة كل ما يلزمه لصالح تكوينه كإنسان مؤهل لمساعدة العالم كله, وليس مجتمعه فقط قبل أن تطلب من هذا الفرد احترام قوانينها، واتباع لوائحها، والعمل علي بنائها ورفاهيتها.
الدولة مجموعة الأفراد الذين يكونوا المجتمع, وإن صح الفرد، صح المجتمع كله، وإن صح انتماؤه لمجتمعه صح المجموع، وبالتالي صحت الدولة، لتدخل في البناء الحضاري اللازم لدخولها التاريخ، وإلا فهي خارج معالم التاريخ الإنساني.
وهذا ما تعانيه أمتنا الإسلامية منذ نهاية هذا الجيل الأول؛ جيل الخلافة الإسلامية الراشدة، جيل الإدراك والوعي والرشد، حين أوقفت الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن إتمام خطابه من علي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي فُتحت في عهده بلاد الفرس والروم توا، تستوقفه لتسأله، وقد تم توزيع الثياب علي رجال المدينة بالتساوي: لم ثوبك أطول من ثيابنا يا عمر؟ حين وقف أمير المؤمنين يخطب الناس وعليه ثوب طويل فقال: أيها الناس اسمعوا وعوا, فقال سلمان الفارسي: والله لا نسمع ولا نعي، فقال عمر: ولمَ يا سلمان؟ فقال سلمان: تلبسنا ثوبًا، وتلبس ثوبين، فقال عمر لابنه عبد الله: يا عبد الله قم أجب سلمان، فقال عبد الله: إن أبي رجل طويل فأخذ ثوبي الذي هو قسمي مع المسلمين ووصله بثوبه، فقال سلمان: الآن يا أمير المؤمنين نسمع.
وبغض النظر عن مدى صحة الرواية أو عدم صحتها, ففي حياة سيدنا عمر بن الخطاب ورعيته من الأحداث الموثقة ما تؤكد مدى فهم هذه الأمة لحقوقها وواجباتها ومدى وعيها بذاتها ودورها في الحياة ومكانتها بين الأمم، الفرد فيها بأمة، تتمثل فيه بحجمها قوة أو ضعفا، ومكانتها عزة أو ذلا، وبدورها كبيرًا أو صغيرًا.
فالأمم على كل حال تكتسب صفات الأفراد فيها، أفراد اجتمعوا على غاية ووسيلة وإطار يحكم كل هذا، إطار يتوقف شكله تبعا لسمو الهدف وصحة الوسيلة وقدرة الفرد على استيعاب ذلك ومدى إيمانه به.
وهنا يمكن أن نضع تصورا لما تمر به أمتنا اليوم، وقد يحلو للبعض أن يسميها أزمة، أو مرحلة انحطاط تاريخي نتج عنه تخلفنا عن ركب الحضارة الحديثة بتخلينا عن أسباب العلم والتطور، والبعض يعزوها إلى الاستبداد السياسي الذي نتجت عنه حالة من التبلد الفكري والسلوكي والأخلاقي، فصارت الأمة مجرد سوق عالمي لكل ما هو آت من الغرب، سواءٌ كان هذا الآتي سلعا أو ثقافة، أو حتى هوية.
وأرى أن الأمة تمر بحالة تيه وعدم إدراك وفقدان وعي بماضيها وواقعها, وما يجب أن تكون عليه، تلك الأمة, التي ختم الله برسالتها الدينَ كله, أمست في حالة لا تدرك فيها ذاتها فضلا عما حولها؛ ذلك الإدراك، الذي يجعل فردا من الشعب يقول لحاكمه: لا سمع ولا طاعة حتى نفهم، ونفس الإدراك الذي يدفع القبطي للسفر من مصر حتى المدينة المنورة؛ عاصمة الخلافة ليقتص لذاته من ابن والي مصر، الصحابي الجليل عمرو بن العاص، فيقتص الخليفة للقبطي من ابن حاكم مصر تنفيذا لحق فردٍ من الرعية حتى ولو لم يكن مسلما طالما يحتمي بقوانين ذلك المجتمع ورضي بأن يدين له. إدراك يجعل فردًا من الرعية يرد على خليفته في المسجد برفع سيفه قائلا: إن أخطأ الخليفة هكذا، قومناه بالسيف هكذا، إدراك يجعل جنديا صغيرا في جيش الأمة يحمل لعاصمة الخلافة ذهب كسرى على فرسه ويسافر به مسافات الأيام ويعبر به الصحارى، حاملا معه قربة ماء وكسرات خبز، ثم يذهب ليلقي بحمله في المسجد دون أن يمس ما يحمله، قد تساوى عنده التبر بالتراب، كل همه أن يؤدي الأمانة التي حملها، لم يأتِ بما يحمله من كنوز في حماية كتيبة من كتائب الجيش، إنما جاء به في حماية عقيدة يحملها بين جنبيه، وإدراك لحقيقة ما يحمله من أمانة، ليست أمانة حمل أموال المسلمين، وإنما أمانة هداية البشرية، والخروج بها من ضيق الدنيا لسعة الدنيا والآخرة، ومن ضعف الحاجة، إلي قوة الاستغناء، ومن صغر المسئولية، إلي عظمة العطاء الإنساني ومجده, حين تختلط الأرض بالسماء في دينٍ معجزٍ يخرج أفضل ما في الإنسان، الإدراك الذي يعي معه الفرد أن الحرية أغلى من الحياة مجردة، وأن هناك شبعًا من نوع آخر، هو الشبع الكلي بدين كلي, ومهمة كلية, تشمل الكون قاطبة، هنا يستوي الحاكم والمحكوم، هنا يحمل الجندي ثروات الأرض لتوزع بالعدل على كل الناس، ويستظل الحاكم بظل شجرة ينام تحتها في أمان وسلام، هنا لا تجد في الأمة ثوبا مسروقا، ولا كنزا مختلسا، ولا جيشا خائنا، ولا حاكما عميلا.
الكل يستظل بنفس المظلة تحت عنوان كبير ” ألهذا خلقك الله “، الكل يدرك لم خلقه الله، والكل يعرض عمله عليها، والكل يعمل بمقتضاها.
الشعب المدرك هو الشعب الذي يحيا في ظل حاكم عادل، مدرك لحقوقه وواجباته، كذلك مدرك لحجمه ودوره وقدرته وإمكاناته، فيأبى أبدا الخضوع إلا للسماء، ويأبى أبدا الرضا بأقل مما خُلق له.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات