عز الدين الكومي يكتب: القانون اللقيط!

وافق (برلمان عبد العال) في مصر على قانون الجمعيات الأهلية، الذي اعتبره رئيس المجلس د. عبد العال إحدى إنجازاته التاريخية, إذ قال: إن جلسة اليوم تاريخية، وتؤكد أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، ورسالة للعالم بأن المجلس متحد، وأن قانون الجمعيات الأهلية لبى حاجات مؤسسات المجتمع المدني ومتطلبات أمن الدولة المصرية، واستجاب لكثير من مطالبات الجمعيات الأهلية وملاحظات مجلس الدولة، وأن السيادة التي أكدها الدستور وحافظ عليها الشعب المصري طوال تاريخه الطويل تمثل نقطة فاصلة، وأن مجلس النواب وهذه القاعة له القول الفصل في هذا القانون!

هذا القانون الذي يتغنى به عبد العال خالف المادة 75 من دستور العسكر التي تنص على أن (للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار، وتمارس نشاطها بحرية، ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل فى شئونها، أو حلها أو حل مجالس إداراتها أو مجالس أمنائها إلا بحكم قضائي، ويحظر إنشاء أو استمرار جمعيات أو مؤسسات أهلية يكون نظامها أو نشاطها سريّا أو ذا طابع عسكري أو شبه عسكري، وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون).

يعنى يمكن القول بأن هذا القانون عمل على تأميم العمل المدني فى البلاد وليس تنظيمه كما يزعم عبد العال؛ فهو يهدف إلى الحد من إنشاء كافة صور مؤسسات العمل الأهلي الواردة في القانون، وتصفية الجمعيات القائمة حاليًا؛ خاصة الإسلامية منها لصالح كنيسة تواضروس نظرا لتقاطع المصالح بينهما، حيث أعطى القانون للوزارة المختصة صلاحيات عديدة، من بينها أنّ للجهة المختصة عدمَ الموافقة على تأسيس الجمعية أو المؤسسة!  وبالتالي سيؤثر هذا القانون على العمل الخيري الذي يقدم الكثير من الخدمات للمحتاجين والمعوزين فى ظل الأزمة الاقتصادية التي تعانى منها البلاد، وفي ظل الانقلاب العاجز عن تحمل أعباء الفقراء الذين يعانون من تدهور أحوالهم الاقتصادية في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما أن هذا القانون سيعاقب الفقراء بحرمانهم من خدمات كانت تؤديها أكثر من أربعين ألف جمعية أهلية، خاصة الإسلامية منها، ويعد المسمار الأخير في نعش العمل الأهلي والتطوعي. 

هذا القانون الذي جعل بان كي مون يعرب عن قلقه العميق بشأنه، وهو الذي لم يقلق لما يحدث فى حلب والموصل وغزة وبورما، وحث السلطات الانقلابية على ضمان أن تعمل منظمات المجتمع المدني بدون قيود، وأن تمارس حقوقها الأساسية وحرياتها.

كما أن منظمة هيومان رايتس ووتش وصفت قانون الجمعيات الأهلية بأنه يمنح الحكومة والجهات الأمنية مزيدًا من السيطرة على أنشطة الجمعيات، وطالبت بسن تشريع جديد يدعم حرية التعبير وتكوين الجمعيات الأهلية كما هو منصوص عليه في الدستور والقانون الدولي، فقد قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة: إنه يجب على البرلمان التدقيق وعدم المراوغة من خلال التسرع في إقرار قانون من شأنه أن يحظر بشكل كبير ما تبقى من منظمات المجتمع المدني المستقلة في مصر.

وبدورها, انتقدت منظمة العفو الدولية القانون، واعتبرته «تفويضًا لموت الجماعات الحقوقية المصرية»، واعتبرته القانون الأكثر قمعًا للمشاريع المتعددة التي اطلعت عليها منذ عام 2011، كما انتقدت تمريره من البرلمان بلا نقاش عام.

وكان الأجدر بنظام الانقلاب في ظل الكوارث الاقتصادية التي جلبها من خلال سياساته المتخبطة، والتي جعلت اقتصاد البلاد يعتمد على القروض والهبات والمعونات والرز الخليجي والفكة, أن يفتح الباب للعمل الخيري, لكن السلطات الانقلابية اتخذت عددًا من القرارات بالتحفظ على أموال وغلق المئات من الجمعيات الأهلية الخيرية، وكان من أبرزها الجمعية الشرعية، التي لها أنشطة عدة من بينها ألف وتسعين روضة أطفال منتشرة في ثماني عشرة محافظة، بالإضافة إلى ثلاثين مركزًا طبيًا في التخصصات المختلفة، تقدم الخدمات بالمجان للفقراء والمحتاجين، مثل الغسيل الكلوي، ومراكز رعاية الأطفال المبتسرين، والأشعة التشخيصية، وعلاج الحروق والأورام، بالإضافة إلى مشروعاتها المتعددة لرعاية الأيتام وأمهاتهم، وطلاب العلم الفقراء، والبالغ عددهم خمسمائة وأربعين ألفًا، بالإضافة إلى رعاية نحو ربع مليون أرملة، وتوفر سنويًا عشرات الأطنان من اللحوم وآلاف البطاطين للفقراء، وأنشأت محطات تنقية مياه الشرب ليصل عددها لنحو سبعمائة محطة يشرب منها ماءً نقيًا نحو ثمانية ملايين ونصف مليون مواطن يوميًا، كل ذلك لصالح الكنيسة لموقفها الداعم للنظام الانقلابي.

ويلاحظ على هذا القانون قوة تأثير الجهات الأمنية في إعداده، والسرعة في تمريره من خلال توجيهات تلك الجهات لبرلمان عبد العال. 

كما أن القانون تضمن مواد تمنح صلاحيات واسعة للجهات الأمنية والإدارية، من حيث التفتيش والتأييد أو الرفض.

وقد لاحظت أن جل المتباكين على هذا القانون، هم من مؤيدي الانقلاب وداعميه، الذين فوضوه فى سفك الدماء ومصادرة الأموال والاستيلاء على الجمعيات الخيرية التي تخدم الفقراء، كما أن نواب الكنيسة وافقوا على القانون دون تردد؛ لأنهم يعلمون أن الجمعيات القبطية والكنسية لن تُمس، ولن تخضع لهذا القانون، لأنها دولة داخل الدولة في مصر الأزهر.

وإلى الله المشتكى.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …