بعدما برّأت لجنة الشئون الخارجية في البرلمان البريطاني ساحة جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر من تهمة الإرهاب، ولم تكتف بذلك؛ بل انتقدت الطريقة التي سارت بها التحقيقات التي أجرتها وزارة الخارجية في هذا الشأن، ووصفتها بعدم الشفافية وعدم الحيادية، واعتبرت أن الإجراءات الأمنية القاسية التي جرت في مصر من شأنها أن تدفع بعض الأشخاص إلى التطرف، إلا أن الجماعة نفسها لم تتورط في العنف، وأنها لو انحازت للعنف لكان الوضع أكثر سوءًا في مصر، ما يؤكد أن الجماعة لا تنتهج العنف! كما انتقدت اللجنةُ التقريرَ الحكومي في أنه لم يتحدث عن الاضطهاد الذي يعاني منه أنصار جماعة “الإخوان” طوال عقود حكم العسكر منذ خمسينيات القرن الماضي، وطالبت بضرورة إدانة جميع انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك ما يحدث ضد أعضاء الإسلام السياسي.
وهذا يوضح مدى ازدواجية المعايير التي ينتهجها الغرب فى التعاطي مع القضايا التي تخص الإسلاميين، بدليل أن وزارة الخارجية البريطانية لم تُدِن المذابح التي قام بها العسكر عقب الانقلاب الدموي، بل فتحت ذراعيها لاستقبال قائد الانقلاب, وعلى الرغم من أنّ الإسلاميين قبلوا بالعملية الديمقراطية والنتائج المترتبة عليها، باعتبار أنها وسيلة تمنع التزوير وتمنع تسلط الحاكم الدكتاتور، لكن على ما يبدو أن تفكير الخارجية البريطانية لا يختلف كثيرا عن تفكير الليبراليين العرب الذين كفروا بالديمقراطية لأنها تأتى بالإسلاميين، وفضلوا عليها دبابة العسكر!
ولقد أنصفت اللجنة عندما قالت: كان ينبغي على وزارة الخارجية البريطانية أن لا تسمح لنفسها بأن تظهر بمظهر المبرر للطريقة التي أطيح بها بحزب الحرية والعدالة من السلطة في مصر، وينبغي عليها أن تكون صريحة ومباشرة في مواجهة الحكومة المصرية، في إقصاء جماعة الإخوان المسلمين، ومنعها من المشاركة في العمليات الديمقراطية!
هذه الحكومة نصبت نفسها خصما وحكما ولم تقدم دليلا واحدا على ما ذهبت إليه, لكن الواقع المشاهد وكذلك تاريخ جماعة الإخوان يشهدان بأن الجماعة لو تبنت العنف أو أقرته، لكانت مصر اليوم أكثر عنفا، ولكن الحكومة أغفلت عن عمد ما قاله مرشد الجماعة من فوق منصة رابعة: “سلميتنا أقوى من الرصاص”, حتى إن اللجنة قالت: لقد خاب أملنا؛ لأن الحكومة وبالرغم من طلبين رسميين لم تر من المناسب تزويد اللجنة بنسخة كاملة من التحقيق الخاص بجماعة الإخوان المسلمين، ولو حتى تحت ظروف يتم التحكم بها، كما لم تكن الحكومة على استعداد لتزويدنا بنسخة منقحة من التحقيق، كان ذلك بوضوح إجراءً معيقا لمهمتنا التدقيقية في أثناء التحقيق، ومثله كان رفض طلبنا بأن يقوم السير “جون جينكنز” بتقديم شهادة شفهية، وكانت حجة الحكومة أن أسئلتنا بخصوص التحقيق يتوجب أن يجيب عليها الوزير ومعه أحد المسؤولين في الوزارة! فلقد نجم عن هذه الإخفاقات تقويض سمعة المملكة المتحدة والنيل من نزاهتها في التعامل مع مثل هذه القضايا بشكل عام، يتوجب على الحكومة المبادرة مباشرة إلى نشر أكبر قدر ممكن من الأدلة التي قدمت للتحقيق الخاص بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من أجل الحفاظ على الشفافية وعلى صدقية العملية برمتها.
أين الشفافية هنا؟ بل من أين تأتى الشفافية وحقيقة التقرير جاءت بناءً على ضغوط مارسها الملك السعودي السابق عبد الله، وهدد بريطانيا بإلغاء صفقات أسلحة قدرت في ذلك الوقت بحوالي 12 مليار جنيه إسترليني؟ إلا أن التقرير جاء مخيبا لآمال عبد الله قبل وفاته وآل نهيان وجناح التويجري، الذي شاءت إرادة الله عز وجل أن يصدر التقرير وهو رهن الإقامة الجبرية!
والطريف أن الحكومة البريطلنية أعلنت أن الهدف من التحقيق هو معرفة الخلفية التي تقف وراء جماعة الإخوان المسلمين، من أجل الفهم الكامل لطبيعة المنظمة, لكن الخلاصات الرئيسية أهملت ذكر أهم حدث وقع لجماعة الإخوان، ولتاريخ مصر السياسي المعاصر، ألا وهو الانقلاب على السلطة في يوليو عام 2013 انقلابا عسكريا، بعد عام واحد من انتخابها ديمقراطيا, وبررت ذلك بأن فهم جماعة الإخوان لم يحتج إلى التحقيق في الأحداث التي أعقبت الإطاحة بالسلطة في مصر! ولا أدرى على أساس استندت لجنة التحقيق فى إغفال هذه الأحداث التي ترقى للجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. وقالت اللجنة: إن تعيين السير “جون جينكينز” رئيسا للتحقيق في جماعة الإخوان المسلمين، بينما كان حينها يشغل منصب سفير بريطانيا لدى المملكة العربية السعودية لم يكن قرارا رشيدا بل لقد أعطى ذلك انطباعا بأن دولة أجنبية، وهي طرف ذو مصلحة في إجراء التحقيق، كان لديها نافذة خاصة تطل من خلالها على طريقة إدارة حكومة المملكة المتحدة للتحقيق!
ولقد جاء تقرير لجنة الشؤون الخارجية فى البرلمان البريطاني بهذه الصورة لأن حكومة “كاميرون” تراجعت أكثر من خمس مرات عن نشر نتائج التحقيق الحكومي الذي كان من المقرر أن يعلن أمام البرلمان البريطاني إلا أنه تم التراجع وتأجيل الإعلان إلي أجل غير مسمي، دون إعلان الأسباب!
وعلي الرغم من أن تحقيق الحكومة البريطانية حول أنشطة الإخوان المسلمين خلص إلى أنه لا ينبغي تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، وأنه لا ينبغي حظر نشاط الإخوان، لكنه يطالب الجماعة بأن تكون أكثر شفافية، وكأن بريطانيا لا تعرف ما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين لديها شفافية كافية أم لا؟
وقالت صحيفة الجارديان البريطانية إن الحكومة سمحت بضرب الثقة في سياسة المملكة، بعد تركها انطباعا بأنها تأثرت بالسياسة المهاجمة للجماعة من قبل دول الخليج العربي.
وبالرغم من كل المكائد التي مارسها النظام الانقلابي، وبعض القوى الإقليمية التي ترى فى جماعة “الإخوان المسلمين” تهديدا لبقاء أنظمتها، فإن الجماعة ستبقى ثابتة، وسوف تستعصي على كل المحاولات البائسة {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف: 21].
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات