في هذا الزمن الذي تبدو فيه نوافذ الاستسلام مشرعة في أماكن كثيرة، عن عـجـز في بعض الحالات، وعن تصميم وإرادة وانحـراف في حالات أخـرى!
في هذا الزمن الذي أصبح فيه الجهاد جـريمة، والمجاهدون الذين يدافعون عن أرضهم وعرضهم وشعبهم إرهابيين وقتلة وخارجين عن القانون، وإسحاق رابين ” شهيد السلام “!
في هذا العصر .. عصر الردة الدولية والنكوص العربي .. حيث تنحسر قوة الحق أمام جبروت حق القوة، وحيث تصادر إرادة الشعوب وحقوقها باسم العولمة حينًا، وباسم حق القوة أحيانـًا أخر.
وفي هذا الزمن الذي قضت عدالة البنـتاجون فيه أن تمنح الخنجر للقاتل، وتجود بالتابوت على القتيل, خرجت علينا وزارة الخارجية الأمريكية ببيان وضعت فيه القائد المجاهد فتحي حمّاد ” أبو مصعب” على قوائم ” الإرهابيين الدوليين”!
وقد صنفت وزارة الخارجية الأمريكية فـتحي حـمّاد إرهابيا دوليا ذي تصنيف خاص، ويشكل خطرا عبر ارتكاب أعمال إرهابية تهدد أمن المواطنين الأمريكيين أو الأمن القومي أو السياسة الخارجية أو اقتصاد الولايات المتحدة!
واتهمته بصفته مسؤولا كبيرا في حماس، شارك في نشاط الحركة، التي تصنفها واشنطن بأنها منظمة إرهابية أجنبية .. كما أنشأ قناة الأقصى، وهي ذراع حماس الإعلامية الرسمية التي تبث برامج مصممة لتجنيد الأطفال ليصبحوا مقاتلين مسلحين لحماس وانتحاريين عند بلوغهم سن الرشد!
(قامت وزارة المالية الأمريكية بادراج قناة الأقصى على القوائم الإرهابية في مارس/ آذار عام 2010)
ليس من السهل أن يكتب المرء عن ” ضمير حركة حماس “؛ القائد المجاهد فتحي حمّاد، فالرجل ليس أحد أهم رموز الشعب الفلسطيني الإسلامية في مسيرته الجهادية وحسب، بل هو نبراس وثائر ومجاهد ومفكر صاحب كلمة شجاعة وهادئة وعاقلة وثورية في نفس الوقت، وهو فوق ذلك يتدفق بحب الأرض التي يجاهد من أجلها.
ذلك أن ” أبا مصعب ” لم يكن في التـزامه مجرد شخص اختار طريق الجهاد والنضال والمقاومة، بل هو إلى جانب ذلك نموذجٌ بارز لجيل فلسطيني كامل هو جيل مقاومة المحتل، ومن خلال تمثيله لهذا الجيل، وتعبيره عنه بالبندقية المقاتلة والكلمة الحرة الأبية اكتسب قيمته كقائد وكمعلم وكرمز من رموز هذا الجيل.
لقد آمن أبو مصعب بأن العمل لفلسطين لا حدود له، وأن فجر النصر آت لا محالة رغم الظلام الحالك الذي يلف الأمة، وأن الدم والمشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من بعيد، وأن هناك طريقـًا آخر غير طريق الخنوع والاستسلام، أو القبول بالفتات أو انـتظار ما يسمح به العدو الإسرائيلي بالتـنازل عنه ألا وهو طريق الجهاد والاستشهاد.
وآمن ــ أيضاً ــ بأن مقاومة المحتل لا معنى ولا أثر لها إذا لم تتجسد بالممارسة والسلوك اليومي، وأن مقاومة المحتل لا تتحمل المواقف الوسط، ولا المهادنة، ولا التأجيل، ولا الاستراحة، وأن الكلمة الثائرة لا تعرف المواربة، ولا الدبلوماسية، ولا التلفيق، ولا الاصطناع.
عظّم أبو مصعب المقاومة في فكره وعقيدته، وقدر العمل في جهاده وكفاحه اليومي، وهو صاحب حجة قوية وعقل منظم وذهن وقاد، تتدافع الأفكار في رأسه كأمواج البحر، تتلاطم بعنف لتعود مرة أخرى إلى الأعماق في حركة مد وجزر واعية مستمرة لا تنقطع أبدًا.
حين دخل عالم القيادة ظهرت من خلال أسلوبه في العمل ميزات تراثه الجهادي، فهو لم يكن ذلك النموذج المتطرف من الرجال، ولم يكن ذاك النموذج المرن من الرجال، كان مزيجاً من التطرف والمرونة، من الصراحة المطلقة والصمت، من الإيجاز في الحديث والممارسة المستمرة، وبهذه الروحية وبهذا الأسلوب كان يعالج كل مشاكل المسيرة، سواء داخل الإطار التنظيمي أو في مهماته العسكرية والسياسية، وبقدر ما كان الكثيرون ينزعجون من صراحته، كان الجميع يحبونه ويقدرونه، لأنهم كانوا يعرفون في النهاية أي رجل صريح، أي رجل صلب، أي رجل مرن، هذا الذي يتعاملون معه.
لقد أخذ فـتحي حـمّاد من كل قادة حماس الشهداء الذين سبقوه أجمل خصالهم:
أخذ من الشيخ أحمد ياسين وفاءه للثوابت التي آمن بها، وكما نذر الشيخ ياسين حياته للجهاد والكفاح من أجل أشرف قضية يمكن أن يدافع عنها إنسان بروحه وفكره ووقته كان ” أبو مصعب ” كذلك.
وأخذ من الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حمل فلسطين كاملة، والحلم بفلسطين كاملة موحدة، فأرض فلسطين ومقدسات فلسطين وحجارة فلسطين هي هاجس” أبو مصعب ” الأول والأخير، فهي الهدف وهي الغاية، وهي الحلم الوردي للفلسطيني، وهي الأمل في الحياة الكريمة لشعبها الأبي.
وأخذ من صلاح شحادة صلابة المقاتل التي لا تلين مهما عظمت المخاطر، ونصاعة الوعي الثوري الواقعي لما هو قائم، والأمل الذي لا يهزم بحتمية النصر.
وأخذ من سعيد صيام أجمل صورة من صور الحياة النابضة بالوطنية والطموح الخلاق، حيث كان يرنو إلى العلا في كل مجال من مجالاته، ويتقن فن الثورة، ويحفظ دروسها عن ظهر قلب ويلقنها للناس، فقد كان تلميذاً وأستاذاً في آن واحد، وكان قمة في التحدي والتجاوز البناء.
وأخذ من المهندس إسماعيل أبو شنب سلوكياته الصادقة وتمسكه بالمبدأ والتصلب في الحق، والعفوية الثورية النقية التي هي تعبير عن عفوية شعبنا وصدقه.
وأخذ من أحمد الجعبري الذهنية الحادة ذات الرؤية الواضحة التي تدرك أبعاد العنف ومدلولاته ونتائجه، وصدق الثائر في حبه لأبناء شعبه.
وأخذ من الشيخ الدكتور نزار ريان العفة والطهارة الثورية، فالقائد” أبو مصعب “عفيف حتى النخاع، ومتقشف حتى الزهد، ومتواضع حتى الانسحاق وفي تعففه وتقشفه وتواضعه هذا يريد أن يبقى قريبا ــ حتى في حياته الشخصية ــ من حياة غالبية شعبه الذي كرس حياته في خدمته، و مثالاً حياً على صدق الثائر في حبه لأبناء شعبه.
تجد الحقيقة بارزة في كلماته، والفكرة واضحة في حديثه، فلا مكان للمجاملات على حساب مقاومة العدو أو المبادئ، وكم من الناس من غضبوا لصراحته أو لكلمة حق يقولها، ولكنه لا يخشى لومة لائم، ويقيم الدنيا ويقعدها بحجة ثاقبة ورأي حصيف إذا دافع عن قضية أو مسألة.
لقد نذر حياته للجهاد والكفاح والنضال من أجل أشرف قضية يمكن أن يدافع عنها إنسان بروحه وفكره ووقته، ووقف شامخـًا صامدًا في وجه العدو الصهيوني وكل مؤامرات المتآمرين والعملاء.
ورغم أن بيان الخارجية الأمريكية هو دعوة صريحة لقتل ” أبو مصعب ” الا أن ما لا تدركه الادارة الأمريكية والعدو الأسرائيلي أن هذا البيان ما هو إلا وسام شرف آخر يزين صدره, وأنه لا يخشى الاستشهاد في سبيل الله والوطن، فهو يعلم تمامـًا أن لا خيارات أمام الشعب الفلسطيني سوى الفوز باحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة، ويدرك تمامـًا أنه ” مشروع شهادة ” منذ صغره، وأن درب فلسطين معبد بالدم, محفوف بالمهج والأرواح، وعلى هذا الدرب يمضي كل يوم شهيد وتتعاظم التضحيات، وكلما سقط شهيد حمل الراية من بعده مجاهدٌ يمضي على درب الشهادة، ففلسطين ملء القلوب ومحط السائرين إلى الحرية والإستقلال.
إن القائد المجاهد فـتحي حـمّاد يدرك أن فلسطين طوال عهود التاريخ يحفر أبناؤها خندق التحرير بدمائهم، ويروون التراب، ويسقون نبت الجهاد والفداء والنضال، فشلال الدم الذي يتدفق على الأرض الفلسطينية المقدسة هو الدم الطهور الذي يحفر في الأعماق خندق الإنتصار الكبير.
قال تعالى: { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانـًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} . صدق الله العظيم
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات