انتقد علماء مصريون فتوى اصدرتها “دار الإفتاء” في مصر بوجوب إعطاء أموال الزكاة لصندوق “تحيا مصر”، أحد أهم الصناديق السيادية التابعة لنظام عبد الفتاح السيسي، معتبرين أن الفتوى خيانة للأمانة بعد دعمها صندوقا مشبوها تغيب الشفافية عن إيراداته ومصروفاته والرقابة عن حجم مدخلاته.
ومن جانبه، قال عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور وصفي أبوزيد: إنه “في ظل ما تحياه مصر من حالة سياسية مضطربة وأوضاع اجتماعية متحللة، وظروف اقتصادية متردية أوصلها إليها من توسدوا الأمر وهم ليسوا أهله، ومن انقلبوا على إرادة الشعب المصري بفسادهم وكذبهم وخياناتهم للأمانة والإيمان التي أقسموا عليها؛ فإنه لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يضع زكاة ماله تحت تصرف سلطة مثل سلطة السيسي، ولا أن يأتمنهم على أي شيء يتصل بدين أو دنيا”، بحسب تصريحه لـ”عربي21”.
وعن أسباب أخرى لعدم الجواز التبرع لسلطة السيسي، أشار “أبوزيد” متسائلا إلى “الأموال الخليجية التي أتتهم بالمليارات من سلطات تلك البلاد أين ذهبت؟ ورأينا انتهاك حرمات الله والمؤمنين جهارا نهارا، ورأينا الفساد المالي الذي تم إنفاقه على السيسي وحاشيته، وعلى المقربين منه والحاكمين معه، وعلى أذرعه المختلفة التي تروج له ويحتمي بها”.
وأضاف أنه “في الوقت الذي يتضور فيه الشعب المصري جوعا، ويزداد فقره وعوزه يوما بعد يوم، الله تعالى يقول: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)”.
وأكد أن المسلم مؤتمن على المال الذي آتاه الله، ولا يجوز له أن يخون هذه الأمانة ويعطيها ليد غير أمينة، وفي هذه الحالة يجب أن يبحث عن جهة أمينة يأتمنها على الدين، أو ينفقها هو بنفسه على من يعرفهم من مستحقي الزكاة.
وأوجب “أبو زيد” في تصريحه على المسلمين “التحري في المصرف الذي يصرف فيه زكاة ماله، وأن المال فيه حق لله، وفيه حق للفقراء، ويجب أن يصل هذا الحق لأهله شرعا، وهو ما لا يتحقق في الحالة المذكورة”.
لا نعلم عنه شيئا
وقال الداعية الإسلامي الشيخ عبدالخالق الشريف، إن مصر كان بها قديما جمعيات خيرية تقوم بذلك حسبة لله تعالى والعاملين عليها لا يأخذون لأنفسهم أجرا إلا من الله تعالي، مستدركا “لكن هذه الجمعيات معظمها تم تدميره والسيطرة عليها”.
وأضاف أن “صندوق مصر، فلا نعلم عنه شيئا”، بحسب “عربي 21”.
وفي استنكار لفتوى دار الإفتاء المصرية، قال: “والسؤال لدار الإفتاء: هل هؤلاء لا يعرفون من الإسلام إلا أخذ الأموال؟ أليس من الإسلام منع الظلم الواقع على المسجونين ظلما والممنوع عنهم حتي العلاج؟ أليس من الإسلام الحرية والعدالة والرحمة؟”.
ووجه الشريف إلى أولوية إخراج الزكاة للأقارب والجيران، وقال: “زكاة المال حق الفقراء في مال الأغنياء، والأولى بها الفقير القريب، والفقير الجار ومن يعرفه المزكي؛ فالزكاة للفقير القريب صدقة وصلة رحم، وفيها أيضا أنه أعلم بحاله، وكذلك صلة رحم وتراحم بين الأقارب والجيران ومن يعرفهم مؤدي الزكاة”.
كما ندب عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين، إلى إخراج الزكاة ل”طلبة العلم الفقراء، وهذه الأمور تتم عن طريق المعرفة الشخصية”.
صندوق مشبوه
وأشار البرلماني المصري السابق، د.عز الدين الكومي، إلى أن “دار الإفتاء منذ وقوع الانقلاب على الرئيس المنتخب انحصر عملها في رؤية الأهلة، وكذلك إصدار الفتاوى السياسية لمصلحة النظام الانقلابي، دون مراعاة لأدنى قواعد الفتوى”.
وأشار في تصريحه لـ”عربي21″، أن “دور الإفتاء المصرية الأبرز الآن هو البصم على أحكام الإعدام بالجملة والقطاعي الصادرة من قضاء مسيس، وبتهم ملفقة، ومحاكمات تفتقد لأبسط قواعد العدالة؛ لذلك نصطلح على تسميتها بإفتاء الدم ومفتي الإعدامات”.
ولم يبد “الكومي” استغرابا من الفتوى وقال: “فلا غرو أن تفتي دار إفتاء الدم بإعطاء الزكاة لصندوق مشبوه لا يعرف أحد عنه شيئا، لا عن طريقة تأسيسه ولا عمله أو تمويله أو بنود صرفه”.
وخص المفتي “مجدى عاشور” بالانتقاد معبرا أنه “لم يراع حرمة رمضان”، و”يؤسس لسبوبة جديدة لنظام الانقلاب، لتكون مثلها مثل صناديق النذور والإتاوات التي تفرض على رجال الأعمال”.
فتوى مجدي عاشور
وكان مستشار مفتي الجمهورية مجدي عاشور، قال عبر برنامج تلفزيوني: “لدينا فتوى رسمية من دار الإفتاء -تعود لمنتصف عام 2016- بإخراج أموال الزكاة وزكاة الفطر إلى صندوق تحيا مصر، لأن هذا الصندوق مخصص للوقوف بجانب الفقراء والمساكين والمحتاجين”.
وقال إنه “يجب إعطاء الزكاة للفقراء والمحتاجين، ودفع أموال الزكاة للمؤسسات المعروفة مثل صندوق تحيا مصر، بجانب المؤسسات الخيرية المعتمدة، وتعتبر مؤسسات قانونية، وتعمل من أجل خدمة الوطن والمواطنين، ولديها قاعدة بيانات بالقرى الأكثر فقرا، فهي تستحق أموال الزكاة”.
https://twitter.com/wael_hafez/status/1261817281941823488
سرية تامة رسمية
وقال التقرير إن السلطات المصرية تضرب سرية تامة حول أعمال صندوق “تحيا مصر”، وعلى الرغم من مرور نحو 6 سنوات منذ إعلان السيسي عن إنشائه في يوليو 2014، إلا أنه لم يصدر عنه أي تقارير أو بيانات تتحدث عن حجم ما وصله من أموال أو طريقة إنفاقها.
وأشار إلى أن الصندوق لا يخضع لأي نوع من الرقابة، وأن السيسي بدأ فترة حكمه الأولى بتدشين الصندوق وقيل حينها إنه سيخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات الجهاز الحكومي، وهو ما لم يحدث، حيث خضعت أعمال الصندوق للإشراف المباشر من السيسي والجيش، رغم أنه له مجلسا استشاريا من رجال دين بينهم شيخ الأزهر وبابا الأقباط ورجال أعمال وبعض الوزراء.
وأضاف أن مجلس الدولة كان قد اصدر فتوى قانونية تقضي بمنع الجهاز المركزي للمحاسبات من مباشرة أي دور رقابي على أموال وأنشطة “تحيا مصر”، ليكون الصندوق هو الاستثناء الوحيد من بين كل المؤسسات العامة التي ينص الدستور على خضوع أنشطتها المالية لرقابة الجهاز.
وأكد أن السيسي أصدر قرارا أقره البرلمان المصري، في يوليو 2015، يقضي “بعدم خضوع أعمال الصندوق للمراقبة، ومنحه حصانة من الرقابة المالية والتشريعية وبعيدا عن الموازنة العامة للدولة”.
وكشف رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، شريف سامي، في أغسطس 2016، عن عدم خضوع صندوق “تحيا مصر” لإشراف الهيئة؛ بحجة أنه لم ينشأ وفقا لقانون سوق المال، وجاء بقرار من السيسي.
“تبرعات” مشاهير
وبات الصندوق أشبه بصندوق للمشاهير ولرجال الأعمال، تكشف عن ولائهم للرئيس ولسلطته، ففي ظل أزمة كورونا، انطلقت الحملات الداعية للتبرع للصندوق، حيث أعلن المتبرعون عن مساهماتهم، فرجل الأعمال محمد فريد الخميس تبرع بـ5 ملايين جنيه، والممثل محمد رمضان تبرع بمبلغ 2 مليون جنيه، وثلاثة أشهر من رواتب أعضاء مجلس النواب بنحو 20 مليونا، ودعم شيخ الأزهر الصندوق بـ5 ملايين جنيه في 27 مارس الماضي، فيما تبرعت الكنيسة الكاثوليكية بـ2 مليون جنيه، وقدمت الكنيسة الأرثوذكسية مبلغ 3 ملايين جنيه للصندوق.
وتحدثت تقارير صحفية عن أن الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة -مسجون حاليا على خلفية تقرير للجهاز حول الفساد في البلاد- حاول ممارسة دوره الرقابي على صندوق تحيا مصر، وهو ما تم رفضه؛ بحجة رقابة هيئة الشؤون المالية للجيش على الصندوق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات