لا يخفى علينا إلى أي حد صارت الإعلاميات عنصرا أساسيا في الحياة اليومية من أعمال وخدمات القرب والبعد، فلا تجد مصلحة أو إدارة مستغنية عن هذه التقنية/الوسيلة الحديثة في التسيير والتدبير، فكان لزوما أن تنفذ إلى القطاع التعليمي بداية من المركز نزولا إلى المؤسسات التعليمية.
ونود أن نتساءل: هل استفادت العملية التعليمية التعلمية من مكون الإعلاميات بالقدر الكافي؟، بمعنى آخر: هل تمت دمقرطة التكنولوجيات الحديثة حتى تصير ميسرة لجميع المتعلمين على حد سواء؟
سواء كان الجواب إيجابا أم نفيا، فالثورة الرقمية التي يعيشها العالم الآن، هي تيار جارف يقصي ويرسل كل ما هو تقليدي نحو المتحف، فلا حديث اليوم عن الورقة أو الكتاب إلا نادرا، وفي المقابل هناك حواسيب متطورة وألواح الكترونية…تجعل من متلازمة التربية والتكوين فضاء مفعما بالتشويق والإثارة والتتبع، ميسرا لإدراك المعارف، زيادة على تقوية ملكة التعلم الذاتي وتأهيل المتعلمين للولوج إلى عالم المعرفة، بدل النمطية وإعادة تدجين العقول وتخريب المواهب وقتل المبادرات في ظل السياسات التعليمية على النمط الميكانيكي.
صحيح أن منظومتنا التعليمية في المغرب تخلصت من مخلفات الماضي واعتمدت في إطار التجديد التربوي المقاربة بالكفايات وبيداغوجياتها المرافقة كآلية جديدة للتدريس ابتداءً من الألفية الجديدة، كذلك تم إدماج مفهوم الحياة المدرسية وآليات تدبير أنشطتها، إلا أن النتائج الحالية لا تعكس كليا ما كان مرسوما ومخططا له ضمن الأهداف والأولويات، حيث ظلت قدرات المتعلمين على التمكن من القراءة والكتاب والحساب ضعيفة، وما صاحب ذلك من مشاكل في التواصل جرّاء غياب معجم لغوي راسخ أو تداخل/نزاع داخلي بين لغتين أو أكثر.
هنا نرى أن استمرارية التعلم عبر المقررات الدراسية والكراسات والألواح الخشبية، لم يعد مرغوبا فيه، وبالموازاة يأتي إدماج التكنولوجيات الحديثة كخيار بديل يفرض رأسه باستحقاق ليس فقط تماشيا مع مستجدات العصر وإنما ارتكازا على طموح شجاع عنوانه «مدرسة الغد»؛ مدرسة أو بالأحرى مؤسسة تعليمية تحدث ثورة مفاهيمية جديدة، بفلسفة أكثر حداثية، بنظريات تربوية أقصى من عصرية، تشتغل في الفضاء الالكتروني، حيث البرامج التعليمية مرتبطة بالشبكات العنكبوتية، ذاتية التحديث ولا حدود للتواصل سواء في الزمان أو المكان، ولا قيود تكبل الفضول المعرفي مادام في سياقه التربوي، فحتى البرامج الدراسية تصير وضعيات، يتفاعلون معها بالأجهزة والتقنيات الحديثة، حيث وضوح الرؤية، وصفاء الصورة، وقوة الصوت، فالمتعلم هنا يكتب، يقرأ، تتفاعل أحاسيسه ويصير له موقف ثم خبرة ذاتية تؤهله للذهاب بعيدا تحت صفة سيد القرار انطلاقا مما اكتسبه، ويقتصر دور المدرس هنا في الوساطة المعرفية والإجرائية وتيسير التعامل مع الحالات المستعصية بناءً على طلب المتعلمين حسب طبيعة فروقهم وشكل حواجزهم التعلمية ضمانا لتكافؤ الفرص بينهم جميعا، بعيدا عن الصور الجامدة والنصوص البعيدة عن الواقع أحيانا،التي تكرس الإنصات القسري وردود أفعال محدودة لا تستجيب إلى التطلعات؛ أما سياسة التنزيل الخاصة بهذا المشروع الطموح فتتطلب تمتع المؤسسات التعليمية بأطر تربوية متمكنة من التكنولوجيات الحديثة، كذلك الانتقال من مكون الإعلاميات كمادة تعليمية، إلى وسيلة تعلم معممة وموحدة في جميع المؤسسات.
قد يستحسن البعض تفعيل هذه الخطة بداية من الثانويات التأهيلية بحكم سن المتعلمين ونضج قدراتهم التعاملية/التفاعلية، لكن هذا لا يقصي حق متعلمي المدارس الابتدائية في اكتشاف هذه النعمة وخوض غمار التعلم الالكتروني، عبر تحريك الأنامل فوق شاشات اللوحات الذكية، وألواح مفاتيح الحاسوب كنمط جديد لاكتساب القدرات وتقوية المهارات، كذلك تكون لهم فرصة ولوج عالم المعرفة من المهد؛ لذا فالولوج إلى عالم التكنولوجيات الحديثة هو اختيار شجاع نحو تحقيق الجودة المفقودة في العملية التعليمية التعلمية، وتوجه نحو بناء أجيال رقمية متفتحة ومحاورة ومستوعبة للتحديات التنموية، وتفعيل لمشاريع الارتقاء بالفرد والمجتمع.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات