قرَّرت المغرب العودة إلى شغل مقعدها داخل الاتحاد الأفريقي، وريث منظمة الوحدة الأفريقية التي انسحب منها عام 1984 بقرار من الملك الراحل الحسن الثاني, بعد 32 سنة من الغياب وانتهاج سياسة المقعد الفارغ.
الملك محمد السادس في خطاب له في القمة 28 للاتحاد الأفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بتاريخ 31 يناير 2017 قال إن: «عودة المغرب للاتحاد هي عودة إلى البيت بعد غياب طويل لملاقاة الأسرة الأفريقية»، مضيفاً أنها تعزيزٌ لعلاقات التعاون والأخوة والصداقة التي تجمع بين المغرب والدول الأفريقية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه قام بـ46 زيارة إلى 25 دولة أفريقية، وما هذا إلا دليل على تعزيز العلاقات المغربية – الأفريقية.
شدد الملك محمد السادس على ضرورة تعزيز العلاقات بين المغرب والدول الأفريقية لخدمة مصالح القارة السمراء، قائلاً : إن المغرب سيكون قطباً من أقطاب النمو الاقتصادي في القارة الأفريقية، ولن يتخلى عن دوره الريادي بها، كما أكد على ضرورة مباشرة أفريقيا حل مشاكلها بنفسها واستغلال ثرواتها، موضحا أن «إفريقيا قارتي ومنزلي، وثروات الأفارقة للأفارقة».
وأضاف : تتقاسم المملكة المغربية مع القارة الأفريقية، والتي تمثل امتدادها الطبيعي وعمقها الاستراتيجي، روابط حضارية عريقة وعلاقات إنسانية وجغرافية أيضاً، وقد كان المغرب دائماً حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا، فهو الذي نشر الإسلام في منطقة الساحل وجنوب الصحراء عن طريق المذهب المالكي، وعن طريق الزوايا والجمعيات الدينية.
وقد ذكّر ملك المغرب قادة أفريقيا وشعوبها بأنهم ليسوا ملزمين بشهادة «حسن السيرة والسلوك» من الغرب، لوصولهم إلى النضج السياسي الذي يُؤهلهم إلى الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية والمحاكم في حالة النزاعات السياسية أو الانتخابية.
خلفية الصراع
محمود الريماوي كتب عبر صحيفة “القدس العربي” عن أسباب انسحاب المغرب آنذاك احتجاجاً على ضم ما يسمى «الجمهورية الصحراوية» إلى المنظمة، لافتا إلى أن سياسة المقعد الفارغ التي انتهجتها المغرب لأكثر من ثلاثة عقود أدت إلى قيام المنظمة الإفريقية بالضغط على الأمم المتحدة لمعالجة ملف الصحراء وفق منظور البوليساريو, والجزائر الداعمة لها، ما أسهم في تغييب الصوت المغربي وإطالة أمد النزاع.
وبطبيعة الحال فإن باب العودة إلى عضوية الاتحاد الإفريقي كان مفتوحاً أمام المغرب، وهي من الدول المؤسسة للمنظمة الإفريقية في العام 1966، وماكانت عودة المغرب للمنظمة إلا بعدما عبّرت 39 دولة إفريقية عن دعمها لعودة المغرب فيما رفضت 9 دول إضافة إلى ممثل البوليساريو.
ويرجع الريماوي بالذاكرة للمفاوضات المباشرة مع منظمة البوليساريو، برعاية الأمم المتحدة, والتي عقد بعضها على الأراضي المغربية، وعلى مدى العقدين الماضيين وقد فشلت في التوصل إلى حل لنزاع الصحراء.
وكانت 47 دولة منها دول إفريقية ومن أصل 81 دولة في العالم قد سحبت اعترافها بمنظمة البوليساريو وتالياً بالجمهورية الصحراوية التي تصفها المغرب بـ«الجمهورية الوهمية»، وباستثناء الاتحاد الإفريقي فإن هذا الكيان لا يتمتع بالعضوية في أية منظمة إقليمية أو دولية.
وتتخذ الجمهورية الصحراوية من مخيمات تندوف على الأراضي الجزائرية مقراً له.
تنافس محموم
وفي سياق التنافس المحموم بين الجزائر والمغرب, تقدم الأولى دعماً غير محدود للبوليساريو بل إنها تكاد تنفرد بتقديم هذا الدعم، وآتي هذا الدعم أكله إبان الحرب الباردة وفي الفترة التي كانت فيها الجزائر تنسج علاقات قوية مع الدول الإفريقية حديثة الاستقلال، وحيث كانت المغرب تصنف على أنها أقرب إلى المعسكر الغربي، فيما تنتمي الجزائر إلى المعسكر الاشتراكي آنذاك.
ولم تمض سوى ست سنوات على نجاح الجزائر في ضم الكيان الصحراوي إلى المنظمة الإفريقية، حتى كان المعسكر الاشتراكي يتعرض للانهيار.
وحينما مُنح هذا الكيان عضوية المنظمة الإفريقية انسحبت المغرب منها، واحتجت بأن ذلك يخالف ميثاق المنظمة.
جدلية الاعتراف بالصحرواية
وترى الأوساط المغربية أن وجود المغرب في الاتحاد الافريقي لا يعني بأي حال اعترافا بالجمهورية الصحراوية، فيما تقول جبهة البوليساريو إن مصادقة المغرب على ميثاق الاتحاد وما تضمنه الميثاق يعني اعترافا بالجمهورية الصحراوية والتزاما بالحفاظ على استقلالها.
ناصر بوريطة، الوزير المغربي للشؤون الخارجية والتعاون قال إن ادعاءات جبهة البوليساريو والجزائر، باعترافٍ مغربي بالجمهورية الصحراوية «ليست إلا محاولة لإخفاء الفشل الذي منيا به» بالنصر الذي حققه المغرب بالعودة للاتحاد الافريقي والترحيب الواسع الذي لقيه.
وقال بوريطة إن اعتبار انضمام المغرب إلى الاتحاد الافريقي اعتراف بـ”الدولة الصحراوية”، ينطوي على «منطق هش» و”انتهازية خرقاء” وإن «هذه الحجة لا تجد لها أي معنى في القانون الدولي وممارسات الدول».
المسؤول المغربي يرى أن «الاعتراف فعل أحادي وتقديري، تقوم الدولة من خلاله بالاعتراف بدولةٍ أو وضعيةٍ صراحة أو ضمنيا، وهو عمل سيادي وحر للدولة، ويرتبط بشكل حصري بإرادتها ومصالحها»، والأمثلة الواردة بمنظمة الأمم المتحدة، التي تتكون من 193 عضوا، كثيرة حيث أن 85 دولة لا تعترف بكوسوفو كدولة، في حين أن 108 دول تعترف بها بشكل واضح، كما أن 159 دولة عضوا بالأمم المتحدة لا تعترف بـ” الجمهورية العربية الصحراوية”، وأن «الاعتراف ليس إجباريا ولا تلقائيا»، كما هو الحال بالنسبة لأعضاء منظمة الأمم المتحدة؛ بحيث أن أغلب الدول العربية لا تعترف بإسرائيل بالرغم من أنها عضو في المنظمة، والاعتراف «شكل لفعل رسمي وواضح، كإعلان رسمي أو مذكرة شفوية أو إقامة علاقات دبلوماسية أو اتصالات رسمية».
وأضاف بوريطة، «لا يمكن أن يكون الاعتراف دون عِلم الدولة، وبصرف النظر عن إرادتها، بمعنى أن الدولة تعترف بما لا تريد الاعتراف فيه»، و”الانضمام إلى منظمة دولية بحضور كيان لا تعترف به، لا يعني الاعتراف بهذا الكيان».
واستشهد الوزير المنتدب على هذه الحجة بأن الدول العربية الأعضاء في الأمم المتحدة لا تعترف بإسرائيل، عدا مصر والأردن وموريتانيا، كما أن إيران بالرغم من عضويتها في المنظمة لا تعترف بإسرائيل.
وذكّر بوريطة أن هناك 34 دولة من أعضاء الاتحاد الأفريقي؛ أي حوالي الثلثين، ترفض الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، ومنها 17 دولة لم تعترف بها على الإطلاق»، مشيرا إلى أن «عضوية هذا الكيان في الاتحاد لم تغير شيئا».
الخطوة المغربية المقبلة
وتتحدث الأوساط المغربية أن الخطوة القادمة للدبلوماسية المغربية في الاتحاد هو طرد الجمهورية الصحراوية أو تعليق عضويتها، من خلال تعديلات على الميثاق الاساسي للاتحاد الذي لا يتضمن نصا حول الطرد أو تعليق العضوية إلا في حالة انقلاب عسكري على الديمقراطية.
البوليساريو تتحدث عن انتصار
في المقابل, فإن زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي قلل من شأن ما أحرزته المغرب قائلا إن عودة المغرب إلى الاتحاد الافريقي بشكل رسمي، بعدما سبق له أن انسحب سنة 1984 من منظمة الوحدة الافريقية احتجاجا على ضم الجمهورية الصحراوية «اعتراف بالجمهورية» وتستدعي من الصحراويين أن يفتخروا بصمودهم واستماتتهم في الدفاع عن حقهم في الاستقلال والسيادة واستمرار مقاومتهم، «التي شكلت العامل والسبب الرئيسي وراء اعتراف المغرب بحقيقة الجمهورية الصحراوية».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات