«إهدار جديد لحق المتهمين المصريين في نقض الأحكام الصادرة بحقهم» وبقرار حكومي..
هذا ما لجأت إليه مرة أخرى سلطة الانقلاب العسكري في مصر بإقرار محاكم أمن الدولة, طوارئ, للعمل في مصر، وهي المحاكم التي برزت إبان نظام المخلوع حسني مبارك، ولا يجوز الطعن على أحكامها.
«الفشل في السيطرة على محكمة النقض (التي يحق لها إلغاء الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى) هو سبب عودة عمل هذه المحاكم من جديد»، هكذا فسر المحامي أحمد حلمي، القرار.
قرار وزاري
البداية.. كانت مساء الأحد الماضي وفي ذروة متابعة المصريين مبارارة المنتخب المصري في كرة القدم المؤهلة للمونديال، أصدر رئيس الوزراء شريف إسماعيل قرارا بإحالة القضايا الجديدة في بعض الجرائم المنصوص عليها في القوانين المختلفة إلى «محاكم أمن الدولة طوارئ»، وذلك طوال فترة تطبيق حالة الطوارئ المعلنة في مصر منذ 10 أبريل الماضي, والتي تم تجديدها مؤخرا.
وحدد القرار مجموعة كبيرة من الجرائم التي ستحال إلى محاكم أمن الدولة؛ على رأسها: الجرائم المنصوص عليها في قانون التظاهر، وقانون التجمهر، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون تجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت (الإضراب)، وقانون الأسلحة والذخائر، وقانون حرية العبادة.
وكذلك الجرائم المتعلقة بالإرهاب والمساس بأمن الدولة والترويع والبلطجة وتعطيل وسائل المواصلات والمنصوص عليها في قانون العقوبات، وكذلك جرائم التموين ومخالفة التسعير الجبري.
وتتشكل محاكم أمن الدولة طوارئ من دوائر خاصة في المحاكم الابتدائية (الجزئية) ومحاكم الاستئناف (العليا) للفصل في الجرائم المترتبة على مخالفة الأوامر العسكرية الخاصة بحظر التجول وأي جرائم أخرى في القانون العام يحيلها لها رئيس الجمهورية أو من يفوضه، كما أن الرئيس (أو من يفوضه) هو من يعين أعضاء محاكم أمن الدولة بعد أخذ رأي وزير العدل.
وتبقى هذه المحاكم مختصة بنظر تلك الجرائم حتى إذا انتهت حالة الطوارئ، ويختص رئيس الجمهورية بالتصديق على الأحكام الصادرة منها أو تخفيفها أو إلغائها، ولا يجوز الطعن عليها بأي صورة؛ وهو ما يعني حرمان المعتقلين من حقهم في الاستئناف على الأحكام.
ويطبق قرار رئيس الوزراء بأثر رجعي، ويسري على كافة المتهمين الذين وجهت لهم تهم تظاهر أو تجمهر أو تعطيل المواصلات أو إرهاب منذ 10 أبريل الماضي، وقت إعلان حالة الطوارئ؛ لأنه بموجب القرار يكون على النيابة العامة أن تحيل كافة القضايا الموجودة بحوزتها بسبب مخالفة القوانين العشرة التي تضمنها القرار إلى محكمة أمن الدولة طوارئ.
محاكمات غير عادلة
العودة لمحاكم أمن الدولة العليا طوارئ خطوة استنكرها مدير المنظمة السويسرية لحقوق الإنسان، الناشط المصري «علاء عبدالمنصف»، وقال إن «إحالة الدعاوى الجديدة في قضايا التظاهر والتجمهر والإرهاب والإضراب إلى محاكم أمن الدولة طوارئ؛ يعني مزيدا من التوسع في الانتهاكات، ومزيدا من المحاكمات غير العادلة»، حسب موقع «عربي 21».
وحول أسباب إقدام النظام على هذا القرار، أوضح «عبدالمنصف»، أن «النظام يبحث دائما عن سرعة تنفيذ جرائمه؛ فعندما وجد القضاء الطبيعي لا يؤدي الغرض كما يريد، لجأ إلى تشكيل دوائر الإرهاب، فلم تفلح بأحكامها المهترئة، فلجأ إلى الإحالة للمحاكم العسكرية، فزاد الاعتراض عليها، فذهب لاختراعه الجديد محاكم أمن الدولة طوارىْ».
أيضا، رفض عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، حافظ أبو سعدة، القرار، وتساءل مستنكرا: «كيف نحاكم مجرد متظاهرين أمام قضاء أمن الدولة طوارئ، وما هي خطورتهم على الدولة حتى يحاكمون أمام قضاء استثنائي؟».
وقال أبو سعدة لموقع «رصد» إن هذا القانون يضر بسمعة مصر الدولية في ملف حقوق الإنسان، كما أن المحاكم الاستثنائية تضر بالاستثمار.
فشل في السيطرة
المحامي أحمد حلمي، قال إن قرار الحكومة بعودة هذه المحاكم، جاء بعد فشلها في السيطرة على محكمة النقض، التي جاءت معظم أحكامها لتلغي الأحكام الصادرة من دوائر الإرهاب.
ولفت في تدوينة له على «فيسبوك»، إلى أن دوائر الإرهاب ستنعقد بصفتها محاكم أمن دولة.
وأضاف: «سيترتب على ذلك كارثة؛ لأن خطتنا الأساسية منذ 4 سنين هي الاعتماد على النقض في إلغاء الأحكام الصادرة عن دوائر الإرهاب، وهو ما يعني أن هذه المحاكم إذا أصدرت حكما بالإعدام، فإنه سيكون وجوبيا دون نقض أو استئناف».
ودعا حلمي إلى الطعن على القرار الصادر بعودة هذه المحاكم، بل ومقاطعتها وعدم الحضور أمامها، سواء للمحامين أو المتهمين.
إهدار حقوق
من جانبه، اعتبر المحامي فيصل السيد، عودة محاكم أمن الدولة طوارئ بأنه «مؤشر خطير حول حقوق الإنسان الطبيعية»، حسب «عربي 21».
ووصف «السيد»، القرار بأنه «تدخل سافر في أعمال السلطة القضائية، فضلا عن الإخلال بالضمانات التي يكفلها القانون في حق التقاضي على أكثر من درجة والمنصوص عليها دستوريا؛ وفضلا عن ذلك خلط السياسي بالقضائي».
وأرجع سبب صدور القرار، إلى الأحكام التي يتم نقضها من محكمة النقض.
مخالفة الدستور
فيما قال المحامي عادل معوض إنه من الطبيعي حال الرغبة في عودة محاكم أمن الدولة من جديد أن يتقدم مجلس النواب (البرلمان) بمشروع قانون.
وتابع «معوض» لصحيفة «التحرير» بأنه لا يجوز إهدار هذا الحق بقرار من رئيس مجلس الوزراء، لما فيه من اعتداء صارخ على الدستور.
واتفق معه، المحامي إيهاب علوان، حين قال إن قرار رئيس الوزراء يتناقض مع مواد الدستور نفسه، التي حددت وكفلت حقوق التقاضي وحق الطعن على الأحكام.
وقال بأنه سيدفع بعدم دستورية هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري.
أما الناشط الحقوقي جمال عيد، فقال إن إلغاء قانون أمن الدولة طوارئ كان أحد مكتسبات ثورة 25 يناير2011، وعودتنا له أمر طبيعي حاليا، بعد أن فقدنا كل مكتسبات الثورة.
وطالب عيد بإنهاء حالة الطوارئ بغير رجعة، ورفع يد السلطة عن القضاء، وضمان محاكمة المتهمين أمام قاضيهم الطبيعي، والتوقف عن التحايل على أحكام الدستور ومبادئه، حسب موقع «رصد».
إنهاء الطوارئ
من جانبها، استنكرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، استدعاء هذه المحاكم في هذا التوقيت.
وطالبت المنظمة الحقوقية، الحكومة بإنهاء حالة الطوارئ، وقالت إنه في ضوء القرارين، اللذين أصدرهما عبدالفتاح السيسي، في 10 أبريل و10 يوليو 2017 بإعلان حالة الطوارئ، ومدها في كل أنحاء البلاد، تنتهي مدة الستة أشهر، التي حددها الدستور كحد أقصى لفرض حالة الطوارئ، مساء الثلاثاء، الموافق 10 أكتوبر الجاري».
وكان مجلس النواب (برلمان التحية العسكرية)، قد وافق في 10 أبريل الماضي، على سريان حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، رداً على هجومين استهدفا آنذاك كنيستين في مدينتي طنطا والإسكندرية.
وقالت الحكومة وقتها في البرلمان إنها تريد مواجهة الإرهاب عبر فرض حالة الطوارئ، ثم قررت، في 10 يوليو الماضي، مدّ هذه الحالة لمدة 3 أشهر أخرى.
وأبدت منظمات حقوقية تخوفها من تعرض حقوق الإنسان لانتهاكات تطبيق حالة الطوارئ، بينما تقول الحكومة إنه إجراء مؤقت يهدف إلى إضفاء فعالية على جهود مكافحة الإرهاب.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات