“فرين بوليسي”: رغم بغض الغرب لأردوغان عليه مصالحته من أجل هزيمة بوتين

نشر موقع مجلة “فورين بوليسي” مقالا للباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا، ماكسمليان هيس، قال فيه إن أردوغان هو شخصية غير مستساغة، إلا أن الغرب لديه تاريخ مثير للجدل في بناء تحالفات مصلحة مع الديكتاتوريين والرجال الأقوياء حول العالم، فهم شخصيات بغيضة لكنهم شركاء ضروريون لمواجهة التهديدات للنظام الدولي، حسب قوله.

وعادة ما ينظر إلى هذه التحالفات من الناحية الأخلاقية، نظرة شك وتتعرض للشجب، إلا أن موقفا كهذا يعبر عن السياسة الواقعية وتوازن القوى بامتياز. فقد ساعدت العالم على الوحدة ضد أدولف هتلر والغرب لكي ينتصر في الحرب الباردة. وعلى رأس قائمة الشركاء الذين يكرههم الغرب والذين يحتاج الغرب لعلاقات معهم هو الرئيس رجب طيب أردوغان.

وعدد الكاتب الأسباب التي تجعل رئيس تركيا غير مرغوب فيه من الغرب مثل تقويضه الديمقراطية التركية وتفكيكه سنوات من اللبرلة واستخدامه الهجرة كسلاح وترويعه الأقلية الكردية في الداخل وفي الجارة سوريا ومساعدته إيران على خرق العقوبات وفي الفترة الأخيرة، قام بعرقلة طلب العضوية لحلف الناتو والذي تقدمت به كل من فنلندا والسويد، وقائمة كهذه تعني أن الغرب بحاجة إلى سنوات طويلة لكي يثق به مرة أخرى.

لكن الحقيقة هي أن الغرب بحاجة إلى أردوغان أكثر من أي وقت مضى. فالحرب الشرسة التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا أظهرت أهمية تركيا الجيواستراتيجية.

وظهرت أنقرة كمزود مهم للطائرات بدون طيار إلى كييف، ولم تبد لحسن الحظ نية لوقف الشحنات هذه.

ويقول الكاتب إن فرص النصر الأوكراني ستزداد بشكل كبير لو توسعت شحنات الدعم العسكري التركي.

وتسيطر تركيا على منافذ البحر الاسود التي أغلقتها في نهاية فبراير. وفي نفس الوقت، أظهرت أنقرة استعدادا للتعاون مع موسكو بشأن أوكرانيا حيث يرى أردوغان فرصة هناك. وناقش وزير الخارجية التركي مولود

تشاوش أوغلو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف خططا لتأمين خط نقل للحبوب الأوكرانية وذلك في 8 يونيو مقابل تنزيلات بنسبة 25% على مشتريات تركيا من الحبوب.

 ويقول الكاتب إنه بدون التعاون مع أنقرة، فأي محاولة غربية لكسر الحصار الروسي على الموانئ الأوكرانية ميتة في مهدها. ويحتاج الغرب تركيا لأن تكون إلى جانبه في الحرب الاقتصادية ضد روسيا، فمن خلال الدعم التركي يمكن الحد من تدفق البضائع الداخلة والخارجة عبر البحر الأسود والتي فرضت عليها عقوبات.

ومساعدة تركيا حيوية في قطع المهارب الحيوية للمال الروسي والفاسدين.  وأصبحت تركيا وجهة مهمة للمال الروسي ويخوت الأوليغارش الهاربة من العقوبات وتلعب دورا مهما بدعم اقتصاد فلاديمير بوتين.

وتعتبر تركيا واحدة من الدول المهمة التي تقبل المدفوعات الروسية، مما يخفف من صدمة العقوبات المصرفية الغربية. وفي حالة إقناع تركيا الانضمام إلى نظام العقوبات فإن هذا سيغلق ثغرة في نظام العقوبات.

والأهم في كل هذا هو أن تركيا ستكون لاعبا مهما في إعادة تشكيل خطوط الطاقة إلى أوروبا وليس لأنها تسيطر على عدد من منافذ الطاقة وعبر الأنابيب الحيوية فالمفتاح لاستراتيجية ممر غاز جنوب أوروبا هو الغاز القادم من أذربيجان عبر خطوط عابر الأناضول وعابر الادرياتيك، والتي افتتحت عام 2018 و2020 على التوالي وتغذي محطات الغاز في البلقان وإيطاليا.

ويعمل أردوغان وبنشاط على تطوير مصادر الغاز الطبيعي التركي، وباحتمال ربطها بحقول الغاز القبرصية والإسرائيلية في البحر، لكن هذه الجهود تواجه عقبات من خلال الخلافات اليونانية- التركية حول قبرص والمياه المحيطة بها.

ويعتقد الكاتب أن إحياء شراكة أوروبية- تركية ربما كانت الطريق الوحيد للاستفادة من مصادر الطاقة في شرق المتوسط. وشراكة كهذه قد تدفع أردوغان للتحرك في علاقاته مع روسيا، حيث كانت افتتاح خط “تيرك ستريم” عام 2020 تعبيرا عن ذروة العلاقات التركية- الروسية.

وأخيرا يمكن أن يؤدي اصطفاف أردوغان مع الغرب إلى منح الأخير نفوذا جيواستراتيجيا على الكرملين. بالإضافة إلى هذا تعتبر تركيا لاعبا مهما في ثلاثة صراعات تشترك فيها روسيا: سوريا وليبيا والخلاف بين أرمينيا وأذربيجان بشأن منطقة ناغورو كارباخ. وتحول أردوغان من سياسة الإهمال لهذه النزاعات إلى التدخل النشط، من أجل تقوية موقع تركيا الإقليمي وكلاعب مستقل عن الغرب.

وفي حالة تم تجديد الشراكة مع أردوغان، فإنها ستضيف نقاط ضغط على الجهود للتشديد على تأثير موسكو العالمي.

ومن أجل فهم تحول أردوغان عن الغرب وإقامة علاقات قريبة مع موسكو، علينا البحث عن أسبابه قبل عكس الوضع. ويدفع الغرب اليوم ثمن عدم الاستماع لمظاهر قلقه، وبدأ التحول في 2011، عندما اجتاح الربيع العربي شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وكان أردوغان متحمسا له لأنه قدم فرصة لوصول أنظمة إسلامية مثله في دول المنطقة.

 

وشعر بالخيانة عندما فشل باراك أوباما بالوفاء بتعهده الذي وضعه أو الخط الأحمر بشأن استخدام الرئيس السوري الأسلحة الكيماوية، وتخليه عن الرئيس المصري محمد مرسي، عضو جماعة الإخوان الذي دعمه أردوغان علنا وأطاح به الجيش المصري.

وقال محمد كوشاك، الخبير في الشؤون الدولية بأنقرة “تعلمت تركيا الدرس الصعب وهو أن الولايات المتحدة غير مستعدة للاستثمار بالمنطقة”، وبنفس السياق قالت إليزابيت أونينا، طالبة الدكتوراة بجامعة أمستردام: “لم يتم التعامل مع مظاهر القلق الأمني كموضوع له علاقة في أجندة الناتو”. لكن ما دفع أردوغان للتحول عن الغرب هو شعور بالخيانة عام 2016 حيث تعرض لمحاولة إنقلابية فاشلة اتهم الولايات المتحدة علنا بإثارتها. وشعر أيضا بأن حلفاء الناتو قد تخلو عنه. وذلك عندما سحبت الولايات المتحدة أنظمة باتريوت من تركيا ولم يرد الناتو بعدما أسقطت تركيا طائرة روسية دخلت المجال الجوي التركي، في أول مواجهة بين قوة روسية أو سوفييتية مع الناتو منذ 60 عاما.

 ومنذ ذلك الوقت شعر أردوغان أن

موسكو تقدم له طريقا أفضل لتحسين وضعه الإقليمي والمحلي. وشمل التعاون التركي- الروسي منذ ذلك الوقت على أنبوب الغاز “تيرك ستريم” وخطط لبناء مفاعل نووي في تركيا بكلفة 20 مليار دولار وإعلان تركيا عام 2017 عن خطط لشراء نظام الصواريخ أس- 400.

ورغم مواجهة تركيا وروسيا في بعض الأحيان ودعمتا الأطراف المتحاربة في سوريا وليبيا إلا أن العلاقة اتسمت بالدفء. كل هذا يعطي الغرب نفوذا استراتيجيا محتملا لو قام بإعادة تكييف وضع أردوغان.

لكن ما هي الجزرة التي يجب على الغرب تقديمها لأردوغان مقابل التخلي عن موسكو؟

ربما كانت الأزمة الاقتصادية التركية فرصة، فقد وصل التضخم السنوي إلى 75% في مايو والاحتياطي من العملة الصعبة انخفض وخسرت الليرة نسبة 30% من قيمتها أمام الدولار بعد عام من انخفاضها بنسبة 40% وزادت احتمالات تأخر تركيا عن دفع ديونها.

أما المستثمرون الأجانب فقد فروا من السوق. وفي محاولة منه للحصول على رأس مال أجنبي، قام أردوغان بترتيب علاقاتها مع منافسيه في السعودية والإمارات. ومن الأفضل أن يقدم الغرب شريان حياة إلى أردوغان بدلا من فتح المجال لموسكو القيام بهذا.

وعلى سبيل المثال، يجب على الاحتياطي الفدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي التفكير بمنح أردوغان خط مقايضة عملة، كوسيلة استقرار استخدمت منذ عقود. وبمجرد حصول أنقرة على الدولار واليورو فإنها ستخفف من التحديات الاقتصادية المتزايدة وتفتح المجال أمام مزيد من الشراكة.

 ويعرف أردوغان أنه يملك اليد العليا ومن المحتمل التقدم بمزيد من المطالب. واستخدم نفوذه في ملف عضوية السويد وفنلندا بالناتو، حيث ربطه بإطلاق يده ضد الأكراد.

شاهد أيضاً

“الحركة المدنية” بمصر تتجه للتفكك بسبب خلافات متراكمة

 بعد ما يقرب من 10 سنوات على إعلان تأسيسها، باتت الحركة المدنية الديمقراطية، التي ضمت …