عادل أبو هاشم يكتب : في ذكرى “العصف المأكول” .. غـزة والمارد الفلسطـيني

على خريطة الوطن المستباحة لكل غازٍ منذ ما ينوف على ألف عام، يبدو الدم الفلسطيني اليوم وكأنه فدية الذبح في وليمة الإستباحة والغزو المعاصرين.

وأكثر من أي عربي آخر على الخريطة الممزقة، يبدو الفلسطيني كأنما الأقرب والأسهل منالا للرمي والقتل والتشريد!

فعلى مدى قرن من الزمان نزف الفلسطينيون من الدماء ما لم ينزفه شعب من الشعوب.

وخلال هذه الرحلة الطويلة بين الفلسطيني والدم، ورغم شلال الدماء الذي سال على أرض فلسطين الذي اختلط بترابها لينبت شقائق النعمان المتمثلة في شهدائنا البررة، فإن عدونا الأزلي والأبدي لا زال مصرا على إبادة كل ما هو فلسطيني في ظل صمت عربي أين منه صمت القبور!

وأمام عالمٍ منافق لا يحترم إلا القوي وإن كان مجرمًا وقاتلا.

 ولا يعترف بالأخلاق والحقوق.

يقف مع الجلاد ضد الضحية ليشارك في ذبحها.

غير أن ذلك كله لم يستطع أن يطفئ شعلة النضال الفلسطيني المستمرة ضياءً منذ ما يقارب القرن حتى اليوم.

ولم يستطع أن يمنع أطفال الحجارة من إلقاء الحجارة الفلسطينية المقدسة، وتجميع الزجاجات الفارغة وملئها بالكيروسين، وإلقائها على جنود العدو ومستوطنيه.

ولم يستطيع أن يمنع النساء الفلسطينيات من إطلاق زغاريد الفرح كلما سقط لهن من أبنائهن شهيد.

ولم يستطيع أن يمنع مؤذناً ينادي الله أكبر .. الله أكبر .. حي على الجهاد.

ولم يستطيع هذا العدو أن ينجو من لعنة الدماء التي يسفكها, وسيكتشف وهو يتمادى في سفك الدماء، أنه كالقط الأجرب الذي يلحس مبرد الحديد، وأنه يغرق في دمائه.

إن لكل شعب من الشعوب رموزه الوطنية ممن صنعوا أو ساهموا بصنع تراثه الحضاري والثقافي والوطني، ويحفل التاريخ بأسماء بارزة عديدة على مر العصور – تختزنها ذاكرتنا- ساهمت في صناعة أوطانها.

وفي حالة الشعب الفلسطيني؛ لم يعد الفرد يمثل أسطورة، أو نموذجًا متفردًا بالرغم من حالات البطولة الفردية المذهلة التي برزت عبر ملحمة الجهاد والنضال الفلسطينية المتواصلة منذ أكثر من قرن من الزمان، فالفرد هنا أصبح نموذجًا لظاهرة عامة، نموذج متوحد في ذاته مع مجموع السكان في مواجهة الغاصب، والتحدي الحضاري والثقافي والنضالي الفلسطيني أصبح النقيض للمشروع الإسرائيلي الصهيوني بمجموعه، فالبطل في مواجهة عصابة القتلة، والشعب الفلسطيني هنا هو البطل الجماعي.

لا نسوق هذا الحديث من موقع العصبية الشوفينية، بل من واقع المعاناة اليومية بكل جزئياتها للإنسان الفلسطيني أينما وجد؛ في المنافي والشتات، أو على امتداد مساحة الوطن أو ما تبقى منه.

فالجسد الفلسطيني الطاهر يلقي بظلاله الآن على كامل مساحة الوطن العربي، بل على مساحة الكرة الأرضية كلها، وشلال الدم الفلسطيني لا يزال يتدفق على تراب الوطن لينبت شقائق النعمان الفلسطينية.

وفي مسيرة الجهاد والنضال الفلسطيني تبقى”غـزة” خالدة حتى الأبد، وصور المقاومة الرائعة تتكرر فيها لتشكل المجرى الطبيعي للحياة اليومية المرة, حيث العذابات القاسية، والرغبة في تحدي الواقع مهما صعب.

عامان مرا على العدوان الصهيوني على قطاع غزة ( 8 يوليو 2014) خاض فيه العدو المباريات الدموية والعمليات العدوانية الضارية ضد أطفالٍ ونساء وشيوخ ومساجد ومستشفيات القطاع بجدارة وامتياز لتحقيق حالتي الرعب والاحباط في الوطن العربي.

وها هي غـزة بعد عامين على ملحمة ” العصف المأكول” تكتب بصمودها الأسطوري صفحات مشرقة للمقاومة والجهاد بدماء أبنائها ودموع نسائها وحجارة مساجدها ومدارسها ومستشفياتها.

 غـزة؛ الملحمة الفلسطينية النادرة في عصرٍ لم يعد يعرف الملاحم، فلا يوجد شبر من أرض غـزة الحبيبة إلا روي بدماء أهله، ولا يوجد إنسان أو شجرة أو حجر فيها إلا وجرب فيه العدو الصهيوني كل ترسانته العسكرية.

 ولأن غـزة في حياتنا الفلسطينية هي الرمز الأكثر بروزًا للروح الفلسطينية، ومعقل الوطنية الفلسطينية التي لم تشوه رغم تكالب آلاف العوامل القاسية عليها، لذا كانت غـزة  دائمًا الهدف للمعتدي العربي تارة، والعدو الصهيوني تارة أخرى.

فقد تحملت غـزة, طوال سنوات الثورة والنضال, العبء الأساسي في صمود وديمومة الكفاح المسلح:

فيها شرارة الثورة .. ومنها زادها البشري.

لها الغارات والمجازر .. ومنها الشهداء واليتامى والأرامل والثكالى.

بدم أبنائها كتبت شهادة فلسطين من جديد.

وبصور شهدائها أعطت للنضال الفلسطيني الزخم الثوري المتواصل.

لقد كانت غـزة ولا تزال مغلقة وعصية أمام الأعداء، فلم يجد العدو وسيلة سوى مدافع الدبابات، ومحاولة إغتيالها بصواريخ الطائرات والبوارج البحرية وأطنان المتفجرات والجرافات، ناهيك عن تنظيم أبشع المجازر في تاريخ البشرية بحق أبنائها. 

لقد كانت غـزة على الدوام قادرة على النهوض من تحت الأنقاض، محتفظة بروحها الفلسطينية الخالصة، ومجسدة ولائها الوطني بكل عمق ورسوخ، فكان من البديهي أن تقف  كل مدن وقرى ومخيمات غـزة – التي شكلت على الدوام مدارس قتالية ـ  في وجه الغزاة عربًا كانوا أم صهاينة.

لقد تجاوزت غـزة مساحتها الجغرافية المحدودة، وحصارها الصهيوني والعربي المحكم لتجسد على أرض الواقع الحقيقة الفلسطينية بأن غـزة البطلة لا تسقط، بل تقف على الدوام في وجه الأعداء الذين استباحوا دماء الأطفال والنساء والشيوخ.

فقد قاتلت غـزة حتى الاستشهاد، وسطرت ملحمة تاريخية بمقاومة مجاهديها لآلة الحرب الصهيونية على مدار أكثر من خمسين يوماً.

ورفض مقاتلوها الأبطال أن يتراجعوا قيد أنملة أمام آلة الدمار والحرب الصهيونية.

لم تسقط غزة.. بل سقطت أوراق التوت مرة أخرى، وتعرت الأجساد، وانكشفت الأقنعة عن الوجوه التي تدعي الحرص والغيرة على القضية الفلسطينية.

 لقد كشفت غـزة بصمودها كل المتخاذلين والخونة، وعورات النظم العربية الرسمية، وأسقطت عنهم كل أوراق التوت التي كانت تغطي سوءاتهم طوال العقود الماضية.

غـزة اليوم محطة مضيئة من محطات النضال الفلسطيني، وليست أخيرة كما لم تكن في يوم ما الأولى.

لقد جسدت غـزة المجاهدة  فكرة الثورة، وفكرة الصمود في الزمن الصعب، وكشفت دماء الشهداء الزكية التي كست أرضها الخيط الأبيض من الأسود لكل الذين روجوا لسلام الذئب والحمل.

وستكون غـزة الصامدة شاهدًا – على مر التاريخ – على عظمة الفلسطينيين وقدرتهم في مواجهة كل معتدٍ أثيم، وشاهدة على أن المارد الفلسطيني أقوى من الدمار والفناء.

 وستبقى غـزة رمزًا للشرف والبطولة العربية..

 

يا هذا الشعب الأصلب

يا هذا الرقم الأصعب

أنت تقاتل .. أنت إذن فلسطيني

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …