المتابع للإعلام الأمريكي، المكتوب خصوصا، ولإصارات مراكز الدراسات الأمريكية الفاعلة، يلحظ أنه منذ أكثر من شهر، يكاد لا يمر يوم إلا وهناك مقال أو ندوة أو دراسة بعنوان ومضمون موجهين سياسيا في اتجاه ثلاثي الأضلاع: قطر، وعلاقة مفترضة تربطها بحركة الإخوان المسلمين، وتصويرها كداعم للإرهاب. اللافت في هذه المنتجات أن خيطا واحدا يربط فيما بينها، وأن شخصيات عربية وأجنبية تدير ماكينتها، وأنها تنتمي في النهاية إلى مصدرين اثنين:
المصدر الأول: «اللوبي الإماراتي» السياسي الإعلامي الفاعل في العاصمة الأمريكية، والذي يقوم بتمويل دراسات ومقالات ووثائقيات تلفزيونية وورش عمل تتخذ من «الفكر» عنوانا عريضا لها، لكنها في نهاية المطاف حملات سياسية في خدمة الترويج لسياسات خارجية تتبناها دول، كالإمارات ومصر والسعودية أحيانا، أو موضوعة بهدف مهاجمة سياسات تعتمدها دول كقطر وتركيا غالبا، واختيار توقيت سياسي غالبا ما يكون مدروسا، مثلما حصل أخيرا في حملة شيطنة قطر، منذ تحديد موعد لأولى زيارات الرئيس الأمريكي ترامب إلى الخارج، واختياره السعودية منطلقا لها.
المصدر الثاني: اللوبي الإسرائيلي الذي ربما يكون الأقوى في الإعلام ودوائر صنع القرار الأمريكي ومراكز الدراسات التي تجاهر بدعمها لإسرائيل وسياساتها.
وغالبا ما يظهر لقاء مصلحة بين اللوبيين في عدد من المواضيع، في ما يتعلق بمهاجمة قطر، ذلك أن عداء أبوظبي – القاهرة الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» مثلا، يزيد عن عدائهما لإسرائيل.
من هنا وحسب “العربي الجديد”، يظهر في أحيان كثيرة وجود اهتمام استثنائي من وسائل إعلام محسوبة على أبوظبي مثل قناة «الغد» (المحسوبة على القيادي الأمني المطرود من حركة فتح، محمد دحلان)، بأحداث وفعاليات فكرية وإعلامية وسياسية تنظمها شخصيات ومؤسسات مؤيدة لإسرائيل.
آخر تجليات هذه الظاهرة، بدت في مؤتمر «منظمة جينزا» الأمريكية المتخصصة بالأمن القومي الأمريكي، عقد في إحدى قاعات الكونجرس الأمريكي في واشنطن مطلع مايو الجاري، واستضاف عددا من السياسيين الأمريكيين المعروفين بتأييدهم لـ«إسرائيل» وبتحريضهم ضد قطر، أبرزهم المبعوث الأمريكي الأسبق إلى الشرق الأوسط، دينيس روس.
وقد تصدرت المؤتمر المذكور عناوين تحتل اليوم صدارة المواقف المتداولة حاليا في العواصم المصرية والإماراتية والسعودية ضد قطر، من نوع هل ينبغي إغلاق قاعدة العديد الأمريكية في قطر؟، وتمويل قطر لمنظمات إسلامية متطرفة ودعمها بالسلاح والمال.
والمقصود بالجماعات هذه بتعريفات روس، حركة حماس و«الإخوان المسلمين»، ويضيف إليها المؤتمر، جبهة النصرة وليبيا و«داعش»، بحسب تعبير عضو الكونجرس؛ براد شيرمان.
كل ذلك مع إضافة المتحدثين في المؤتمر كليشيهات تستخدم اليوم في كل تعليق ومقال وتقرير في إطار الحملة الحالية ضد الدوحة، من نوع أن استمرار دعم قطر للإخوان المسلمين خطير على مستقبل المنطقة العربية.
14 مليون دولار سنويا
هذا النمط من عمل لوبي أبوظبي في الولايات المتحدة ليس جديدا بالنسبة لمن يعرفون أن دولة الإمارات هي أكثر دولة شرق أوسطية تنفق أموالا على العلاقات العامة ولوبيات الضغط في واشنطن.
ويضطلع السفير الإماراتي في واشنطن؛ يوسف العتيبة، بدور مركزي في إدارة لوبي أبوظبي ونسج العلاقات مع صناع القرار في البيت الأبيض والكونجرس.
وتظهر إحصائية تعود لعام 2016 أن الإمارات تدفع من خلال سفارتها في واشنطن نحو 14 مليون دولار سنويا لشركات علاقات عامة ومنظمات ضغط وشخصيات سياسية، وتأتي المغرب في المرتبة الثانية، بميزانية سنوية للوبي المغربي نحو 4 ملايين دولار، وتليهما السعودية وقطر.
13 مقالا في 5 أسابيع
ومنذ الإعلان عن موعد زيارة ترامب للرياض، ارتفعت وتيرة النشر في الإعلام الأمريكي ضد قطر، ليصل عدد المواد الصحفية المكتوبة التي تندرج في خانة «شيطنة قطر» إلى 13 مقال رأي خلال 5 أسابيع، بحسب أرقام أدلى بها وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، يوم الخميس الماضي في سياق تعليقه على الحملة ضد بلده التي انطلقت بزخم غير مسبوق وبأدوات جديدة تمثلت باختراق موقع «وكالة الأنباء القطرية» (قنا)، ليل الثلاثاء الأربعاء، واختراع خطاب غير موجود لأمير قطر؛ تميم بن حمد آل ثاني، يكون منطلقا لشن حرب إعلامية وسياسية ضد الدوحة أملا في أن تحقق هذه الحملة أهدافها، وأن تغير الدوحة من سياساتها الخارجية التي تصر على أن تبقى مستقلة عن محاور المنطقة.
أبرز الصحف ومراكز الأبحاث
احتلت مجلة «فورين بوليسي» وصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكيتان، صدارة وسائل الإعلام المفضلة بالنسبة للرأس المدبر للحملة الإعلامية ضد قطر, أما في مراكز الدراسات، أو مراكز التفكير «ثينك تانكس»، فقد قدمت أبوظبي ملايين الدولارات سنويا تبرعات لمنظمات ضغط ومراكز أبحاث وسياسات, وتتداول في واشنطن أسماء بعض هذه المراكز، منها مركز التقدم الأمريكيCENTER OF AMERICAN PROGRESS، مؤسسة اسبن ASPEN INSTITUTE، ومعهد شرق غرب THE EASTWEST INSTITUTE ومركز الدراسات الدولية والاستراتيجية CENTER FOR STRATEGIC AND INTERNATIONAL STUDIES، ومركز الشرق الأوسط MIDDLE EAST INSTITUTE
وتطمح أبوظبي في إقناع الأمريكيين بالتخلي عن قاعدة العديد في قطر، ونقلها إلى القواعد الأمريكية في الإمارات، وبرز دور السفير العتيبة، وهو ابن أول وزير نفط إماراتي، عندما عينه ولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد»، مستشارا للعلاقات الدولية وتحديدا للعلاقات مع الولايات المتحدة.
وكونه اليد اليمنى لمحمد بن زايد، فإن العتيبة كان مسؤولا عن الشؤون الدفاعية للإمارات، وخصوصا لجهة العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، الأمر الذي ساعده على بناء صداقات مع جنرالات الجيش الأمريكي .
قائد الحرب: الإماراتي «يوسف العتيبة»
وبعد تعيينه سفيرا في واشنطن عام 2008، نجح العتيبة خلال سنوات قليلة في نسج علاقات صداقة وطيدة مع تشكيلة من السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال ، ساعدته في ذلك إمي ليتل توماس، الموظفة السابقة في إدارة بوش الابن، التي عينت مسؤولة عن التشريفات في السفارة الإماراتية في واشنطن.
ولم يقتصر نشاط العتيبةعلى مكتبه في مقر السفارة، بل تحولت أجنحة فنادق «فور سيزنز» و«ريتز كارلتون» في واشنطن إلى قاعات اجتماع وموائد عمل تجمعه بأعضاء مجلس شيوخ ونواب ورجال أعمال وإعلام.
وينقل تقرير نشره موقع «هافنجتون بوست» عن مستشار سابق في البيت الأبيض، أن العتيبة يفهم كيف تعمل واشنطن، وكيف يعمل الكونجرس، ويقارن رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ريتشارد بور، بين العتيبة، وبين بندر بن سلطان، الذي تحول إلى لاعب سياسي مؤثر في واشنطن عندما كان سفيرا للسعودية في الولايات المتحدة.
ويشير تقرير «هافنجتون بوست» إلى كيفية تحول السفير الإماراتي إلى رمز للسخاء على السياسيين والإعلاميين في واشنطن من خلال تمويل تنظيم المؤتمرات والدعوات العامة والاجتماعات الخاصة على الموائد والسهرات.
ورغم العلاقات الوطيدة التي ربطت السفير الإماراتي مع الحملة الانتخابية للمرشحة الديمقراطية الرئاسية «هيلاري كلينتون»، إثر تقديم الإمارات أكثر 3 ملايين دولار لصندوق «مؤسسة كلينتون الخيرية»، فإن علاقات قوية ظلت تربطه بالإدارة الجديدة، وخصوصا مع جاريد كوشنر، صهر ترامب، وكبير مستشاريه، وكان العتيبة من أوائل الشخصيات العربية التي التقاها كوشنر في واشنطن في عهد الإدارة الجديدة.
وتشير بعض التقارير الصحفية إلى دور ما للعتيبة في قضية العلاقات بين حملة ترامب الانتخابية والمسؤولين الروس في إطار التحقيقات الخاصة بالعلاقات المشبوهة بين الطرفين، ويرجح أن يكون قد شارك في اجتماع سري عقد في نيويورك ضم إلى جانب كوشنر، ومسؤولين آخرين في فريق ترامب، كلا من السفير الروسي في الولايات المتحدة سيرجي كيسلاك وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، في إطار مسعى إماراتي لتأمين قناة سرية بين إدارة ترامب والحكومة الروسية.
ندوة فيرمونت
وفي إطار الحملة الإعلامية المنظمة لشيطنة قطر، نظمت مجموعات ضغط أمريكية قريبة من لوبي أبوظبي في الولايات المتحدة، قبل أيام مؤتمرا تحت عنوان «قطر والفروع الدولية للإخوان المسلمين»، أشرف على تنظيمه كليفورد ماي، الناشط الإعلامي الجمهوري القريب من مجموعة «المحافظين الجدد» التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وأدارت البيت الأبيض من خلال إدارة الرئيس بوش الابن، وأشرفت على التخطيط لحرب العراق عام 2003.
وخلال كلمة ألقاها في جلسة افتتاح المؤتمر في فندق فيرمونت، قال منظم المؤتمر إن جهات (لم يسمها) حاولت منع انعقاد المؤتمر، وإنه واجه صعوبات في إقناع مسؤولين كبار في إدارة الرئيس ترامب بالمشاركة فيه، فاقتصر الحضور على مسؤولين سابقين في إدارة «بوش»، منهم وزير الدفاع السابق «روبرت جيتس»، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الجمهوري إد رويس، والسفير الباكستاني السابق في واشنطن؛ حسين حقاني، علما أن دعوة لم توجه لأي طرف قطري للمشاركة في المؤتمر.
وفي الحوار الذي أدارته الإعلامية في قناة «فوكس نيوز»، جينا لي، حرص وزير الدفاع الأمريكي السابق على لفت نظر محاورته إلى أنه متقاعد منذ 6 سنوات وأنه لا يتسلم أي تقارير رسمية وأن معلوماته مقتصرة على ما تنشره وسائل الإعلام، ورغم انتقاداته لعلاقة قطر بحركة «حماس» على خلفية إعلان وثيقتها السياسية من الدوحة، إلا أنه حذر منظمي المؤتمر من التمادي في خطابهم المعادي لقطر التي تبقى في كل المقاييس «حليفا عسكريا قويا للولايات المتحدة» كونها تستضيف قاعدة العديد، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج والمنطقة، على حد تعبيره، ورأى أن مشاركة قطر في القمة الإسلامية الأمريكية في الرياض، وتوقيعها على اتفاقيات مكافحة الإرهاب التي تم إبرامها، هي «الطريق الصحيح لإزالة الشوائب من العلاقات الأمريكية القطرية».
كما أبدى جيتس حذرا مماثلا من دعوات منظمي المؤتمر ومن حماسة بعض المشاركين فيه لإدراج جماعة «الإخوان المسلمين» على لوائح الإرهاب، وقال إنه يفضل عدم التسرع في ذلك و”اقتصار الإدراج على أجنحة أو فروع للجماعة معروف قيامها بأنشطة إرهابية”!
بدوره، شدد عضو مجلس النواب إد رويس، على ضرورة التمييز بين ما سماها «أجنحة الإخوان المسلمين المتورطة بشكل مباشر بالإرهاب»؛ حركة «حماس» تحديدا، وبين أحزاب ومنظمات في دول إسلامية متأثرة بعقيدة «الإخوان المسلمين» وتشارك في السلطة السياسية في بلدانها عبر العملية الانتخابية”، مشيرا إلى أنه سيقترح خلال الأسبوع المقبل على الكونجرس فرض عقوبات جديدة على حكومات الدول التي تدعم «المنظمات الإرهابية وتقدم لها ملاذا آمنا».
وفي الأشهر القليلة الماضية، حركت بعض اللوبيات الناشطة في واشنطن، لصالح عدد من الحكومات العربية، وخصوصا لمصلحة أبوظبي والقاهرة، قضية إدراج جماعة «الإخوان المسلمين» على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية من خلال مشاريع قوانين يتم إعدادها للتصويت في مجلسي الشيوخ والنواب.
وتصاعدت تلك الحملة بعد دعوة ترامب لـعبدالفتاح السيسي لزيارة البيت الأبيض، ورأى البعض أنها مؤشر على أن قرارا وشيكا سيصدر بشأن «الإخوان المسلمين»، وقد ضاعفت ماكينة لوبي أبوظبي من نشاطها، من أجل تمتين العلاقات العسكرية والأمنية مع واشنطن، خصوصا بعد تسلم ترامب الإدارة الجديدة، وقد توجت تلك الجهود بزيارة «محمد بن زايد» للبيت الأبيض، وعقد صفقات سلاح جديدة والإعلان عن اتفاق عسكري استراتيجي جديد بينهما، ينظم الوجود العسكري الأمريكي في الإمارات في السنوات الـ15 المقبلة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات