ثانيًا: من الناحية القانونية:
الاعتقاد الدينىُّ من الحقوق اللصيقة بالشخصية التي لا يجوز النزول عنها أو المساس بها من قريبٍ أو من بعيدٍ، وقد تناولته المادة (92) من دستور النظام الحالي حيث جرى نصها على أنَّ : “الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأىِّ قانونٍ ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها” .
فإذا كان الاعتقاد الدينىُّ أحد أهم الحقوق اللصيقة بالشخصية، وكان هذا الحق في جوهره قائمًا على الإعلان لا الكتمان، فإن إجبار المواطنين على إخفاء حقيقته بإلزام كافة جهات الدولة بعدم إثبات الديانة في بطاقة تحقيق الشخصية وفى كافة الوثائق والمستندات الرسمية الأخرى يشكل انتقاصًا من هذا الحق وتعطيلًا له ويمثل قيدًا على ممارسته يمس جوهره وأصله، بما يخالف أحد أهم المبادئ الدستورية المعمول بها ويَصِمُ النص المقترح بعدم الدستورية.
ومن ناحيةٍ أخرى فقد نصت الفقرة الأولى من المادة (6) من دستور النظام الحالي على أنَّ : ” الجنسية حقٌ لمن يُولَد لأبٍ مصريٍّ أو لأمٍّ مصريةٍ، والاعتراف القانونيُّ به ومنحه أوراقاً رسميةُ تُثبِت بياناته الشخصية حقٌّ يكفله القانون وينظمه”.
وهو ما يعنى التزام الدولة القائم على ثبوت الجنسية المصرية للشخص بمنحه الأوراق الرسمية التي تُثبِتُ بياناته الشخصية كاملةً غير منقوصةٍ بما فيها البيانات المتعلقة بالديانة، ويُستفاد ذلك من ورود عبارة ” بياناته الشخصية ” بالنص الدستورىِّ المشار إليه بصيغة الإطلاق والعموم دون أن يَرِد ما يُقيِّد هذا الإطلاق أو يُخصِّص ذلك العموم، وبالتالى فإن ثبوت الجنسية المصرية للشخص يستوجب ـ حتمًا ـ كفالة حقه في الحصول على المستندات الرسمية التي تُثبت كافة بياناته الشخصية بما فيها هويته الدينية، ومن ثم فإن استثناء النص المقترح البيانات المتعلقة بالديانة من هذا الحق يَصِمُه ـ أيضًا ـ بعدم الدستورية.
وإذا كان نص المادة (47) من دستور النظام الحالي قد جرى على أنْ: ” تلتزم الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة”, فإن النص المُقترَح إذ ألزم مؤسسات الدولة بطمس الهوية الدينية لمواطنيها يكون بذلك قد خالف النص الدستورىَّ المشار إليه، ذلك أن الهوية الثقافية المصرية تستمد تدفقها من روافد الثقافة الدينية المتأصلة في وجدان المصريين، وتجفيف روافد الثقافة الدينية بطمس الهوية الدينية للمواطنين يؤدي إلى جفاف مَعِين الثقافة المصرية وطمس هويتها بما يخالف أحكام الدستور ويَصِمُ النص المُقترَح بعدم الدستورية.
المادتان (6)، (7) وتقييد الحق فى بناء المساجد:
حيث إن نص المادة (6) من مشروع القانون المُقترَح قد جرى على أنْ: ” تلتزم الدولة بتيسير بناء المساجد والكنائس والسعادة والأديرة وما فى حكمها من دور العبادة بناءً على طلبٍ من الجهة الدينية المختصة”.
كما جرى نص المادة (7) منه على أنْ : ” تكون الجهة الدينية المختصة المشار إليها فى المادة السابقة على النحو التالي:
1- وزارة الأوقاف المصرية فيما يتعلق بالمساجد وما فى حكمها .
2- بطريركة الأقباط الأرثوذوكس أو البروتستانت أو الملل الأخرى فيما يتعلق بالكنائس ودور العبادة الخاصة بكل طائفةٍ منها.
3- إدارة الحاخام اليهودى فيما يتعلق والعبادة اليهودية “.
أوردت المادتان آنفتا الذكر الحكمين الآتيين:
1ـ تخويل السلطة التنفيذية للدولة الحق المطلق في البت فى طلبات بناء دور العبادة دون تبيان الضوابط التي تحكم هذا الحق ليتسنى تفنيدها وبسط رقابة القضاء عليها.
2ـ قَصْر الحق في تقديم الطلبات ببناء دور العبادة على الجهات الدينية المختصة المتمثلة في وزارة الأوقاف فيما يتعلق ببناء المساجد وما في حكمها, والبطريركة الممثلة لكل طائفةٍ من الطوائف المسيحية فيما يتعلق ببناء دور العبادة الخاصة بها, وإدارة الحاخام اليهودى فيما يتعلق بدور العبادة اليهودية.
البيِّن من هاتين المادتين فيما يتعلق ببناء المساجد أنه لا يجوز لشخصٍ من آحاد الناس أو لشخصٍ اعتبارىٍّ عامٍ أو خاصٍّ أن يُقدِم على بناء مسجدٍ دون موافقة وزارة الأوقاف وموافقة الجهات السيادية في الدولة، وأنه ليس لأحدٍ من هؤلاء الحق في أن يتقدم إلى الدولة مباشرةً بطلب الموافقة على بناء المسجد, وإلا قوبل طلبه بالرفض لانعدام صفته, بحسبان أن المادتين المُقترَحَتين قد جعلتا من وزارة الأوقاف الجهة الوحيدة صاحبة الاختصاص والصفة في تمثيل المصريين المسلمين في التقدم إلى الجهات السيادية في الدولة بطلبات بناء المساجد.
وزارة الأوقاف ليست جهة دينية تعبر عن المسلمين
وتظهر المفارقة ـ في هذا المقام ـ بين الجهات التي تُمثِّل أهل الأديان من غير المسلمين وبين الجهة التي عُقِدَ لها الاختصاص في تمثيل المسلمين في صدد التقدم بطلبات بناء دور العبادة؛ ذلك أن وزارة الأوقاف ليست من عداد الجهات الدينية التي تُعبِّر عن المسلمين في مصر بل هي أحد فروع السلطة التنفيذية؛ تخضع لأوامر وإملاءات القائمين عليها، على عكس الجهات الدينية الأخرى التي خُوِّلَتْ الحق في تمثيل باقى الطوائف الدينية, فهى جهاتٌ دينيةٌ مستقلةٌ عن السلطة التنفيذية تُعبِّر عمن تمثلهم دون أن تخضع لسلطان أو إملاءات أية جهةٍ في الدولة.
ولست بحاجةٍ في مجال تناول هاتين المادتين إلى أن أبِيِّن أنهما تُقيِّدان الحق في بناء المساجد ـ على نحو ما ذكرنا سلفًا ـ بما يُخِلُّ بالمراكز القانونية المستقرة للأغلبية المسلمة ويُهِدر حقوقهم المكتسبة عبر مئات السنين في بناء المساجد دون الخضوع إلى القيود التي أشرنا إليها؛ الأمر الذى يُحدِث إخلالًا جسيمًا بالنظام العام في الدولة بحسبان أنه يتشكل في جوهره من المبادئ والمسلمات والمراكز القانونية والحقوق المكتسبة المتأصلة في الدين الإسلامىِّ وهو دين الأغلبية.
انتقاص حقوق الأغلبية المسلمة
إنَّ الكثير من مشروعات القوانين المُقترَحة في هذه الفترة تستهدف نصوصها الانتقاص من الحقوق المستقرة للأغلبية المسلمة في مصر وتُهدِر الحقوق التي اكتسبوها عبر مئات السنين اعتمادًا على فهمٍ خاطئٍ لفكرة المواطنة؛ عليهم أن يستوعبوا أن حقوق المواطنة لا تقوم إلا في إطار عدم المساس بالنظام العام أو بالمراكز القانونية المستقرة أو بالحقوق المكتسبة أو بغير ذلك مما تَكفَّل النظام القانونىُّ القائم بحمايته, وأبطل كلَّ تصرفٍ يخالفه، ولا يمكن تطبيق حقوق المواطنة ـ في نطاق نظرية الحق ـ بما يُعطل أو ينتقص من حقوق الآخرين أو بما ينطوي على تعسفٍ في استعمالها، فالحقوق في مجملها تتساند وتتماس مع بعضها البعض بحيث يؤدى التجاوز في استعمال إحداها إلى الإخلال بالحقوق الأخرى، كما أنه لا يمكن فهم فكرة المواطنة بمعزلٍ عن باقى العناصر الأخرى التي يقوم عليها النظام القانوني في الدولة.
إن اتجاه النظام الحاليِّ إلى الانتقاص من حقوق الأغلبية المسلمة لا يعنى ـ بالضرورة ـ إعطاء القدر المُنتقَص منها إلى الأقليات غير المسلمة، بل إنه يشكل تغولًا من السلطة التنفيذية على حقوق المصريين المسلمين لصالحها، وفي ذات الوقت يسعى النظام إلى التغول والانتقاص من حقوق غير المسلمين أيضًا، بيد أن المحصلة من ذلك كله تجعل المصريين يقفون على شفا حفرة الشقاق والتناحر, وتُعرِّض النظام العام في الدولة للخطر الجسيم.
…………….
رئيس محكمة المنصورة الابتدائية ـ المستشار القانوني للبرلمان المصري بالخارج
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات