قرار ترامب بشأن القدس .. ردود أفعال وآثار

هب عشرات الآلاف من المتظاهرين في العالم للتعبير عن غضبهم واستنكارهم لقرار الرئيس الأمريكي نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة, وإعلان تضامنهم مع القدس والفلسطينيين.

ولعلّ أكثر أشكال التضامن معنى وتأثيرا, تلك التي خرجت من مدن تشبه أحوال سكانها, أحوالَ الفلسطينيين أنفسهم كما هو حال سكان مدينة تعز اليمنية التي أعلنت جمعة غضب رغم معاناتها من الحرب والحصار والجوع، وكذلك حال مواطني المناطق السورية التي يحاصرها النظام في ريف إدلب وحلب ودمشق.
كانت القضيّة الفلسطينية، ولا تزال، موضع تضامن وتعاطف ومشاركة الشعوب العربية، بمثل ما هي موضوع إحراج وتلاعب من بعض الأنظمة التي حاولت مصادرة الطاقة التغييرية الهائلة التي أطلقتها تلك القضية.
وعلى هذه الخلفية نفهم لماذا أحاط رجال الأمن المصريين بالمتظاهرين في القاهرة، ولماذا تحاصر مصرُ قطاع غزة وتمنع سكانه من الخروج، والأمر نفسه ينطبق على لبنان الذي يعاني فيه الفلسطينيون كل أشكال التمييز والإفقار والتهميش، ويمكن للقائمة أن تشمل أسماء كثيرة لأنظمة العار.

ومع كل مفصل تاريخي، تحضر في أذهان الفلسطينيين عشرات السنين من التناقضات المكشوفة بين شعارات الأنظمة حول تأييد قضية فلسطين, والممارسات المهينة والتمييزية ضدهم في المخيمات والمطارات وحواجز الحدود والانتهاكات في حقوقهم الإنسانية البسيطة كحقوق الملكية والعمل والإقامة والسفر والتعليم.

لا يمكن أن نفهم ما يحصل في فلسطين اليوم من دون الربط بين تدمير الثورات العربية ومنع التغيير عربيا، مع إضعاف المقاومة، وقمع الاتجاهات الإسلامية الديمقراطية تحت زعم مكافحة الإرهاب، وصولاً إلى ما يسمى بـ«صفقة القرن» التي يظهر قرار ترامب الأخير كجزء من تفاصيلها.
فهمُ ذلك كله, جعل الفلسطينيين يدركون أنهم ليسوا وحيدين في نضالهم أمام آلة البطش الإسرائيلية وأنهم يحملون جنين النضال العربيّ العام رغم وضعهم المحاصر، وفي مظاهرات الشوارع والساحات التي هبط إليها المتظاهرون كانت تبدو مظاهر انتفاضة جديدة لكنها عربية وليست فلسطينية فحسب.

مصداقية الولايات المتحدة

 

وفي سياق متصل قال محللون أمريكيون إن إعلان الرئيس الأمريكي بشأن القدس والمسارعة لتوظيف العديد من المهندسين المعماريين للحصول على تصميم للسفارة الجديدة في القدس المحتلة، يعتبر تحديا كبيرا لمؤيدي حل الدولتين .
ولاحظ المحللون أن ترامب لم يلتفت كثيرا لنتائج قراره, وهناك اعتقاد واسع حتى لدى بعض مؤيدي ترامب أن هذا التحرك سيدمر أي مصداقية زعمت بها الولايات المتحدة كوسيط، كما أن أصبح من المستحيل على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يُعوّل على الولايات المتحدة.

وقال مارك جينسبيرج السفير الأمريكي السابق في المغرب إن هذه الخطوة تستهدف إرضاء المانحين الكبار مثل شيلدون اديلسون وكذلك المسيحيين الإنجيليين.

وأكد أن ترامب قد دفع بحل الدولتين الى الهاوية ووضع، على حد تعبيره، سكينا في مؤخرة القيادة الفلسطينية, وقال خالد الجندي من معهد بروكنجز إن الأمور أصبحت لعبة جديدة تماما، وأن هناك دعوات لقادة من فلسطين بإنهاء مهزلة عملية السلام .
وأوضح محللون ان هذه الخطوة تمنح اسرائيل جائزة بدون مفاوضات دون الاضطرار إلى الانسحاب من المستوطنات أو القيام بأشياء أخرى .
وقال جويل روبين، وهو مسئول سابق في الخارجية الأمريكية أثناء ولاية أوباما، إن ترامب أطلق النار على مصداقية بلاده, في حين قالت اندريا ميتشل من “ان بي سي” إن هذه الخطوة كانت إهانة خاصة لبعض القادة العرب الذين حضروا إلى واشنطن في الأسبوع الماضي لمناشدة ترامب عدم اتخاذ القرار .
وقال ايلان جولدنبيرج المسؤول السابق في وزارة الخارجية ان ترامب منح اسرائيل الكثير من الأشياء ولكنه لم يعط الفلسطينيين أي شيء .
وتوقعت منصات أمريكية بما في ذلك موقع “ميندو”، أن تعزز خطوة ترامب حملة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل، وقال يوسف منير من الحملة الأمريكية لحقوق الفلسطينيين، إن بيان ترامب يفسد القناع عن الحياد الأمريكي, وينهي أي أوهام بشأن وعود عملية السلام.

وكان هناك عدد قليل في تيار اليسار من المعتقدين في الوساطة الأمريكية, ولكن عددهم سيكون أقل بكثير لأنه لا يمكن تفسير دعم الولايات المتحدة لكيان ضالع في مسلسل الانتهاكات المتواصلة للحقوق الفلسطينية, واعتبر محللون قرار ترامب إعلانًا لفشل 20 عاما من المفاوضات وهو كالقشة التي قصمت ظهر البعير.

بيع القدس لشراء الحماية

الكاتب الفلسطيني وائل عصام يرى في مقال له أنه بعد أن حصل ترامب على مئات المليارات من السعودية؛ المملكة الخليجية الأغنى، ها هو يحصل على فرصة لتمرير قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بل لعل أصدقاء صهره كوشنير من العرب، مستعدون للذهاب أبعد من هذا الاعتراف، الذي لا يقدم كثيرا في واقع المدينة المحتلة، فقد يحاولون قريبا، الضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات كقربان مقابل الرعاية الأمريكية.

التسريبات التي نشرت عن تنسيق أمريكي مع السعودية والقاهرة، قبيل اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل، لم تكن مفاجئة، في ضوء المعلومات المتواترة عن تقارب صهيوني مع العاصمتين العربيتين، فمن الواضح أن هذا القرار ليس سوى مقدمة في سياق ما بات يطلق عليه «صفقة القرن»، والتسوية التي يجري الحديث عنها.

كثير من الصحف الغربية كتبت عن هذا الأمر؛ فصحيفة «لوبوان» الفرنسية، اعتبرت أن قرار ترامب يتكامل مع خطة السعودية للسلام. وصحيفة «بوليتيكو» الأمريكية، قالت إن كوشنير يعتقد أن المعارضة الرسمية لقرار القدس مجرد استعراض عابر، وبعد «فترة التهدئة»، سيواصل «الحلفاء العرب»، في السر، العمل معه على إتمام الخطة الإقليمية التي يتوقع أن يعلنها في الأشهر الأولى من عام 2018، وتقول الصحيفة، إن كوشنير يشعر كما لو أن لديه دعما خاصا من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. 

أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية فقدمت المعلومات الأكثر جرأة حول التنسيق السعودي الأمريكي، فقالت «السعودية في حاجةٍ اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الدعم السياسي الأمريكي، والعتاد العسكري الأمريكي الذي تبيعه لها واشنطن، لتعزيز قوتها في مواجهة إيران, وإن تلاقي المصالح ولعبة القوى بين واشنطن والرياض، أتاحت لترامب الحفاظ على هدوء نسبي في هذه الجبهة. ورغم أن الردود الرسمية في السعودية كانت ضد الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، إلا أنها لم تتجاوز الحدود».

ويبدو أن اختلال توازن النظام الرسمي العربي سيترك أثره، فبسبب هذا الاختلال، خصوصا في القاهرة والرياض، تمكنت إسرائيل من تثبيت القدس عاصمة، وتمكنت إيران، وبسبب ضعف جبهة المواجهة العربية التي تزعمتها الرياض، من خطف بغداد ودمشق وصنعاء؛ مراكز المشرق العربي، وإن كانت أقل رمزية دينية من القدس، إلا أنها قد تفوقها أهمية جيوسياسية كونها محور الثقل في الأمن القومي العربي.

فبعد فقدان العراق وسوريا واليمن لدورها الرئيس، بسبب الهيمنة الايرانية، لم تبق سوى مصر والسعودية، دولتين عربيتين وازنتين، يفترض أن تقوما بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن ما حصل هو العكس، إذ استغلت إسرائيل هذا الخلل في أنظمة القاهرة والرياض لتجني مكاسب استثنائية وبزمن قياسي، ولتقوم واشنطن بإقناع الرياض بجدوى تعاونها بإنجاز تسوية للقضية الفلسطينية، ويمنحها حماية أمريكية من التهديدات الداخلية والخارجية ضدها، وبالمقابل ستستغل طهران أكثر فأكثر، هذا الانسحاب العربي من مواجهة إسرائيل، من قبل ما يسمى بدول «محور الاعتدال»، لترفع من شعبية حلفائها في ما يسمى «محور الممانعة» الذي يعمل على استغلال هذا الفراغ العربي الخطير.

 

الأمن القومي السعودي في خطر

 ما لا يدركه هؤلاء، أن أمن ومصالح أوطانهم مرتبط عضويا بعواصم المحيط العربي، وليس بواشنطن، وما تعلموه في كتبهم الدراسية عن المصير المشترك، يعني أن سعيهم بالنأي بأنفسهم عن نزاعات الأشقاء العرب سيقود إلى تآكل سياجات أمنهم القومي، فإذا اعتقدت السلطة في السعودية أنها تشتري الحماية لنظامها من أمريكا وإسرائيل، بالتواطؤ بملف القدس والتسوية، فقد تدرك بعد فوات الأوان فداحة حساباتها الخاطئة، فما فشلت فيه السعودية بمعونة أمريكا، في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن، قد يتكرر داخل السعودية قريبا، خصوصا أن السياسة الامريكية تقضي بالدفاع عن حلفائها من عدوان خارجي وليس داخليا، وهذا ما صرح به أوباما في حديثه الشهير لمجلة «أتلانتا»، فالتهديدات التي ستتعرض لها السعودية مستقبلا، بعد تمكن الحوثي في صنعاء، لن تكون بمواجهة غزو إيراني خارجي، بل حركات تمرد داخلية, حينها لن يحدث أي تدخل أمريكي فاعل، ولن ينجح أي طرف بوقف هذا التمرد، سوى القوى القبلية التي قد تدخل هي الأخرى بدوامة نزاعات قبلية داخلية، لعدم وجود مرجعية تجمعها!

 عندها سيفهم أولئك المروجون للقطيعة مع محيطهم العربي، كيف أن خسارة عواصم المشرق العربي ستعود على أمنهم الداخلي بالضرر، وأن ثمن بيع القدس لن يمكنهم من شراء حماية الولايات المتحدة بوجه المد الإيراني المقبل في عمق جزيرة العرب، عندما فاتهم القطار عن التصدي له مبكرا في حواضر شمال وجنوب الجزيرة العربية؛ العراق وسوريا واليمن.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …