قلق إسرائيلي من إعادة سوريا بناء جيشها

تسعى سوريا الجديدة بشكل حثيث لإعادة بناء جيش وطني موحد، معولة على مساعدة عربية وتركية وأوروبية، وسط مخاوف إسرائيلية.

وقد قرر مجلس الاتحاد الأوروبي إزالة سبعة كيانات سورية من قائمة العقوبات، بينها وزارتا الدفاع والداخلية، ما يفتح الباب أمام تعاون مباشر بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، في مجالات إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية.

ويرى الكاتب والباحث السياسي محمود علوش، في تصريحات لـ”القدس العربي”، أن الخطوة تمثل تحولاً نوعياً في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا، إذ لا تقتصر على رفع قيود قانونية وإجرائية، بل تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والأمني مع دمشق، وتوفر دعماً مباشراً لجهود إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية وتعزيز قدرة الدولة السورية على ترسيخ الاستقرار واستعادة سيادتها الكاملة.

واعتبر أن هذا القرار من أهم الخطوات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا في مرحلة التحول السياسي، لأنه يطال قطاعاً بالغ الحساسية والأهمية بالنسبة للدولة السورية، وهو القطاع الأمني والعسكري. وكان هذا القطاع مستثنى في الأصل من قرار الاتحاد الأوروبي القاضي برفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ما يمنح القرار الجديد أهمية خاصة تتجاوز أبعاده الإجرائية.

وتنبع أهمية هذه الخطوة، حسب المتحدث أولاً، من رمزيتها السياسية، إذ تعكس مستوى متقدماً من الانفتاح الأوروبي على سوريا واستعداداً واضحاً للتعامل مع مؤسسات الدولة الجديدة، بما في ذلك المؤسسات السيادية.

كما أنها، ثانياً، تزيل إحدى أبرز العقبات التي كانت تعترض جهود إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية، وتفتح الباب أمام تعاون مباشر بين سوريا والاتحاد الأوروبي في مجالات التدريب، والتأهيل، وتبادل الخبرات الفنية والتقنية المتعلقة بإعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وفق أسس مؤسسية حديثة.

إضافة إلى ذلك، يترتب على القرار رفع القيود التي فرضها الاتحاد الأوروبي سابقاً على تصدير المعدات والأجهزة الأمنية والتقنيات الحديثة ذات الصلة بالمجال الأمني إلى سوريا، وهو ما يمنح المؤسسات السورية فرصة للاستفادة من التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة في مجالات الاتصالات، وإدارة الحدود، ومكافحة الإرهاب، والأمن الداخلي.

وعليه، تكتسب هذه الخطوة، حسب المتحدث، أهمية استراتيجية كبيرة، لأنها لا تعزز فقط مسار الانفتاح السياسي بين الطرفين، بل تشكل أيضاً عاملاً أساسياً في دعم جهود إعادة هيكلة الجيش السوري والأجهزة الأمنية، وتمكين الدولة السورية من بناء مؤسسات أمنية وعسكرية أكثر كفاءة وقدرة على حفظ الاستقرار وصون السيادة الوطنية.

ويفتح هذا القرار، وفقاً للمتحدث، الباب أمام انخراط أوروبي واسع في عملية إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية في سوريا، سواء من خلال برامج التدريب العسكري والأمني، أو عبر توفير المعدات والأجهزة الأمنية والتقنيات الحديثة المرتبطة بمجالات الأمن والدفاع. وتمثل هذه الخطوة أهمية كبيرة بالنسبة لسوريا، لأنها تتيح الاستفادة من الخبرات الأوروبية المتقدمة في مجالات إعادة الهيكلة المؤسسية، وإدارة الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتطوير أنظمة الاتصالات والمراقبة.

وأضاف علوش أن سوريا تحظى اليوم بأهمية خاصة لدى المجتمع الدولي، إذ يوجد قدر ملحوظ من التوافق والتعاون بين القوى الإقليمية والدولية بشأن دعم استقرارها، وهو مستوى من التنسيق نادراً ما شهدناه في ملفات إقليمية أخرى. ويعكس هذا التوافق إدراكاً واسعاً بأن استقرار سوريا يشكل مصلحة أساسية ليس فقط لدول المنطقة، بل أيضاً للدول الغربية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

ومع ذلك، فإن الانخراط الخارجي في إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية لم يصل بعد إلى مستوى الدعم الذي تقدمه بعض الدول المنخرطة بصورة مباشرة في هذا الملف، وعلى رأسها تركيا، التي تؤدي دوراً محورياً في مجالات التنظيم العسكري، وإعادة الهيكلة، والتدريب، وتقديم الخبرات الفنية. ومن هذا المنطلق، تبدو تركيا حتى الآن الطرف الخارجي الأكثر ترجيحاً للاضطلاع بالدور الرئيسي في عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية.

وبرأي المتحدث، فإن الدول الأوروبية تستطيع أن تؤدي دوراً مكملاً ومهماً، لا سيما في مجالات التدريب المتخصص، والدعم التقني، وتزويد المؤسسات السورية بالمعدات والتكنولوجيا الحديثة. كما أن الأردن والمملكة العربية السعودية ودولاً عربية أخرى مرشحة أيضاً للمساهمة في هذا المسار.

وعلى مستوى الدعم المتوقع من القوى الإقليمية والدولية، رجح علوش ألّا يقتصر الأمر على التدريب العسكري والأمني فحسب، بل يشمل أيضاً تزويد سوريا بالمعدات والتقنيات الحديثة، وإمكانية إبرام شراكات استراتيجية طويلة الأمد في المجال الدفاعي، بما في ذلك التعاون في مجالات التصنيع العسكري والصيانة ونقل الخبرات. وقد بدأت ملامح هذا النموذج تظهر بالفعل في العلاقات السورية مع تركيا، التي تؤدي دوراً محورياً في دعم جهود إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية.

 كما تطمح دمشق إلى انخراط أطراف دولية أخرى، بما في ذلك روسيا، للاستفادة من خبراتها التاريخية وصلاتها الطويلة بالمؤسسة العسكرية السورية.

 مقابل ذلك، نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية مطلع الشهر الجاري تقريرًا حذّرت فيه مما وصفته بـ”التهديد الجديد” القادم من سوريا، في ظل التحركات التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع.

وذكرت بأن هناك حالة من “القلق المتزايد” داخل إسرائيل إزاء قرار الشرع إعادة بناء الجيش السوري، معتبرة أن وتيرة تطوير القدرات العسكرية للدولة السورية الجديدة تسير بشكل أسرع بكثير مما كانت تتوقعه التقديرات الإسرائيلية السابقة.

وحسب ما أورده التقرير، يعمل الشرع على تنفيذ خطة شاملة لإعادة تأهيل سلاح الجو السوري، إلى جانب بناء منظومات نارية ثقيلة تشمل وحدات مدرعة ومدفعية ميدانية ومنظومات صاروخية، وذلك بدعم مباشر من تركيا.

ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها إن سوريا ما زالت تُصنَّف في العقيدة الأمنية الإسرائيلية باعتبارها “دولة عدو”، في ظل غياب أي اتفاقيات سلام رسمية بين الجانبين. كما أعربت تلك المصادر عن خشيتها من أن يقود النظام السوري الجديد، الذي وصفته بأنه يستند إلى “أيديولوجيا إسلامية جهادية”، عملية إعادة بناء القدرات العسكرية السورية بطريقة قد تؤدي في المستقبل إلى توجيه هذه القدرات نحو إسرائيل.

 وعن ذلك، اعتبر علوش أن الانفتاح الأوروبي المتزايد على سوريا، مقروناً بالتقدم الذي تحرزه دمشق في إعادة بناء مؤسساتها السيادية، يفسر جانباً من القلق الإسرائيلي المتصاعد، إذ تنظر تل أبيب إلى استعادة سوريا لقدراتها العسكرية والأمنية باعتبارها تحولاً استراتيجياً من شأنه أن يغيّر التوازنات التي سادت خلال سنوات الحرب.

شاهد أيضاً

سموتريتش يدعو لاحتلال غزة كليا وحكمها عسكريا

طالب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الأحد، بفرض سيطرة كاملة على قطاع غزة، وإقامة …