الأزمات التي تواجهها القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، المقرر عقدها يومي ١٩ و٢٠ من الشهر الجاري، وتستضيفها العاصمة اللبنانية بيروت، باتت دليلا إضافيا على حجم هشاشة البنية السياسية العربية، والتخريب الذي لحق بجوهر العلاقات البينية العربية، حتى باتت غير قادرة على النظر إلى حجم ما يواجهها من تحديات، أو حتى إيجاد قاعدة يمكن البناء عليها من أجل الوصول إلى حد أدنى من الاتفاق.
كان الاقتصاد دائما هو القاعدة المرشحة للبناء عليها، والتغلب على ما تثيره السياسة من خلافات أفسدت كل محاولات التوافق العربي على مدى عقود، لكن يبدو أن الاقتصاد لم ينج من عدوى السياسة، فامتدت خلافاتها إلى ساحة القضايا الإقتصادية.
صارت القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية والتنموية مهددة سواء في انعقادها، أو على الأقل في تحقيقها لإنجاز ملموس يمكن أن يستفيد منه المواطن العربي المنهك بفعل صراعات المنطقة وتمزقها.
قمة بيروت تحمل الرقم ٤ في سلسلة القمم العربية الاقتصادية، والتي يبدو أنها كانت دوما سيئة الحظ، فالقمة الأولى التي استضافتها الكويت عام ٢٠٠٩، جاءت في خضم انقسام عربي حاد بعد العدوان الإسرائيلي على غزة.
وجاءت القمة الثانية التي استضافتها شرم الشيخ في يناير ٢٠١١ وسط بدايات عاصفة ما بات يعرف بـ”الربيع العربي” وقبل انطلاق القمة بساعات ضربت العاصفة تونس، وبعد انتهاء القمة بأيام كانت العدوى قد أصابت مصر.
وعقدت القمة الثالثة في الرياض عام ٢٠١٣ في خضم شمول الانفجار العربي سورية واليمن وليبيا، وكانت الأزمة في سورية خصوصا بلغت مداها، فتحول جزء من جدول الأعمال إلى بنود إغاثية.
وبينما كان البعض يراهن على أن تكون القمة الرابعة في بيروت بمثابة هدنة بعد انتهاء عواصف الربيع وفرصة للبنان لاستعادة ثقة الدول العربية بعد مرحلة من شبه المقاطعة سواء السياحية أو الاقتصادية، خاصة أنها المرة الأولى التي تستضيف فيها بيروت هذه القمة بعد استضافتها في العام ٢٠٠٢ القمة العربية، لكن الواقع المأزوم عربيا ولبنانيا أبى إلا أن يلقي بظلاله القاتمة على القمة.
فلبنان الذي لم يفلح حتى اليوم في تشكيل حكومته أدخل القمة في سياق السجالات بين قواه المتصارعة.
وباتت دعوات تأجيل القمة التي انطلقت من الداخل اللبناني، ورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية، فحلفاء دمشق وفي مقدمتهم نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، يريد تقديم أوراق اعتماد جديدة لدى دمشق، لذلك يصر على حضور الرئيس بشار الأسد القمة أو التأجيل.
في المقابل يتمسك تيار “١٤ آذار“ بزعامة رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، المدعوم خليجيا بعدم عودة الأسد إلى بيروت.
وما بين هذا وذاك، تتنازع الدول العربية المواقف ليس فقط بشأن حضور سوريا المجمدة عضويتها بالجامعة العربية منذ ٢٠١١، بل إن الخلافات العربية العربية تمثل عائقا حقيقيا أمام تحقيق أي إنجاز حقيقي.
فالرباعي العربي (مصر – السعودية- الإمارات – البحرين) متمسك بموقفه الصارم من قطر، وتلك الأخيرة تذهب بعيدا في الارتماء في أحضان تركيا وإيران، رغم ما يثيره ذلك من مخاوف دول المنطقة، فيما دول عربية أخرى مهمة اقتصاديا مثل السودان منشغلة بأزماتها الداخلية.
ولا يبدو المغرب العربي مستعدا لمناقشة مشاريع اقتصادية، بينما دوله تكافح لمواجهة متطلبات مواطنيها اليومية (حالة تونس)، أو منشغلة بتغيير مقبل في قيادتها السياسية (الجزائر)، أو تسعى جاهدة للإبقاء على حالة الاستقرار الهش (المغرب)، وهي جميعا أفضل حالا من ليبيا التي تقف اليوم على حافة الهاوية.
هذه الصور القاتمة لا توفر إذن منطلقا لنجاح العناوين الطموحة التي ترفعها أجندة «قمة بيروت»،ومنها إطلاق إطار عربي استراتيجي للقضاء على الفقر متعدد الأبعاد، ومنهاج العمل للأسرة في المنطقة العربية في إطار تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، بل إن ما تعكسه الملابسات المحيطة بالقمة تعيد إلى الأذهان مقولة الشاعر نزار قباني: “العرب اتفقوا على ألا يتفقوا”.
المصدر: نشرة دلتا الاقتصادية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات