سلط الباحث في “إيني أنريكو ماتي” لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا ب “مجلس العلاقات الخارجية”، ستيفن كوك، الضوء على واقع المصريين ومعاناته منذ استيلاء السيسي على الحكم، ردا على اتهامه من الإعلامي الموالي للنظام، نشأت الديهي، بالعمالة لصالح جماعة الإخوان المسلمين، بعد مقاله الأخير عن تضييع عبدالفتاح السيسي، لمقدرات مصر.
قال في مقال بمجلة “فورين بوليسي”، إن الديهي، مقدم برنامج “بالورقة والقلم” يتهمه بأنه يتقاضى أجراً من جماعة الإخوان، ولم يكن الوحيد الغاضب من مقالته الأخيرة، إذ نشر أنصار السيسي سيلا من الإهانات الشخصية له عبر منصة “إكس”.
واعتبر كوك أن ردود أفعال أنصار السيسي تعكس أن كل أمل في إجراء نقاش مدروس على وسائل التواصل الاجتماعي قد ضاع منذ فترة طويلة، واصفا اتهامه بتلقي أموالا من الإخوان بأنه “ادعاء سخيف”، موضحا: “من غير الممكن أن يدفع لي الإخوان المسلمون مقابل أي شيء بناءً على هويتي وما كتبته عنهم”.
مشكلتان لأنصار السيسي
ويتابع كوك: “بعد أن كتبت عن مصر لسنوات، اعتدت على هذا النوع من الأشياء الآن (يقصد الإساءة إليه)، وممارستي عادة هي تجاهل مثل هذه المرارة. لكن تعليق الديهي لفت انتباهي”، معتبرا أن الاتهام بأن منتقدي السيسي موظفون في جماعة الإخوان “هو مؤشر على مشكلتين مترابطتين يعاني منهما الزعيم المصري وأنصاره، ولا يملكون أي إجابات لهما”.
وتتمثل المشكلة الأولى في “تباين كبير ومتزايد بين ما تعد به الحكومة المصريين وبين الواقع الذي يعيشونه في حياتهم اليومية”، عندما يكون لدى الناس الجرأة للإشارة إلى ذلك، يتم وصفهم بأنهم مؤيدون للإخوان المسلمين أو، أو يتم الزج بهم في السجن وتعذيبهم.
وهذا الرد الشرس هو مقياس لمدى معرفة السيسي وأنصاره بالأزمة، إذ يخشون من إدراك العديد من المصريين لهذه الفجوة وطبيعتها التي يحتمل أن تزعزع الاستقرار.
أما المشكلة الثانية، فتتمثل في عدم قدرة السيسي على التخلص من الأثار التي تركتها جماعة الإخوان عبر تاريخ مصر، في السياسة والحياة الاجتماعية إلخ، ومرونتهم في التعامل مع الأنظمة السياسة المتعاقبة.
فحتى قبل عهد السيسي بفترة طويلة، كان من الشائع أن تقمع الأنظمة المصرية المتعاقبة الإخوان مقابل فترات هدنة بين الجماعة وبعض الأنظمة الأخرى.
وفي أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، استسلم رئيس الوزراء، مصطفى النحاس، للضغوط السياسية التي مارستها جماعة الإخوان المسلمين، وقام باتخاذ إجراءات صارمة ضد الكحول والدعارة، بينما سمح للجماعة بنشر صحفها.
وبعد بضع سنوات، قامت حكومة جديدة بقمع جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن تستأنف حكومة أخرى استرضاء الجماعة.
وقام الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، بسجن الآلاف من قيادات وأعضاء الإخوان، وأطلق سراح بعضهم، ثم أعاد سجنهم مرة أخرى، ثم أطلقهم خليفته، أنور السادات، وأعطاهم الفرصة للنشر والوعظ.
ومع ذلك، فقد اختلف السادات معهم مجددا حول السلام الذي عقده السادات مع إسرائيل، وامتلأت السجون المصرية بالإخوان مرة أخرى.
وبعد اغتيال السادات في عام 1981، منح مبارك الجماعة الفرصة لاستئناف أنشطتها، معتقداً أن ظهور الإخوان بشكل أكبر في مجالات النشر والتعليم والمجتمع المدني من شأنه أن يجذب الدعم بعيداً عن المتطرفين الذين اغتالوا السادات.
وبعد حوالي عقد من الزمن، قرر مبارك التوقف عن ذلك، وأمر الأجهزة الأمنية بإخضاع الجماعة، وطوال هذا النمط من التسوية والمواجهة، ظل الإخوان لاعباً سياسياً واجتماعياً وثقافياً مهماً في مصر.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح قمع جماعة الإخوان المسلمين والادعاء بأن منتقدي الحكومة أعضاء في الجماعة (أو يتلقون أموالاً منها)، أكثر وضوحاً وخطورة، وذلك “لأن السيسي سعى إلى إعادة صياغة القومية المصرية من خلال استبعاد جماعة الإخوان المسلمين منها” بحسب كوك.
لكن الروح القومية “لا تحدث بشكل عفوي، بل هي نتيجة لمشاريع سياسية متضافرة، ومن ثم فهي تخضع بشكل دوري لإعادة التفسير ليناسب احتياجات القادة السياسيين”، بحسب كوك، مشيرا إلى أن “هذا بالضبط ما فعله السيسي بتصوير جماعة الإخوان– التي تضرب أصولها ومكانتها ونظرتها للعالم بجذور راسخة في التجربة المصرية – على أنها عنيفة وغريبة عن المجتمع الذي ولدت فيه”، حسب قوله.
وبعد الانقلاب الذي أوصل السيسي إلى السلطة، بالتوازي مع الحملة الإعلامية التي قادتها الدولة والتي سعت إلى الحفاظ على مخزون من الدعم لما يسمى “الثورة الثانية (يقصد 30 يونيو)” في مصر، جرى تصوير الإخوان بشكل روتيني على أنهم عملاء للقطريين و/أو الأتراك.
وفي الوقت نفسه، برر السيسي العنف الذي استخدمه لقمع الإخوان على أساس أن الجماعة منظمة إرهابية، وعندما شكك المحللون في خطاب الحكومة واستخدامها للعنف، تم تصويرهم في الصحافة المصرية على أنهم أدوات في أيدي الإخوان.
ويرى كوك أن محاولة السيسي لكتابة سردية جديدة للقومية المصرية ستبوء بالفشل، لأن الإخوان لعبوا دورًا مهمًا في بعض أهم الأحداث القومية في القرن العشرين، ومنها الثورة ضد الاحتلال البريطاني.
ورغم أنهم كانوا في البداية يميلون بشكل إيجابي تجاه النظام الملكي المصري، إلا أنهم عارضوا الملك فاروق في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي.
وكانت جماعة الإخوان المسلمين من أوائل الجماعات التي دقت ناقوس الخطر بشأن الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وفي حرب عام 1948 بين دولة إسرائيل الجديدة وجيرانها، حارب الإخوان ضد الإسرائيليين بالقرب من بئر السبع وبيت لحم والقدس، كما قدموا الدعم لآلاف الجنود والضباط المصريين الذين تقطعت بهم السبل في جيب الفالوجا، بالقرب من قطاع غزة، في المراحل الأخيرة من الصراع.
وبقدر ما اعتبروا هم وكثيرون غيرهم أن الصهيونية أداة للاستعمار الأوروبي، كان يُنظر إلى النضال الفلسطيني ضد الإسرائيليين على أنه نفس النضال القومي الذي كان المصريون يشنونه ضد البريطانيين.
ولذا يرى كوك أنه “لا يمكنك إنكار الدور الذي تلعبه جماعة الإخوان المسلمين في القضايا التي كانت ولا تزال حاسمة بالنسبة للسرد القومي في مصر”، غير أن قادة البلاد يعتمدون في الغالب على الخوف والإكراه للحفاظ على سيطرتهم السياسية.
ويضيف: “يمكن للسيسي أن يستخدم الكثير من القوة والعنف (بالتصفية والتعذيب)، ولهذا السبب فإن الاتهامات الموجهة إلى شخص ما بأنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين أو يتقاضى أجراً من المنظمة قوية للغاية، ونتيجة لذلك، تم اقتياد المعارضين المصريين غير الإسلاميين إلى السجون، الأمر الذي يزيد من صعوبة وخطورة سعي الناشطين إلى تحقيق أجنداتهم”.
ويخلص مقال كوك إلى أن الاتهام الدائم من أنصار السيسي لمنتقديه بأنهم “إخوان” فارغ، بل طائش، وهو رد روتيني على أي انتقاد موجه للسيسي ومؤيديه، الذين لا يستطيعون استحضار رد “ذو منطق” ومقنع، كما أنه نفس نوع الرد الذي يستخدمه القادة السياسيون عندما يشعرون بالخوف، “فالسيسي يحكم مصر بالخوف ولكنه يُحكم به أيضا”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات