كيف نجحت الصهيونية في تجنيد أغلبية لجانب قرار تقسيم فلسطيين ؟

بمناسبة الذكرى السبعين لقرار تقسيم فلسطين التي تصادف اليوم الأربعاء، 29 نوفمبر, أكد مؤرخ إسرائيلي أن البعثة الصهيونية للأمم المتحدة اكتشفت, عدم وجود أغلبية مطلوبة للمصادقة على مشروع قرار التقسيم المقترح للتصويت عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلجأت لمكائد سياسية، وجندت البيت الأبيض لممارسة الضغوط.

 ويوضح المؤرخ د. أوري ميليشتاين في دراسة جديدة تستند لوثائق أممية وأمريكية، أن البعثة الصهيونية ابتزت سفير ليبيريا بالتهديد بتعليق توقيع اتفاق بلاده مع الولايات المتحدة حول تطوير مواردها الطبيعية في حال «لم يتصرف بالشكل اللائق».

أما سفير نيكاراجوا فقد قيل له إنه في حال «تصرف كما يجب» فإن هناك من يحرص على مكافأته من قبل الولايات المتحدة.

وفي 29 نوفمبر 1947 تم الحصول على الأغلبية المطلوبة للمصادقة على قرار تقسيم فلسطين.

وتفيد الدراسة بعنوان «التحضيرات النهائية- السياسية والعسكرية» أن مندوب اليونان رفض تأييد القرار لأن بلاده كانت تطمح في دعم السفراء العرب لقضاياها فاختار الامتناع عن التصويت.

أما الفلبين؛ فقد فاجأت الصهاينة بمعارضة القرار رغم أنها كانت من الدول المضمونة لجانب الموقف الصهيوني.

وتلفت الدراسة الى أنه كان بوسع واشنطن التأثير على موقف الفلبين واليونان لكنها امتنعت عن ذلك، وهكذا هاييتي التي كانت تخضع لوصاية أمريكية، فقد أخذ سفيرها في الأمم المتحدة يبدي معارضته لمشروع قرار التقسيم مما أدخل البعثة الصهيونية في وضع صعب.
وتقول الدراسة إن مدير قسم العلاقات الخارجية في الوكالة اليهودية؛ موشيه شاريت هو من قاد وقتها تجنيد الدول لجانب القرار، وإنه بادر للقاء عاجل مع قادة الصهاينة في الولايات المتحدة أمثال نحوم جولدمان, وآبا هليل سيلفر من أجل التشاور.

وطالما أن 15 دولة أعلنت مسبقا رفضها لقرار التقسيم كان على الحركة الصهيونية تجنيد تأييد 30 دولة أي نسبة الثلثين المطلوبة، ولم يكن هناك وقت كافٍ للتحرك إذ تبقت ساعات فقط على موعد التصويت.

وقررت البعثة الصهيونية بعد التشاور التوجه بطلب لدول «صديقة» بأن يقوم سفراؤها بالمماطلة وإطالة خطاباتهم في إجراء يعرف بـ «فليبستر» كسبا للوقت، وقد نجحت بذلك حيث تم تأجيل التصويت من 27 نوفمبر الى 29.

نيويورك تايمز

وتكشف الدراسة أن البعثة الصهيونية جندت ثريا يهوديا مقربا من الرئيسين روزفلت وترومان يدعى برنارد باروخ من أجل إقناع طاقم تحرير “نيويورك تايمز” (اليهود) بنشر مقال افتتاحية يدعو الدول الممتنعة عن التصويت, للتصويت لجانب مشروع قرار التقسيم.

أما الإنجاز الأكبر للبعثة الصهيونية خلال تمديد مدة التداول قبل التصويت بـ 48 ساعة فهو حسب الدراسة تجنيد الإدارة الأمريكية لإقناع دول وحكومات بالتصويت مع القرار، وقد احتج السفراء العرب لدى الخارجية الأمريكية ولكن دون جدوى لأن ذلك كان طلب الرئيس الأمريكي.
ويقدم مثالا على ذلك بالقول إن الصهاينة وأصدقاءهم في الإدارة الأمريكية ورجال أعمال أمريكيين كبارًا مارسوا الضغوط على صاحب شركة المطاط والإطارات وصاحب الامتيازات في ليبيريا هارفي فايرستون، وهو من جهته توجه للرئيس الليبيري وليام تابمان الذي أمر سفير بلاده في الأمم المتحدة بالتصويت لجانب القرار.
وتكشف الدراسة أيضا أن البعثة الصهيونية علمت أن حكومة هاييتي تشترط دعمها للقرار بقرض بقيمة خمسة ملايين دولار من الولايات المتحدة، وفعلا بادر السفير الأمريكي في هاييتي بالاتصال  بالمسؤولين فيها وقال لهم «أفضل لكم التصويت مع التقسيم».

كما مورست ضغوط كبيرة على سفير الفلبين في واشنطن لتغيير موقف بلاده المعارض للتقسيم، وقيل له إن القرار حيوي جدا ومسألة هيبة وكرامة بالنسبة للولايات المتحدة، داعين إياه للتدخل لدى الرئيس الفلبيني الذي رغب بدايةً بمعارضة القرار مداراة للمواطنين المسلمين في دولته.
وتشير الدراسة بالتفصيل كيف مارست واشنطن الضغوط الاقتصادية على بكين كي تصوت لصالح قرار التقسيم، لكن هذه قررت الامتناع لأخذها بالحسبان المسلمين في داخلها.

وحققت الضغوط على ممثلي تايلاند, خاصة الأمير فان، نتائج أفضل، ووفقا للدراسة فقد أبحر المذكور على متن  سفينة «الملكة ماري» إلى العاصمة بانكوك في 29 نوفمبر زاعما أن الوضع في بلاده اضطره للعودة، ولم يصوت ضد قرار التقسيم بخلاف تعليمات حكومته!

وتنوه الدراسة أن البعثة الصهيونية اهتمت أيضا بالمحافظة على معسكر المؤيدين للتقسيم خاصة دول أمريكا اللاتينية وكان تعدادها 20 دولة من بين 57 دولة مشاركة بعضوية الأمم المتحدة وبدونها لم تكن هناك فرصة للمصادقة على القرار، ولذا قامت الصهيونية في هذه البلدان بسلسلة فعاليات ولقاءات واسعة لحشد التأييد لإقامة إسرائيل.

وكانت النتيجة أن صوتت 13 دولة من هناك مع القرار فيما امتنعت ست دول أخرى، ووقفت كوبا وحدها ضد التقسيم.
وتمكنت البعثة الصهيونية من إقناع مندوب تركيا بالتصويت لصالح التقسيم لكن حكومة بلاده رفضت ذلك.

كذلك تروي الدراسة التي نشرتها صحيفة “القدس العربي” كيف مورست الضغوط على فرنسا وبلجيكا وتم ثنيهما عن موقف الامتناع بالاستفادة من لوبيات يهودية فيهما.

الدور الأمريكي

وتدلل الدراسة على الدور الأمريكي الذي قام به الرئيس ترومان من وراء الكواليس للحصول على أغلبية الثلثين، من خلال مراجعة رسائل شكر ومديح وصلته من جهات صهيونية بعد المصادقة على التقسيم.

وتقول على سبيل المثال إن أبا هليل سيلفر قال في اجتماع إدارة الوكالة اليهودية في القدس: «حصولنا على أغلبية في التصويت؛ كان بفضل ترومان الذي بذل حهودا كبيرة ويبدو أن اعتبارات انتخابية داخل الولايات المتحدة حركته».

وهناك وثيقة في أرشيف الوكالة اليهودية تنقل عن وزير خارجية البرازيل وقتها قوله إن «الفضل بالمصادقة على التقسيم يعود لجهود ترومان المعلنة والخفية خاصة في الأيام الأخيرة قبيل التصويت والتي قاد فيها التغيير بموقف بلاده».

الضغط العربي

في المقابل, تقول الدراسة إن الجانب العربي حاول ممارسة ضغوط للحيلولة دون ولادة قرار تقسيم فلسطين.

وتشير إلى أن سفير مصر في الأمم المتحدة وقتها يوسف هيكل باشا حذر من تدهور مكانة اليهود في بلاده وفي البلدان العربية والإسلامية الذين يعيشون فيها بسلام ومساواة.

كما حاول سفير لبنان؛ كميل شمعون استباق التصويت بتقديم مقترح آخر يقضي بمنح اليهود كانتونا في فلسطين التي يقام فيها نظام فدرالي.

وأجاب سفير الولايات المتحدة هارشال جونسون على مقترح شمعون بالقول إنه عودة إلى مقترحٍ تبنته أقلية من الدول وتم رفضه.

أما مندوب الاتحاد السوفيتي؛ آندريه جروميكو فرفض هو الآخر مقترح سفير لبنان، وقال إن الدول العربية لم تطرح بديلا جديدا للتقسيم، لافتا إلى بحث ورفض فكرة الدولة الواحدة، داعيا للتصويت مع التقسيم فورا.
وبفضل دعم مندوبي واشنطن وموسكو رفض رئيس الجمعية العامة مناورات المماطلة العربية وتم التصويت على مشروع قرار التقسيم.

وشهدت عملية الاقتراع عدة مفاجآت منها تصويت فرنسا مع التقسيم بخلاف موقفها السابق، فيما امتنعت تشيلي بعدما اعتبر تأييدها للتقسيم مضمونا وجاء ذلك نتيجة ضغوط سكانها العرب.

واتهم مندوب السعودية الولايات المتحدة بالضغط على دول أمريكا اللاتينية.
يشار الى أن الدول التي صوتت ضد قرار التقسيم هي: كوبا، مصر، اليونان، الهند، العراق، لبنان، باكستان، السعودية، سوريا، تركيا، اليمن، أفغانستان وإيران. أما الدول التي امتنعت فهي: الأرجنتين وتشيلي والصين وكولومبيا، والسلفادور، إثيوبيا، الهندوراس، المكسيك، بريطانيا ويوغوسلافيا، أما تايلاند فغابت عن التصويت.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …