من رحمة الله بعباده أن يهل عليهم شهر رمضان بالطمأنينة والسكينة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ من السماء: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) الحاكم عن ابي هريرة.
رمضان شهر الرحمة
ومن الرحمة تنبعث الرقة والعطف والرأفة، وتقوى القيم الإيمانية والأخلاقية، فتتنامى المنافع وتتدافع الأضرار عند المسلمين، فيتحقق التكافل الاجتماعي بينهم في الدنيا، ويفوزون بالرحمة والمغفرة والعتق من النار في الآخرة، والحديث عن الرحمة في شهر رمضان يستوجب بيان العناصر الآتية:
أولا: معنى الرَّحْمَة لغةً واصطلاحًا
الرَّحْمَة لغةً: جاء في الصحاح للجوهري أن الرحمة: من رحمه يرحمه، رحمة ومرحمة، إذا رقَّ له، وتعطف عليه، وأصل هذه المادة يدلُّ على الرقة والعطف والرأفة، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا.
وقد تطلق الرَّحْمَة، ويراد بها ما تقع به الرَّحْمَة، كإطلاق الرَّحْمَة على الرِّزق والغيث .
ورحمة الله: عطفه، وإحسانه، ورزقه .
الرَّحْمَة اصطلاحًا: قال ابن القيم في “إغاثة اللهفان في تعريف الرحمن” إنها: صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية.
وأرحم الناس بك من أوصل إليك مصالحك، ودفع المضار عنك، ولو شق عليك في ذلك، فمن رحمة الأب بولده أن يُكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة بعض الأمهات .
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور قيل إن الرحمة هي: رِقَّة في النفس، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه.
ثانيا: مظاهر رحمة الله بعباده في رمضان
١- يحط الخطايا ويستجيب الدعاء وينزل الرحمة: روى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم الملائكة فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي المحروم من حرم فيه رحمة الله عز وجل.
٢- يخصهم بخمسة أشياء من دون سالف الأمم: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي:أما واحدة: فإنه إن كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم ومن نظر الله إليه لو يعذبه أبدا،
وأما الثانية: فإن خلوف فم الصائم – حين يمسي- أطيب عند الله من ريح المسك,
وإما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم كل ليلة,
وإما الرابعة: فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي فإنه يوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دار كرامتي,
وإما الخامسة: فإنه إن كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا. فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ قال: لا ، ألم ترَ إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وُفوا أجورهم”
3 – أن الله تعالى أكرم عباده المؤمنين بليلة القدر: وهي التي خصها الله سبحانه بمزيد من القدر والشرف، فأنزل فيها القرآن، ورفعها بذلك فوق أقدار الزمان، وجعلها موسماً للعبادات، وميقاتاً للبر والخيرات ينتظرها الصائمون كل عام يُمَجِّدُونَ فيها القرآن، ويستكثرون من الدعاء والطاعات، فهي ليلة خير من ألف شهر، من قام إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
ثالثا: مظاهر تراحم المسلمين وتكافلهم في رمضان
لما كان من سمات الرحيم أن يوصل إليك مصالحك، ويدفع المضار عنك، فإن شهر رمضان مدرسة للمسلمين تنمي الإيمان في النفوس وتعمق التقوى والورع في القلوب فتتهذب الجوارح وترتقي الأخلاق، وتوثق الصلات بين أبناء المجتمع فيتحقق التكافل الاجتماعي بينهم، وبيان ذلك:
أ – الصيام وسيلة لتهذيب الجوارح وارتقاء الأخلاق: في شَّهر رمضان تهجُّد وتراويح، ذكر وتسبيح، تلاوة وصلوات، جود وصدقات، أذكار ودعوات. الصَّوم مدرسة لتهذيب الجوارح وتهذيب الأخلاق وتقوية للإرادة وتهيئة للمؤمن لمواقف البذل والعطاء،
فالصيام إخلاص وصدق مع الله تعالى؛ ذلك أنَّه سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلع على ذلك غيره، وحقيقته ترك حظوظ النَّفس وشهواتها الَّتي جبلت على الميل إليها لله عزَّ وجل. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى: ( كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ) .
ولمَّا صار الصِّيام دليل إخلاص العبد، وعنوانًا على نَبْذِ كلِّ رياء، ومعقد السِّرِّ بين العبد وربِّه في الدُّنيا، أظهره الله في الآخرة علانيَّة للخلق، ليشتهر بذلك أهل الصِّيام، ويعرفون بطيب ريحهم بين النَّاس، جزاءً لإخفائهم صيامهم في الدُّنيا.
الصيام من أعظم أسباب التقوى؛ قد أبان الله سبحانه وتعالى أن الصوم من أعظم أسباب التقوى ( يأيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة: 183.
ومن وجوه التَّقوى في هذه العبادة العظيمة:
ـ أنَّ الصَّائم يترك ما حرَّم الله عليه من الأكل والشُّرب وسائر المفطرات الَّتي تميل النَّفس إليها، متقرِّبًا بذلك إلى الله تعالى، راجيًا ثوابه.
ـ أنَّ الصَّوم يورث العبد الخشية في قلبه، ويدرِّب نفسه على مراقبة الله تعالى في السِّرِّ والعلن، ومن ثم تكثر طاعته، ويتوقَّى الوقوع في المنكرات، ويتجنَّب ما يراه في مجتمعه من الآثام.
الصيام عصمة للمؤمن من الوقوع في المعاصي؛ فمن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل الصِّيام جُنَّة، يتوقَّى العبد به الآثام ويتستَّر به من النَّار، فإذا كفَّ العبد نفسه عن الشَّهوات في الدُّنيا كان ذلك ساترًا له من النَّار يوم القيامة.
رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله : صلى الله عليه و سلم، قال الله تعالى: (والصِّيامُ جُنَّةٌ فإِذا كان يومُ صومِ أحدِكم فَلاَ يرفُثْ ولا يصْخَبْ فإِنْ سابَّهُ أَحدٌ أو قَاتله فَليقُلْ إِني صائِمٌ، والَّذِي نَفْسُ محمدٍ بِيَدهِ لخَلُوفُ فمِ الصَّائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسك) .
فالتقرُّب إلى الله في حال الصَّوم بترك المباحات يورث العبد التقرُّب إليه بترك جميع المحرَّمات.
ب – وفي رمضان توثق الصلات ويتحقق التكافل الإجتماعي: عندما تتهذب جوارح المؤمن بالطاعة في رمضان وترتقي أخلاقه بالصوم، تقوى صلته بالأرحام وذوى القربى ويستشعر ألم الجوع والحرمان، فيسعى في قضاء حوائج المسلمين فيكفل اليتيم ويعطي الفقير ويقع التكافل بين أفراد المجتمع, ففيه يتم التزاور بين الأسر والعائلات والقبائل والعشائر بطرق ووسائل مختلفة لتقوية صلة الأرحام وذوى القربى، وهذا يقوي من الروابط بينها، ولقد أمرنا الله بذلك في رمضان وفى غيره، فقال سبحانه وتعالى: “وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ” الإسراء: ٢٦
وقوله صلى الله عليه وسلم: “ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذى الرحم اثنتان: صدقة وصلة” .
ومن أبواب الخير والبر في رمضان وفى غيره السعي على قضاء حوائج الناس، ولقد حث رسول الله على ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “من مشى في حاجة أخيه فأتمها له كان كمن اعتكف عشر سنين) متفق عليه، وأجاز الفقهاء أن يخرج المعتكف من اعتكافه لقضاء مصلحة أخيه.
ومن المعالم المميزة لشهر الصيام أن المزكين يؤدون زكاة الفطر طهرة لأنفسهم من اللغو والرفث، وطعمة للفقير والمسكين، وأصل ذلك من القرآن الكريم قوله تبارك وتعالى: ” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ, لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ” المعارج 24-25
وأوجب الإسلام على من لا يستطيع الصيام فدية طعام مسكين، يقول الله تبارك وتعالى:” أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ” البقرة: ١٨٤.
كما أوجب على من يفطر يوما عمدا في رمضان كفارة الصيام وهى إطعام ستين مسكينا أو عتق رقبة أو صيام شهرين متتاليين، وتساهم الفدية وكفارة الصيام في التوسعة على الفقراء والمساكين، وفي تحقيق التكافل الاجتماعي .
كما أن تبادل الهدايا المالية والعينية بين المسلمين بصفة عامة وفى مضان بصفة خاصة يساعد في تحقيق التكافل الاجتماعي وإيجاد المجتمع المتضامن، ولقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: “تهادوا تحابوا” رواه البخاري والبيهقي, وعن عائشة رضي الله عنها قالت :” كان رسول الله يقبل الهدية” رواه البخاري .
وعندما يصوم المسلم يستشعر بألم الجوع والحرمان، وهنا يتذكر حال اليتيم الفقير الذى ليس عنده ما يكفيه وهذا يحثه على كفالته، أو على أضعف الإيمان يكفله معنويا، ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما” (رواه البخاري) وهذا يقود إلى التكافل الاجتماعي .
وهكذا يتبين أن رمضان الكريم يحقق القيم الإيمانية في الصائمين الطائعين، فيقيم قيم الحب والأخوة والإيثار والتعاون التى غرسها الصيام في المسلم، ويساهم في تحقيق التكافل بين أفراد المجتمع، ويوثق العلاقات الاجتماعية بين الناس على مستوى الأسرة والعائلة والعشيرة والقرية والمدينة والدولة وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وبذلك يتحقق المجتمع المتكافل الفاضل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات