أسفر الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان العراق عن فوز المصوِّتين بنعم، وشروع بغداد وأنقرة وطهران في اتخاذ إجراءات عقابية ضد كردستان.
وبالرغم من التهديدات، لم يكن غريبًا أن يرى العديد من الأكراد الاستفتاء مناسبة للاحتفال.
وفي ضوء كل هذه المعارضة والتهديدات يثمر سؤال: لماذا أصرَّ بارزاني ومعسكره على عقد الاستفتاء؟ مركز الجزيرة للدراسات أجاب في دراسة نشرها على هذا السؤال موضحا:
بنى بارزاني حساباته، فيما يتعلق بتباين مواقف الأحزاب الكردية، على أساس أن ترحيب الرأي العام الكردي في الإقليم بالاستفتاء والسعي إلى الاستقلال عن العراق سيدفع المعارضين في النهاية إلى تغيير مواقفهم. وحتى إن لم تتغير هذه المواقف، فإن المعارضة لن يكون لها سوى تأثير طفيف على توجهات المقترعين، سواء عند الإدلاء بأصواتهم أو عند التصويت.
والواضح أن حسابات بارزاني في هذا الشأن كانت صحيحة نسبيًّا؛ إذ لم يلبث قادة الاتحاد الوطني وحركة التغيير، وحتى القيادات الإسلامية، أن تراجعت عن معارضتها صباح يوم الاستفتاء وذهبت بصورة لافتة للإدلاء بأصواتها.
لكن مواقف الساعة الأخيرة لم تكن كافية لكسب الرأي العام في السليمانية، التي وقعت طوال أسابيع تحت تأثير الخطاب المعارض للاستفتاء؛ وهذا ما جعل نسبة المقترعين في محافظة السليمانية أقل بكثير من محافظتي أربيل ودهوك.
بيد أن حسابات بارزاني الإقليمية كانت أكثر تعقيدًا؛ إذ تلقت أربيل دعمًا صريحًا من الدولة العبرية، حيث أعرب رئيس الحكومة الإسرائيلية طوال الشهور القليلة السابقة على موعد الاستفتاء عن تأييده لحق الأكراد في تقرير المصير ودعمه لبروز دولة كردية مستقلة في شمال العراق.
تصوَّر بارزاني ومؤيدوه أن الموقف الإسرائيلي سيعمل على تغيير المقاربة الأمريكية من الاستفتاء ومن الدولة الكردية الموعودة؛ بل إن بإمكان أربيل، في كل الأحوال، استخدام الموقف الإسرائيلي، ومخاوف تركيا وإيران من تحول الدولة الكردية إلى منطقة نفوذ إسرائيلي كبير، للتأثير على موقفي تركيا وإيران.
إضافة إلى ذلك، ثمة علاقات اقتصادية واستثمارية كبيرة بين كل من إيران وتركيا، من جهة، والإقليم الكردي، من جهة أخرى. وربما تصور معسكر بارزاني أن لا تركيا ولا إيران يمكن أن تضحي بعلاقاتها مع الإقليم، أو الاستثمارات الضخمة لشركاتها فيه.
حسب قادة أربيل أن الاعتراض الإيراني- التركي، ليس سوى شأن مؤقت، موجه للرأي العام الداخلي؛ وما إن يطمئن الإيرانيون والأتراك إلى أن الدولة الكردية لن تكون مصدر تهديد أمني، ولا بؤرة لحركة جامعة كردية، حتى يعودوا إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الجديد.
عارضت السعودية رسميًّا إجراء الاستفتاء حسب بيان لوزارة الخارجية على حسابها في تويتر، واتخذت الإمارات ذات الموقف، كما عبَّر عنه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، على حسابه في تويتر، لكن هناك شخصيات مؤثِّرة سعودية وإماراتية، قريبة من مركز صناعة القرار، رحبت بالاستفتاء، مما يشير إلى أن بعض الجهات في البلدين تُقدِّر أن انفصال الإقليم يُوقع أضرارًا فادحة بتركيا وإيران اللتين عارضتا الحصار المضروب على قطر.
الحقيقة، بالطبع، أن المشكلة الكبرى لبارزاني، وقيادة الإقليم الكردي، ليست في حسابات عقد الاستفتاء؛ فالاستفتاء في النهاية ليس أكثر من إجراء؛ وفي ضوء انتشار قوات البشمركة الواسع في شمال العراق وشرقه، بفعل شراكة الحرب ضد تنظيم الدولة، لم تكن هناك من عقبات تُذكر أمام العملية الإجرائية للاستفتاء. المشكلة فيما بعد الاستفتاء، وما إن كانت حسابات قيادة الإقليم الكردي لمواقف القوى الإقليمية صحيحة أم مبالغًا فيها.
في اليوم التالي على عقد الاستفتاء، علَّق الرئيس التركي على توجهات قيادة الإقليم الكردي العراقي بصراحة حادة وغير معهودة، فقال أردوغان إنه تصور في بداية الأمر أن بارزاني لن يقوم فعلًا بعقد الاستفتاء، معترفًا بأنه أخطأ التقدير, ولكنه قال أيضًا: إن الاستفتاء غير شرعي، وإن شمال العراق لا يخص الأكراد وحسب، بل والعرب والتركمان والسريان والأيزيديين، وغيرهم؛ وأن أحدًا لن يعترف بالاستفتاء إلا إسرائيل، وأن تركيا لن تسمح بقيام دولة إلى جوارها تتحول إلى قاعدة للجماعات الإرهابية.
في اليوم نفسه، تحدَّث على أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الخارجية وأحد أقرب الشخصيات لخامنئي، بصراحة لا تقل عن صراحة أردوغان. شكَّك ولايتي في شرعية إجراء استفتاء قامت به حكومة أربيل بدون إشراف من العراق أو مراقبة مستقلة، واتهم حكومة الإقليم بتزييف نسبة المشاركين في الاستفتاء ونتائجه. وأكد ولايتي على أن الشعب العراقي، موحدًا، سيواجه أية محاولة لتقسيم العراق، التقسيم الذي لن يخدم إلا مصالح إسرائيل والولايات المتحدة.
ولذا، فإن كانت كلمات أردوغان وولايتي تعني شيئًا، فلابد أن تقوم حكومة أربيل بإعادة تقدير العواقب.
مستقبل محفوف بالمخاطر
تعيش محافظات الأغلبية الكردية في شمال العراق حالة من الاستقلال النسبي عن بغداد منذ 1992 وتحولت إلى محمية أنجلوأمريكية في أعقاب حرب الخليج الأولى. لكن، وبالرغم من أن أكراد العراق تبنَّوا خيار المواجهة المسلحة مع بغداد منذ ثلاثينات القرن العشرين، وخاضوا سلسلة من الحروب المتقطعة مع الحكومات العراقية المختلفة, لم يكن لهم، في حسابات القوة، الحصول على حق الإدارة الذاتية بدون التدخل الأجنبي في شؤون العراق خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فبعد غزو العراق واحتلاله في 2003، تحول الحكم الذاتي الواقعي في شمال البلاد إلى إقليم حكم ذاتي، أقرَّه دستور العراق الجديد.
بيد أن الإقليم ما كان له أن يتخذ خطوة مثل استفتاء حق تقرير المصير، التي لا يختلف أحد على أنها بداية طريق الاستقلال، قبل عامين أو ثلاثة؛ فالحرب ضد تنظيم الدولة منذ صيف 2014، التي يقودها الأمريكيون، وفَّرت للإقليم إمكانات تسليحية هائلة، وأسَّست لشيء من شراكة حُسن النية بين أربيل وبغداد.
وبذلك، اتسعت سيطرة الإقليم العسكرية، لتتجاوز حدود 2003 بصورة كبيرة.
اليوم، تسيطر قوات البشمركة على كركوك، وأجزاء واسعة من محافظة ديالى، بما في ذلك مدينة خانقين الحدودية، وأجزاء لا تقل اتساعًا من محافظتي صلاح الدين ونينوى، على جانبي دجلة.
هذه مناطق متنازع عليها مع بغداد، ويفترض أن تنسحب منها قوات البشمركة وتعيدها لسيطرة الحكومة الاتحادية إلى أن يتم التوافق بين بغداد وأربيل حول حدود الإقليم.
لكن المؤكد أن حكومة بارزاني، الذي سبق أن قال عشية معركة تحرير الموصل من تنظيم الدولة: “إن حدود الإقليم تُرسم بالدم”، لن تنسحب بدون مواجهة مسلحة من هذه المناطق، سيما كركوك.
عقدة الكيان الجديد
في الحقيقة, لا تعتبر كركوك تاريخيًّا منطقة أغلبية كردية، بل تركمانية، ولم يتواجد الأكراد فيها إلا منذ الخمسينات، عندما أخذت صناعة النفط العراقي في الازدهار وأصبحت المنطقة بؤرة جذب للعمالة والباحثين عن الرزق.
أهمية كركوك لمستقبل الكيان الكردي تقع في موضع آخر, يُصدِّر الإقليم الكردي زهاء 600 ألف برميل من النفط يوميًّا، وعندما كان سعر برميل النفط يفوق المئة دولار، كانت عوائده كافية لسدِّ حاجات حكومة الإقليم، بل وإطلاق مناخ من الازدهار الاقتصادي.
لكن انخفاض سعر النفط إلى حوالي الخمسين دولارًا، وتوقع استمرار هذا المستوى من السعر لسنوات طويلة قادمة، بفعل المتغيرات الجوهرية في طرائق إنتاج مصادر الطاقة في العالم، يعني أن الإقليم لن يستطيع تدبير شؤونه الضرورية بمعدلات التصدير الحالية.
ولتوفير موارد كافية لوجود دولة مستقلة، لابد من السيطرة على كركوك، التي سترفع معدلات تصدير النفط في الكيان الجديد إلى حوالي المليون برميل يوميًّا.
وهنا تقع عقدة الكيان الجديد وعلاقته بالعراق وجواره.
لا بغداد، التي يُفترض أن تتحمل مسؤولية حماية مواطنيها وثروات بلادها، ولا أنقرة، التي تعتبر نفسها الوصي على تركمان المشرق، يمكن أن تتسامح في مصير كركوك.
وبجانب التهديد الذي تراه إيران وتركيا من قيام دولة كردية في قلب المشرق، فالأرجح أن أنقرة وطهران ستقومان بدعم بغداد وتأييدها إن اتخذت أي إجراء تراه مناسبًا لاسترداد كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، سيما تلك التي تعتبر مناطق تداخل إثني.
وربما هذا ما كان يقصده رئيس الحكومة العراقية في كلمته لضباط قيادة الجيش صباح 26 سبتمبر 2017، عندما قال إن حكومته مسؤولة عن حماية العراقيين كافة في أنحاء العراق، وإنها ستتخذ الإجراءات الأمنية الضرورية لتحقيق هذا الهدف.
وتؤكد مصادر موثوقة في بغداد أن الحكومة العراقية اتخذت بالفعل قرارها بالتقدم لفرض السيطرة الكاملة على كركوك وحقولها النفطية، بمجرد الانتهاء من تحرير حلبجة من سيطرة تنظيم الدولة.
وفي ظل التوافق العربي، السُّني- الشيعي، على مواجهة خطوات أربيل، ليس من الصعب رؤية سعادة قادة العراق الجديد؛ الشيعة، بمناخ الإحياء الوطني العراقي، الذي أطلقته أزمة الاستفتاء الكردي.
بيد أن أنقرة وطهران تملكان وسائل وطرائق أخرى لحصار الكيان الكردي وخنقه، إن اختارتا فرض عقوبات على أربيل، بداية من إيقاف تصدير نفط الإقليم عبر تركيا، وإغلاق الحدود البرية والجوية، ووضع قيود على حركة المواطنين والمسؤولين الأكراد.
ورغم استبعاد فرض مثل هذه العقوبات الثقيلة على الإقليم في المرحلة الحالية، فالأرجح أن ذهاب أربيل خطوة أخرى باتجاه إعلان الاستقلال سيقابَل مباشرة بعقوبات تركية وإيرانية.
لا يعيش العراق في فراغ أو عزلة؛ وكما دول المشرق الأخرى، يتصل مصير العراق بمصير جواره الإقليمي كله، من المتوسط إلى الخليج، ومن شواطئ البحر الأسود إلى بحر العرب.
وربما يكفي النظر إلى الأزمة السورية لرؤية الارتباط الوثيق بين مصائر دول المشرق وشعوبه.
ولأن المسألة الكردية هي في طبيعتها عابرة للحدود، فإن تفاقم الخلاف بين بغداد وأربيل قد يشعل النار في المشرق برمته.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات