لماذا تستمر أزمات الاستيراد وارتفاع الأسعار رغم التعويم؟

تستمر أسعار المنتجات في الارتفاع، ومنها السلع الغذائية الاستراتيجية والأدوية التي أعطتها الحكومة أولوية في الإفراجات منذ ديسمبر الماضي رغم احتفاء رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، قبل أكثر من شهر، بجهود حكومته في الإفراج عن بضائع محتجزة بالموانئ المصرية.

وزعمه أن هناك بضائع بقيمة 5.3 مليار دولار فقط لا تزال عالقة وقتها، بعد الإفراج عن سلع بقيمة تقترب من 14 مليار دولار بدءًا من ديسمبر الماضي.

وبحسب تصريحات نائب رئيس المجلس التصديري للطباعة والتغليف والورق، أحمد جابر، لـ«مدى مصر» فإن «الانفراجة في أزمة الإفراجات الجمركية استمرت أسبوعين أو ثلاثة فقط مع بداية مرحلة تحرير سعر الجنيه الجديدة، لكنها لم تكن على قدر ما كان السوق يحتاجه.

وتزامن بدء هذه المرحلة مع تصريحات حكومية عن التوسع في الإفراجات الجمركية» ثم توقفت كل هذه التصريحات.

مصادر من قطاعات تجارية وصناعية متنوعة تحدثت إلى «مدى مصر» الأيام الماضية شرحت أسباب الانفراجة المؤقتة، كما فسرت لماذا انتهت. بحسب المصادر، عاود السوق مواجهة الأزمة بعد الانفراجة المؤقتة بسبب استمرار نقص الدولارات وتبعات سياسات البنك المركزي لإدارة هذه الأزمة، لتستمر الأسعار في الارتفاع بمعدلات هائلة دون أفق واضح للحل.

يرجع رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية بالقاهرة، أشرف هلال، عودة الحديث عن الأزمة إلى أن كل ما قامت به الحكومة هو إفراج عن بضائع مُكدسة منذ أشهر، وهو ما احتفت به الحكومة حسب ما قاله لـ«مدى مصر»، إلا أنها تجاهلت أن الموانئ تدخلها آلاف الحاويات مُجددًا لتتفاقم من جديد أزمة عدم الإفراج الجمركي عن تلك الحاويات.

واتفق عدد من المصادر تحدثت إلى «مدى مصر» على أن الحكومة تعاملت مع أزمات الاستيراد والإفراج الجمركي من منطلق اقتصار استخدام الدولار على الضروريات. وبحسب هلال، ركزت الحكومة خلال هذه «الانفراجة» على توفير الدولارات للإفراج عن مستلزمات الإنتاج والأعلاف، على سبيل المثال، ولكن، السلع تامة الصنع لم يخرج منها سوى النذر اليسير، في ما يستمر احتجاز الجزء الأكبر منها بالموانئ.

ساهم ذلك بالفعل في تخفيف وطأة الأزمات التي عانت منها قطاعات استراتيجية، مثل قطاع الحبوب الذي شهد الشهر الماضي انخفاضًا في أسعار أغلب السلع، بعدما ارتفعت وتيرة الإفراجات الجمركية عن الحبوب بشكل استثنائي.

ورغم ذلك، ما زال قطاع الأعلاف يواجه فجوة في مستلزمات الإنتاج تتجاوز مليون طن، إذ تصل احتياجات مصانع الأعلاف شهريًا إلى 900 ألف طن، وفقًا لتصريح سابق، لثروت الزيني، نائب رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن.

رغم هذا، كانت الانفراجة مؤقتة وقصيرة إذ عاودت معدلات الإفراجات الجمركية عن الحبوب الانخفاض من جديد بعدها بأيام.

وخلال الشهر الجاري، لم يتجاوز معدل الإفراجات أكثر من 23 ألف طن من القمح والذرة الصفراء وكسب فول الصويا في اليوم الواحد، في مقابل معدلات تجاوزت 46 ألف طن، الشهر الماضي، وفقًا لبيانات صادرة عن هيئة الجمارك المصرية، اطلع عليها «مدى مصر»

انعكس الانخفاض على أسعار السوق بسرعة، وقفزت أسعار القمح، مرة أخرى، إلى 13 ألف و500 جنيه للطن الواحد في السوق المحلي، مقابل 11 ألف الشهر الماضي، حسبما قال الرئيس الأسبق لغرفة صناعة الحبوب، وليد دياب لـ«مدى مصر»

أما الذرة الصفراء فقد وصل سعرها إلى 16 ألف جنيه للطن، بعد استقراره عند 11 ألف و500، الشهر الماضي. وارتفع كسب الصويا أكثر من ألف جنيه خلال أيام ليصل إلى 29 ألف جنيه للطن.

انعكس هذا على معدلات التضخم. بحسب البيانات الرسمية، بلغ معدل التضخم أعلى مستوياته منذ خمس سنوات، إذ سجل التضخم السنوي 26.5%، وقفز التضخم الشهري خلال يناير الذي وصل 4.9% مقارنة بديسمبر، واقترب تضخم المواد الغذائية من 50% سنويًا.

يأتي ذلك رغم استمرار تراجع أسعار المواد الغذائية في السوق العالمي على نحو لم ينعكس على السوق المصري، الذي يعتمد على استيراد الكثير من تلك المواد الغذائية. متوسط مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء «فاو» انخفض، في يناير الماضي، بمقدار 1.1 نقطة (0.8%) عن ديسمبر الماضي، وهو انخفاض مستمر للشهر العاشر على التوالي.

الأغذية لم تكن وحدها المتأثرة بالأزمة أحد أهم الأولويات لتوفير الدولار للإفراجات الجمركية كان قطاع المستلزمات الطبية والذي يشمل مستلزمات إنتاج وسلع تامة الصُنع. رئيس الشعبة، محمد إسماعيل، قال لـ«مدى مصر» إنه رغم الإفراج عن عدد من الشحنات، خلال الشهرين الماضيين، إلا أن استيراد أي شحنات جديدة ليس متاحًا وأن البنوك تطلب منهم الانتظار إلى وقت غير معلوم. حتى القطاعات الصناعية، التي تقوم على استيراد مواد خام وتصدير منتجات تامة الصنع، لم تسلم من تجدد الأزمة مرة أخرى.

نائب رئيس المجلس التصديري للطباعة والتغليف والورق، أحمد جابر، قال لـ«مدى مصر» إن الحكومة نظرت للإفراجات الجمركية من وجهة «ضيقة»، وهو الأمر الذي ساهم في عدم استقرار الأسعار، وهو ما أوضحه جابر بقوله: «الحكومة توجهت بأسئلتها لاتحادي الغرف التجارية والصناعات طالبة منهما معلومات حول السلع الغذائية المتعطلة. لكن السؤال ارتكز على وجهة نظر ضيقة، بالنظر إلى المواد الغذائية نفسها دون اعتبار لمستلزمات التغليف والطباعة على سبيل المثال، لذلك فالإجابة أيضًا كانت قائمة على هذا السؤال واقتصرت على السلع الغذائية فقط، فخرجت السلع لكن بقيت مستلزمات التغليف في الموانئ مُعطلة»

بالإضافة إلى ذلك، فمن وجهة نظر جابر، ركزت الحكومة على الشحنات الكبيرة فقط ومنحتها الأولوية، وأغفلت الشحنات الأصغر، رغم تأثيرها الكبير على الأسعار إذا كانت مرتبطة بقطاعات شهدت شحًا كبيرًا في العرض. «الإفراجات، مثلًا، لم تطل الورق اللاصق الذي يُستورد في شحنات أصغر وبأسعار أقل، ويعتمد عليه السوق المحلي في التعبئة والتغليف» بحسب جابر.

رئيس شعبة الصناعات الهندسية، محمد المهندس، قال لـ«مدى مصر» إن المستوردين يتحملون خسائر مالية كبيرة في ظل استمرار الأزمة. «المستورد أودع قيمة الشحنة بالجنيه لدى البنوك قبل شهور وانتظر توفير الدولار من قِبل البنوك. لكن تغيّر سعر الصرف أكثر من مرة، يُجبر المستورد على إيداع مبالغ مالية إضافية بالجنيه لتعادل قيمة الشحنة المُقدرة بالدولار. ومع ذلك لا تزال البنوك ممتنعة عن تدبير الدولار وتحويل مستحقات الموردين بالخارج»

ونتيجة تأخّر البنوك في تحويل مستحقات الموردين بالخارج، خسر عدد كبير من المستوردين من مختلف القطاعات علاقاتهم الجيدة مع الموردين بالخارج. وفي بعض الأحيان، قرر بعض الموردين تحويل الشحنة إلى دولة أخرى وبيعها هناك، بينما يظل المستورد ملزمًا بسداد كل الغرامات والمستحقات لشركات الملاحة ومصلحة الجمارك طوال فترة وجود الشحنة بالموانئ المصرية، بحسب المهندس.

وأضاف إلى ذلك رئيس شعبة السكر والحلوى باتحاد الصناعات، حسن الأفندي، أنه نتيجة للمماطلات من جانب البنوك، يدفع المستوردون مقابل عن التأخر في تفريغ الحاويات لشركات الملاحة المالكة لهذه الحاويات، وتُدفع هذه الغرامات بالدولار أو اليورو، بحسب الأفندي الذي أوضح أن الغرامات لشركات الملاحة تتصاعد أسبوعيًا، وذلك بالإضافة إلى ما يتم دفعه بالجنيه إلى شركات التخزين بالجمارك في صورة أرضيات وحراسات عن الشحنات، وهو ما يرفع من التكلفة بشكل كبير ويعطل دورة رأس المال مُسببًا خسائر فادحة.

عبّر عن تلك المعوقات مؤشر ستاندرد آند بورز جلوبال لمديري المشتريات، والذي أشار إلى انكماش نشاط القطاع الخاص غير البترولي للشهر الـ26 على التوالي في يناير الماضي، نتيجة لارتفاع تكاليف شراء المواد الخام بأسرع وتيرة لها في أكثر من أربع سنوات، حيث تسبب انخفاض قيمة الجنيه إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما دفع الشركات لتخفيض مشترواتها من المواد الخام بأكبر وتيرة لهم في تاريخ مسح مؤشر مديري المشتريات الممتد على مدار 12 عامًا.

نتيجة لذلك، نُقلت التكاليف الزائدة إلى أسعار السلع في السوق للمستهلك، بحسب عدد من المصادر تحدثت إلى «مدى مصر» فالجميع يُحمل تلك التكاليف على السعر النهائي، ما يُنذر باستمرار ارتفاع التضخم خلال الفترة المُقبلة، وهو ما قد يتفاقم أيضًا مع اقتراب موسم الاستهلاك السنوي في شهر رمضان (مارس المقبل).

بالإضافة إلى ذلك، عضو الجمعية العمومية لشعبة المستوردين، فتحي الطحاوي، قال لـ«مدى مصر» إن موجة التضخم الحالية ترتبط جزئيًا بالمضاربة على أسعار السلع بسبب شح العرض منها بسبب الاستيراد، بالاضافة إلى تحميل التجار تكلفة التباطؤ في دورة رأس المال الناجم عن الاستيراد البطئ على أسعارها. كما أوضح الطحاوي أن اضطرار التجار للاستيراد شحنة واحدة سنويًا، يجعلهم يرفعون أسعار السلع في السوق ليحققوا الأرباح التي اعتادوا تحقيقها من قبل حينما كان في استطاعتهم الاستيراد أكثر من مرة.

كان ذلك أحد الأسباب التي دفعت البنك المركزي إلى العودة لنظام مستندات التحصيل. فقبيل نهاية العام الماضي، قرر «المركزي» السماح بالاستيراد عن طريق مستندات التحصيل، لتيسير عمليات الاستيراد التي قُيدت بشدة خلال الجزء الأكبر من العام الماضي، بعدما قصر «المركزي» الاستيراد على الاعتمادات المستندية فقط.

وتُلزم الاعتمادات المستندية المستوردين بسداد قيمة الشحنة كلها عند التعاقد، فيما يسمح نظام مستندات التحصيل بسداد جزء فقط من قيمة الصفقة عند التعاقد ثم استكمال السداد بعد بيع السلع بنظام الآجل، وهو ما يسمح بالإفراج عن المزيد من الشحنات دون استنزاف الدولارات الموجودة بالسوق المحلي.

لكن، أتى قرار «المركزي» بالتزامن مع تخفيضات متواترة في قيمة الجنيه المصري من أجل الوصول بسعر العملة المحلية لسعر عادل، فتراجعت قيمة الجنيه من 24.7 مقابل الدولار تقريبًا مطلع الشهر إلى أكثر من 30 جنيهًا في نهايته، ثم إلى 30.48 في فبراير. بحسب الخبراء، كان يُفترض من تلك الخطوات توفير سيولة من العملة الصعبة للإفراج عن البضائع المتراكمة في الموانئ والمساهمة في ضبط أسعار السلع. لكن أي من ذلك لم يحدث.

السبيل الوحيد لاستقرار الأسعار، بحسب رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بالغرفة التجارية بالقاهرة، أشرف هلال، هو عودة التدفقات الدولارية في البنوك مهما كان السعر. «تعويم الجنيه لم يأتِ بفائدة على السوق، لأن البنوك لسه مش قادرة توفر دولار»، بحسب هلال.

لا خطة حكومية

حتى الآن، لا يبدو أن الحكومة وضعت خطة مُحكمة لتوفير تدفقات دولارية بشكل مستدام، خاصة مع تعثر استيراد مستلزمات الإنتاج اللازمة لتصدير منتجات تامة الصنع مقابل عائد من العملة الصعبة.

وأشار صندوق النقد الدولي في وقت سابق إلى أن موافقته على القرض الجديد لمصر جاءت بعد تعهدات من «شركاء» للسلطات في «القاهرة» بمساعدة الاقتصاد المصري، وبشكل خاص من دول مجلس التعاون الخليجي التي تعهدت بعدم المطالبة بودائعها البالغة 28 مليار دولار في البنك المصري حتى 2026.

وبجانب الودائع، أشار الصندوق إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تعهدت أيضًا بشراء أصول ستطرحها الحكومة المصرية تباعًا خلال السنوات القادمة، بما في ذلك أصول بقيمة 4.6 مليار دولار خلال العام المالي القادم، يتبعها أصول بقيمة 1.8 مليار دولار في 2024-2025.

وفي رأي المحلل الاقتصادي لدى بنك جولدمان ساكس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فاروق سوسة، فإن تعديل سعر صرف الجنيه أمام الدولار لم يكتمل بعد، متوقعًا أن يرتفع السعر الرسمي للدولار ليقترب من 35 جنيهًا للدولار، وهو الأمر الذي يُنذر بمزيد من الارتفاع في الأسعار.

«كل طلعة شمس التكلفة هتزيد، لأن القروض اللي المستوردين اشترت بها البضاعة مركونة في البنك مستنية تدبير العملة، والبضاعة مركونة في الموانئ، وكل يوم بيتأخر المستورد في فلوس بتدفع للمورد غرامة تأخير سداد، وفيه فوايد على القروض، وفيه فلوس مخازن، فكل يوم انتظار بيعلّي الأسعار» بحسب تصريحات مستورد الحبوب، هشام سليمان لـ «مدى مصر»

شاهد أيضاً

25 ألف صهيوني اقتحموا الأقصى خلال النصف الأول من 2026

اقتحم 144 مستوطنًا، اليوم الخميس، باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة باب المغاربة، تحت حماية …