لماذا يتخوف السعوديون من مخاطر اكتتاب أرامكو؟

على مدى أكثر من نصف قرن، صعدت السعودية والنفط الخام معًا كشريكين لا ينفصلان، لكن ربما يكون هذا الحال على وشك أن يتغير، بعد إعلان السعودية “رؤية 2030″ وتوجه المملكة للتخلي عن الاعتماد على صادرات النفط، وبدء العملية بجدية في العام المقبل بخطة لبيع حصة من شركة ” أرامكو” للنفط المملوكة للدولة.

ومنذ إعلان ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في يناير 2016، عن خطط لخصخصة حصة 5% من «أرامكو »، عملاق النفط العالمي، والجدل لم يتوقف بشأن مدى رجاحة تلك الخطوة، وهل تصب في صالح المملكة من عدمه، ويتساءل آخرون كذلك: الآن وبعد 37 عاما من تملك «أرامكو السعودية»، لماذا تريد السعودية بيع حصة منها؟

ورغم سيل الإشادات بالخطوة، والتي تأتي في الغالب من مسؤولين سعوديين لا يملكون دون شك رأيا مخالفاً، إلا أن الأمر لا يخلو من انتقادات عديدة وصلت إلى حد اعتبار الخطوة «خيانة» و«تفريطا» في مقدرات الوطن، وعملية تمنح الشركات الأجنبية الفرصة لاستعادة السيطرة على النفط السعودي بعد كفاحٍ لتحرير تلك الصناعة من سطوة المستثمر الأجنبي، تكلل بالنجاح مطلع ثمانينات القرن الماضي.

 

تشكيك في رجاحة الفكرة

التخوفات من خطوة خصخصة «أرامكو السعودية» لا تقتصر فقط على المشاعر الوطنية، وإنما تمتد أيضاً إلى التشكيك في مدى رجاحة الفكرة في حد ذاتها.

فوفق هؤلاء، وُضعت سياسات خصخصة «أرامكو» على أساس أهواء الأمير محمد بن سلمان (31 عاماً) المعروف عنه ضعف الخبرة الاقتصادية الكافية، والتفاف فيلق من المستشارين الغربيين ومضاربي الاستثمار حوله بدعوى تمتين وجوده في السلطة ودورهم في صياغة «رؤية 2030» – التي كان بندها الرئيسي خصخصة جزء من أسهم أرامكو- بناءً على دراسة مقدمة من  شركة «ماكينزي» الأمريكية للاستشارات.

أيضاً تتصاعد التخوفات من أن مساعي الأمير الشاب نحو عرش المملكة خلفاً لوالده؛ الملك (81 عاماً) قد تدفعه إلى مزيد من التنازل عن حصص «أرامكو»، للقوى الكبرى، وخاصة للحليف الأمريكي الذي لا يخفي رئيسه الجديد دونالد ترامب علناً طمعه في ثروات الخليج، وهناك تقارير تحدثت عن رغبة «بن سلمان» في رفع نسبة الخصخصة في «أرامكو» إلى 49% خلال 10 سنوات.

ولا أدل على ذلك، من توجه السعودية – التي يديرها اقتصادياً كذلك «بن سلمان» – نحو شراء المزيد من السندات الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة رغم التهديدات التي تواجه استثمارات المملكة في الولايات المتحدة بسبب قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، المعروف باسم «جاستا»، الذي تم إقراره في سبتمبر 2016، ويتيح لذوي ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 طلب تعويضات من السعودية على خلفية تورط عدد من مواطنيها في تلك الهجمات لدفع التهديدات التي تتعرض لها المملكة. 

التجارب الدولية

التجارب الدولية السابقة تعزز، كذلك، التخوفات من خطوة خصخصة «أرامكو السعودية», والنموذج العراقي خير مثال؛ فقد كان العراق في مقدمة الدول التي أممت نفطها في القرن الماضي، قبل أن يفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات الأمريكية والبريطانية بعد حرب الخليج الثانية التي أطاحت بنظام صدام حسين، وها هو الآن يعاني مالياً بشدة، ويتسول الدعم المالي من دول العالم.

أيضاً، يقول البعض إن الزمن الحالي ليس زمن الخصخصة؛ فحتى الدول الأوروبية تراجعت عن شركات وبنوك كانت قد خصخصتها وأعادت تملكها، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008.

ومحلياً، لا يخفى اقتصاديون سعوديون قلقا بشأن نجاح هذه الخطوة؛ إذ يرون أن المملكة تفتقر لتجربة خصخصة ناجحة يمكن اتخاذها نموذجا يحتذى به، ويخشون تكرار تجربة خصخصة قطاع الكهرباء التي مرّ عليها 12 عاما، وما زالت تعاني الفشل.

ويزداد قلق الاقتصاديين بشكل خاص حول «أرامكو» نظرا لضخامتها وتعدد نشاطاتها؛ فهي بشكل عام تشرف على عشرات من الأنشطة العملاقة مثل الاستكشاف والتنقيب عن النفط وإنتاجه.

ورغم أنه من المفترض أن يتم تقديم العروض على اكتتاب «أرامكو» في عام 2018، لكن الظروف لا تبشر بتعافي أسعار النفط بحلول هذا التاريخ؛ فاتفاق خفض الانتاج معرض للانهيار.

وهناك منافسون إقليميون, مثل إيران يريدون إيقاع أكبر خسارة بالمملكة؛ فربما يزيد هؤلاء إنتاج الخام في التوقيت المقترح لبدء الاكتتاب، بهدف تعميق خسائرها.

قانون «جاستا» يمثل، أيضاً، عامل مخاطرة بالنسبة للمستثمرين الراغبين في شراء أسهم في «أرامكو»، التي تتوزع أنشطتها في أماكن مختلفة من العالم وبينها الولايات المتحدة، صاحبة الأذرع الطويلة، ومن ثم فهو يساهم في تخفيض قيمة الشركة.

مقامرة غير مضمونة 

إضافة إلى ما سبق، فإن التفاوت الكبير في قيمة أرامكو، حسب تقديرات الشركات الاستشارية الأجنبية وتقديرات المسؤولين السعودية؛ يجعل الأمر يشبه المقامرة غير المضمونة بشركة تعد العمود الرئيسي – حتى الآن – لاقتصاد المملكة؛ حيث مولت “أرامكو” نحو 77% من ميزانية الحكومة السعودية في العام 2015.

هذا التفاوت يعود في جزء كبير منه لوضع الشركة التي ظلت بياناتها المالية بعيدة عن الشفافية لعقود طويلة.

فقبل قرار خفض الضرائب التي تدفعها «أرامكو» للدولة من أرباحها من 85 % إلى 50 % في 27 مارس الماضي، كانت أكبر التقديرات تشير إلى أن قيمة الشركة تبلغ 400 مليار دولار، رغم أن «بن سلمان» يقدر قيمة الشركة بأكثر من تريلوني دولار.

لكن بعد قرار خفض الضرائب، رفعت شركات الاستشارات العالمية تقديراتها للشركة إلى ما يتراوح بين 1,5 – 2 تريليون دولار.

ورغم ذلك، يظل هذا الرقم بحده الأقصى أقل بكثير من تقديرات الأمير محمد.

كما أن خفض الضرائب في حد ذاته، وإن كانت خطوة يتوقع أن تساهم في زيارة إقبال المستثمرين على شراء أسهم الشركة ورفع قيمتها، إلا أنها على المدى الطويل ستقلل من العوائد المالية التي ستحصل عليها الدولة .

وقد لا تستطيع المملكة مستقبلاً العودة في قرار خفض الضرائب؛ فرأس المال لا يلعب، وبالتأكيد ستكون هناك شروط للتأكيد على عدم العودة في مثل هذا القرار.

إذن أنت تخاطر بعائد مجزٍ مستمر مقابل الحصول على مبلغ كبير من المال، لكن لمرة واحدة من بيع حصة في «أرامكو السعودية».

 

القوة الناعمة للسعودية

وبخلاف التأثيرات الأخرى لقرار الخصخصة والذي قد يوثر على الوظائف في شركة تشغّل مئات الآلاف من المواطنين، يصف محللون هذا القرار بأنه المسمار الأخير في نعش منظمة «أوبك»؛ أحد أهم عناصر القوى الناعمة للمملكة.

فالسعودية صاحبة الكلمة العليا في أوبك ربما لن تتمكن – بعد إتمام خطوة الخصخصة – من السيادة الكاملة على سياساتها النفطية دون الرجوع للمستثمرين الأجانب – الشركاء المستقبليين في «أرامكو السعودية» – وهؤلاء لن يكون موقفهم بالتأكيد مثل موقف المملكة الذي يكون دافعه في كثير من الأحيان سياسيا وليس اقتصاديا.

خطط «بن سلمان» لخصخصة «أرامكو السعودية»، حسب مراقبين، قد تجلب الوبال ليس على المملكة فقط، بل أيضاً على الأشقاء الخليجيين؛ إذ قد تزيد شهية الحليف الأمريكي نحو النفط الخليجي؛ خاصة أن ترامب لا يخفي طمعه في ذهب الخليج الأسود؛ حيث تحدث علنا عن ذلك طيلة حملته الانتخابية، فهو لا يفهم سوى لغة المال والمساومات.

فالرجل الجالس في البيت الأبيض قد يمارس ضغوطاً على دول خليجية أخرى لدفعها نحو خطوات خصخصة في قطاعها النفطي، ومنح الشركات الأمريكية الحصة الأكبر من ذلك؛ ليتقاسم معها أهم مواردها الذي ظل لسنوات أحد أهم عناصر أمانها، وطوق النجاة في عالم تتقاذفه أمواج الأزمات الاقتصادية.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …