رغم إعراب زعيم التيار الصدري في العراق؛ مقتدى الصدر عن معارضته للمقاطعة الدبلوماسية والاقتصادية التي تقودها السعودية ضد قطر، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون ضيفًا على السعودية بعد أيام من تصريحاته تلك.
الزيارة حظيت باهتمام القوى السياسية والشعبية العراقية، بين ترحيب بفتح صفحة جديدة من التقارب بين السنة والشيعة، وبين متحفظ ومشكك لأسباب سياسية، في حين يرى مراقبون أن السعودية تلعب على كل الحبال, بجسات نبضها لأحد أوردة ضخ الدماء الشيعية في الجسد العراقي، وفي الوقت الذي يلفظ فيه مايسمى بتنظيم الدولة أنفاسه الأخيرة هناك، لتقيم علاقات مع الزعماء الشيعة العراقيين وتقدم المساعدة في تمويل إعادة إعمار الموصل وغيرها من المدن الإسلامية ذات الغالبية السنية التي دُمرت في الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة.
ويرى آخرون أن اتصالات السعودية مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي, الذي زار السعودية في 19 يونيو الماضي, ومع مقتدى الصدر، الذي التقى ولي العهد السعودي؛ محمد بن سلمان، محاولةٌ لاحتواء النفوذ الإيراني الكبير في العراق، فضلا عن الدور التنافسي لإيران في الأزمة الخليجية.
اعتراف بالنفوذ
ويشير التواصل السعودي أيضًا إلى اعترافٍ سعوديٍ نادر بأنّ النفوذ الإيراني حقيقة واقعة في دائرة مفرغة من الحروب بالوكالة.
وأعرب إبراهيم المري، العقيد السعودي المتقاعد والمحلل الأمني، عن توقعاته تجاه الاتصالات السعودية، مشيرًا إلى أنّ التحسن الكبير في العلاقات السعودية العراقية الرسمية وغير الرسمية لا يعني أنّ سيطرة إيران قد انخفضت أو تنخفض في العراق. ويتوقع التعامل مع كل التيارات السياسية في العالم العربي من بلدٍ بحجم المملكة ومكانتها.
وفي لبنان, يؤكد التواصل السعودي مع مختلف الأطراف، على الرغم من تصنيف السعودية لميليشيا حزب الله كمنظمة إرهابية، على اختيار المملكة المشاركة بدلًا من المواجهة.
وفي فبراير الماضي ألغت المملكة قرار إلغاء المساعدات العسكرية السنوية بقيمة 3 مليارات دولار للبنان، حيث يمثل حزب الله أحد أهم القوى السياسية في البلاد ويشكل جزءًا من الحكومة، وعينت سفيرًا جديدًا هناك، وألغت نصيحتها للسعوديين بعدم زيارة لبنان، وهي وجهة سياحية سعودية شهيرة، وزادت الرحلات الجوية إلى بيروت بواسطة الناقل الوطني، ورحبت بالرئيس اللبناني ميشيل عون، الحليف المسيحي لحزب الله، في زيارة للمملكة.
وقد التقى محمد بن سلمان, مقتدى الصدر, في حين كانت قوات الأمن تعتقل النشطاء الشيعة في المنطقة الشرقية، وكانت وزارة الداخلية السعودية قد ذكرت في وقتٍ سابقٍ أنّ ضابطًا من الشرطة قد قُتل وأُصيب ستة آخرون بجروح، عندما تعرضت دوريتهم لهجومٍ في بلدة العوامية، وكانت العوامية موطنًا للشيخ نمر النمر، الذي أدى إعدامه في أوائل عام 2016 إلى تمزق العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية.
قبيل الانتخابات
ويأتى التواصل السعودي مع القادة العراقيين قبل الانتخابات العراقية الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في العام القادم، وقد اكتسبت زيارة الصدر إلى جدة أهمية إضافية بسبب معارضته لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي يُعتبر على نطاقٍ واسعٍ من الأصول الإيرانية الرئيسية. وأثارت الزيارة تساؤلاتٍ حول الدور الذي قد يرغب الصدر في لعبه في مواجهة النفوذ الإيراني بالتعاون مع المملكة.
ويأمل الصدر والعبادي في أن يكون للمملكة دورٌ أكبر من المساعدة في تمويل إعادة بناء المدن التي يغلب عليها الطابع السني، والتي تعرضت للخراب من قبل الحملة ضد تنظيم الدولة، ولكن أيضًا في بناء الجسور مع مجتمع السنة، الذي تم تهميشه منذ الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003. ويعتقدان أنّ السعودية لن تكون قادرة على الاستفادة من نفوذها المالي فحسب، ولكن الاستفادة أيضًا من حقيقة أنّ العديد من القبائل السنية العراقية تشترك في النسب مع العشائر السعودية.
ويشير بعض المتفائلين إلى أنّه قد يكون هناك المزيد من التحركات السعودية، ويضعون في احتمالاتهم أن يبحث محمد بن سلمان عن قناة تواصل جديدة مع إيران، وهو دورٌ يمكن أن يؤديه الصدر، باعتباره أحد السياسيين العراقيين الشيعة القلائل الذين لديهم علاقات معقولة مع كلا الطرفين.
وعلى الأرجح، يرى “بن سلمان” فرصة لاستغلال الخلافات داخل المجتمع الشيعي العراقي تجاه إيران، وحاجة الحكومة للمساعدة في بناء الجسور مع مواطنيها السنة.
لكن كما قال جوان كول، الباحث الأكاديمي في شؤون الشرق الأوسط: «هناك شيءٌ واحد مؤكد، لم يسعَ السعوديون لدعوة رجل دين شيعي عراقي كبير إلى جدة لمجرد الاستفسار عن صحته».
اعتراف سعودي بالخطأ
وقال صلاح العبيدي المتحدث باسم مقتدى الصدر، إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اعترف خلال لقائه زعيم التيار الصدري، بوجود أخطاء في الإدارة السعودية السابقة، وأكد الطرفان على ضرورة تلافيها.
وأضاف العبيدي، في تصريحات صحفية الثلاثاء الماضي، أن الصدر وبن سلمان اتفقا على تغليب لغة الاعتدال والتخلص من الخطاب الطائفي، مشيرا إلى أن التدخل الإيراني والسعودي والتركي في الشأن العراقي كان سلبيا.
وأوضح أن إيران تبحث عن مصالحها في العراق.. ولن نعطِ فرصة لأي طرف لأن يحقق مصالحه على حساب المصالح العراقية، بحسب «القدس العربي».
يذكر أن مقتدى الصدر وصل إلى مدينة جدة مطلع الأسبوع الماضي بعد تلقيه دعوة رسمية لزيارة السعودية، وكان في استقباله السفير ثامر السبهان وزير الدولة لشؤون الخليج العربي.
وجاء في بيان صادر عن مكتب الصدر: «إننا استبشرنا خيرا فيما وجدنا انفراجا إيجابيا في العلاقات السعودية العراقية، ونأمل أنها بداية الانكفاء وتقهقر الحدة الطائفية في المنطقة العربية الإسلامية».
وقال مصدر سياسي في التيار الصدري إن زيارة الصدر للسعودية تأتي تأكيداً منه على أهمية إعادة العلاقات بين السعودية والعراق.
وأضاف المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه أن الصدر من رجال الدين الشيعة القلائل في العراق الذين يطالبون بضرورة إقامة علاقات متوازنة مع كل دول الجوار.
وأشار إلى أن الاتجاه العام للصدر يتمحور حول السعي لإزالة الفكرة المأخوذة عن العراق بأنه بلد يدور في فلك إيران، مضيفا أن الصدر يخالف التوجه الإيراني في العديد من قضايا المنطقة، ولا سيما الوضع في سوريا.
وعن الوضع الداخلي العراقي، قال المصدر إن إيران تسعى لتقوية شوكة الحشد الشعبي على حساب القوات التابعة للحكومة، لكن الصدر يرفض هذا التوجه، وطالب مراراً بحل الحشد ودمجه بالقوات الرسمية عند انتهاء الحرب ضد داعش.
واتخذ الصدر في الآونة الأخيرة مواقف أوحت باستقلاليته عن النفوذ الإيراني، وهتف أنصاره عدة مرات ضد الوجود الإيراني في العراق وآخر زيارة قام بها الصدر للسعودية كانت عام 2006, ويتزعم ما يعرف بالتيار الصدري في العراق، والذي يشغل 34 مقعداً في مجلس النواب، فضلاً عن فصيل مسلح يحمل اسم (سرايا السلام)، وهو واحد من فصائل الحشد الشعبي الشيعي الذي يقاتل إلى جانب القوات الحكومية ضد تنظيم «الدولة».
ويُذكر كذلك أن السعودية فتحت سفارتها في بغداد عام 2015 بعد نحو ربع قرن من إغلاقها إثر غزو القوات العراقية للكويت عام 1990.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات