المتابع لتصريحات السعودية تجاه قطر يلاحظ تعمد التقليل من شأن قطر بكل المعايير, ولكن هناك العديد من الطرق التي يمكن بها لهذه الأزمة الأخيرة بين البلدين أن تتسبب في الإضرار بمصالح السعودية؛ أكبر مصدّر للنفط في العالم، حتى لو فازت في معركتها.
لقد مارس السعوديون وحلفاؤهم ضغوطا على قطر تضمنت قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حصار بري وبحري وجوي, وكان الهدف المعلن هو إجبار قطر على الرضوخ للسياسة السعودية.
وللخلاف مع قطر في منطقة الخليج تاريخ طويل, ولكن حجم الأزمة الحالية غير مسبوق، كما أنها اندلعت في وقت تتمزق فيه المنطقة بالحروب. وقد انتشر الخلاف الآن إلى الدائرة الداخلية لملوك الخليج، في الوقت الذي يسعى فيه السعوديون وأميرهم الصغير «محمد بن سلمان» إلى الاستثمار الأجنبي من أجل تحديث الاقتصاد الذي يعتمد على النفط.
ووفقا لـ«يزيد صايغ»؛ الزميل في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، فإن أكثر ما يثير القلق هو أن «السعودية والإمارات العربية المتحدة تكرران نفس الأخطاء التي ارتكبتاها عندما اتخذتا قرار الحرب في اليمن».
ويضيف صايغ : «لم تكن لديهما استراتيجية سياسية واضحة، واستندتا إلى افتراضات خاطئة، وتكبدتا تكاليف مالية باهظة وتسببتا في خسائر بشرية متفاقمة، وهما اليوم في حالة أسوأ على الصعيد الأمني».
وكما هو الحال في الاشتباكات الإقليمية الأخرى، فإن القوى الخارجية يتم جذبها إلى الخلاف الخليجي، لكن ليست كلها تقف على الجانب السعودي.
قام الرئيس الامريكى ترامب الذي زار المملكة الشهر الماضي بالتغريد ثم التصريح دعما للحملة التي تقودها السعودية, بيد أن وزارة الدفاع (البنتاجون) ووزارة الخارجية اتخذتا موقفا أكثر حيادا.
ودعا وزير الخارجية «ريكس تيلرسون» مؤخرا إلى تخفيف الحصار قائلا إنه يسبب نقصا في الغذاء ويعوق الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، حيث تستخدم قوات التحالف القاعدة الجوية في قطر بكل مكثف لشن حملاتها.
وقد عجلت تركيا بخطط سابقة لنشر بعض القوات في قطر، وعرضت إيران طرق نقل بديلة وإمدادات من السلع الأساسية التي لم يعد من الممكن استيرادها من السعودية، وهذا الدعم يقلل من فرص السعودية في تحقيق انتصار سريع.
ويقول «بول سوليفان» المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون في واشنطن: «إن تركيا لديها جيش قوي وبإمكان إيران إرسال الماء والغذاء وهما قوتان كبيرتان تدعمان قطر».
التصعيد
من وجهة النظر السعودية، كانت قطر تثير المتاعب في كل مكان, ويشمل ذلك تشجيع جماعة الإخوان المسلمين التي لا يحبها ملوك الخليج بسبب دعوتها إلى نظام إسلامي من خلال صناديق الاقتراع. كما أن الدوحة احتفظت بعلاقات ودية مع طهران التي تتشارك معها حقل غاز عملاق، وهي تستضيف وترعى شبكة الجزيرة التي تنتقد حلفاء السعودية. ولكن العنوان الرئيسي للحملة الأخيرة هو اتهام قطر بدعم الجماعات الجهادية مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، وهي تهمة توجه إلى السعودية أيضا، وتصر على نفيها كما هو الحال مع قطر.
وقالت السعودية والإمارات إنهما ستتخذان خطوات إضافية بشأن هذه النقطة، بما في ذلك فرض قيود على الإقراض المصرفي لقطر والمعاملات بالريال.
وبدأ النزاع في التأثير على أسواق الطاقة الأوروبية، حيث ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي مع قيام اثنتين من الناقلات المليئة بالوقود القطري بتغيير مسارهما بعيدا عن البحر الأبيض المتوسط، ربما لتجنب عبور قناة السويس، التي يديرها الحليف السعودي في مصر.
ولدى قطر الغنية بالغاز ما يكفيها من الموارد المالية لتحمل الحصار, وتمتلك صندوق ثروة سيادي تبلغ قيمته 335 مليار دولار، وهو يمتلك حصصا في العديد من الشركات العالمية من فولكس فاجن إلى باركليز.
المقاومة
وقال «سانام فاكيل»، زميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاثام هاوس في لندن، إن قطر ستكون متحمسة للمقاومة في ظل التصور أن ما تسعى إليه السعودية هو تغيير النظام. وأكد «فاكيل» أن استسلام قطر لهذه المطالب يمثل تحديا لسيادتها، وبالتالي لشرعية الأسرة الحاكمة, ويؤكد: «أجد أنه من الصعب أن نصدق أنهم سوف يرضخون بسهولة».
حتى الآن، لم ترضخ قطر. انتهي أسبوع كامل من المواجهة ولا تزال الدوحة تتمسك بالتحدي. وقال وزير الخارجية «محمد آل ثاني» للصحفيين في الدوحة إن واردات المواد الغذائية التي تأتي عادة عبر الحدود السعودية قد تم الحصول عليها من مصادر أخرى. وقال: «يمكننا أن نعيش في هذا الوضع إلى الأبد”. وأضاف: «لسنا مستعدين لمناقشة أي تدخل في سيادتنا».
هذا لا يعني أن الضغط لن يثمر أي شيء في نهاية المطاف. الاقتصاد السعودي أكبر بأربعة أضعاف من الاقتصاد القطري، وعدد سكانها أكبر بعشرة أضعاف. هذا السوق الداخلي يساعد على عزل السعوديين عن أي تداعيات.
وتتشارك أسواق الأسهم نفس الرأي حول من هو أكثر عرضة للخطر. وفي حين لم يتغير المؤشر السعودي الرئيسي إلا بشكل طفيف خلال الأسبوع، انخفض المؤشر القطري بنسبة أكثر من 7%.
ولكن «فاكيل» يؤكد أن «أي نزاع من هذا النوع من المحتمل أن يفسد مناخ الاستثمار لكافة الدول». ويؤكد: «سيدرك المستثمرون أن هذه منطقة يمكن أن تنهار فيها القضايا السياسية بشكل غير متوقع».
عدم الاستقرار
ولا تستطيع السعودية تحمل المزيد من عدم الاستقرار في محيطها الإقليمي، في الوقت الذي تسعى فيه إلى جمع مليارات الدولارات من المستثمرين الأجانب من خلال بيع أسهم عملاقها النفطي، شركة أرامكو بحسب موقع بلومبيرج.
واعترف وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات «أنور قرقاش» أن سمعة الخليج كوجهة مستقرة لرأس المال قد تتضرر بفعل هذا الحصار قائلا: «لا أستطيع أن أنكر أن هذا الخلاف له خسائره».
وكان «قرقاش» انتقد قطر مؤخرا عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي؛ تويتر قائلا إنه يجب «الوصول إلى حل من خلال الدبلوماسية وليس من خلال اللجوء إلى إيران أو تركيا».
وقال «ثيودور كاراسيك»، وهو مستشار كبير في شركة «جالف ستيت أناليتكس»: «إذا أرادت قطر أن تقاتل، فإنها قد تهدد بالانسحاب من مجلس التعاون الخليجي، وهذا من شأنه أن يضرب الجهود السعودية نحو توثيق الاتحاد».
وقال «كاراسيك»: «يمكن أن تبدأ قطر سلسلة الخروج من التكتل». وقال إن هذه: «ستكون رسالة قوية لجميع الأطراف المعنية»، ومن المرجح أن تحصل على دعم خلف الكواليس من تركيا وإيران وحتى روسيا.
وهناك عضو آخر في مجلس التعاون الخليجي؛ الكويت، يقود الجهود المبذولة لضمان عدم وصول الأمور إلى تلك النقطة, وقد سافر أمير الكويت إلى السعودية وقطر لإجراء مناقشات لم يتم الإعلان عن نتائجها بعد.
وعرض «ترامب» وساطة وزير الخارجية «ريكس تليرسون». ويُنظر إلى الرئيس الأمريكي نفسه على نطاق واسع على أنه يقف في صف السعودية, وقد تعهد باتخاذ خط أكثر صرامة بشأن إيران، وأشاد بالملك سلمان كشريك رئيسي.
وهذا هو أحد الأسباب التي دفعت إيران إلى توجيه اللوم إلى السعودية والولايات المتحدة بعد هجمات طهران قبل أيام.
لفترة طويلة، كانت الملكيات الخليجية رمزا للاستقرار في المنطقة، وما يحدث الآن أمرٌ مثير للقلق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات