الطغاة الظالمون يغيظهم استمساك أهل الحق بدعوة الله تعالى وجهادهم لتحكيم شريعته، ويستفزهم جهدهم الدءوب في الإصلاح والتغيير، فيثورون محاولين القضاء عليهم – إن استطاعوا – أو على الأقل إزاحتهم عن طريقهم بكل الوسائل .
ولقد فعل الانقلابيون في مصر في حق الإسلاميين ما يعد إبادة جماعية، بعد أن أفلح الأحرار المصلحون بعد ثورة 25 يناير 2011 في إزاحة الطاغية المستبد، واختاروا رئيسا مدنيا مسلما أعلن أن الله غايته والجهاد سبيله لانتزاع حقوق الشعب من الظالمين واسترداد حرياتهم وكرامتهم من المستبدين .
فما لبث أن انقلب العسكر على الحكم وخطفوا الرئيس، وتحالف الانقلابيون مع شياطين الشرق والغرب وحاربوا الإسلاميين باعتبارهم إرهابيين، فلا حرمة لدمائهم، فقتل الجيش ما يزيد عن خمسة آلاف مسلم مصري خلال شهر واحد منذ بدء الانقلاب, منهم ما يزيد عن ثلاثة ألاف تم قتلهم وحرق جثث معظمهم خلال بضع ساعات في ميدان رابعـة .
وقضت المحاكم المصرية بالمخالفة لقواعد العدالة بإعدام العشرات منهم، وتم قتل العديد منهم بالرصاص الحي بعد القبض عليهم، فضلا عن موت العديد منهم تحت قسوة التعذيب أو الإهمال الطبي والمعاملة غير الإنسانية داخل السجون .
وثبت توجيه جهاز أمن الدولة للمصالح الحكومية وجهات العمل الأهلية بفصل المنتمين للتيار الإسلامي من وظائفهم في المؤسسات الحكومية وتشريد العاملين والموظفين بسبب توجههم السياسي فضلا عن مطاردتهم أمنيا بالتهم الملفقة دون جريرة ارتكبوها .
ولم تسلم المرأة المصرية من السجن والتعذيب والقتل والإخفاء القسري والانتهاكات الجنسية التي وصلت لحد الاغتصاب من قبل قوات الأمن.
وتنوعت المحن الواقعة على الأحرار المصلحين على النحو السالف بيانه ولم يبالوا، لكونهم يعلمون يقينًا أن طريق الدعوة حافل بالعقبات والأشواك, مفروش بالدماء والأشلاء، محفوف بالمخاطر والفتن والابتلاءات.
ولكونهم يفقهون قول الله تعالى: ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: 1-3, فهم مؤمنون أن المحن على طريق الدعوة سنة لازمة لا انفكاك عنها، ولا يمكن تفاديها ولا التخفيف من حدتها ولا تقليص مدتها، وأن عدم تعرض أصحاب الدعوات للمحن يشكك في صحة الطريق الذي يسلكونه .
الألم يصنع الأمل
وفي المحن, حيث الضيق والألم, يشعر المؤمن بضعفه البشري وحاجته إلى الله القوي، فيرجع إلى كتاب الله الكريم ويتدبر آياته ليجد أن الألم طريق المؤمن إلى الأمل، فيتعرف على حال خير خلق الله؛ الأنبياء الذين اصطفاهم الله, كيف أوذوا فصبروا وكان الألم يصنع الأمل ويدفعه إلى العمل.
تعريف الأمل: هو انشراح النفس في وقت الضيق والأزمات؛ بحيث ينتظر المرء الفرج واليسر لما أصابه، ويأمل في إنجاز ما فشل فيه من قبل، ولا يمل حتى ينجح في تحقيقه .
الأمل في حياة الأنبياء :روى الترمذي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَــدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ, فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ)، صححه الألباني.
ومع شدة البلاء الواقع على الأنبياء نجد الأمل والرجاء جل أخلاقهم، وهو الذي جعلهم يواصلون دعوة أقوامهم إلى الله دون يأس أو ضيق، برغم ما كانوا يلاقونه من إعراض ونفور وآذي؛ أملا في هدايتهم في مقتبل الأيام .
- محمد صلى الله عليه وسلم:
- ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )؛ هذه الجملة القصيرة ذات الكلمات القوية الشجاعة سجلها القرآن الكريم على لسان النبي الأمين صلى الله عليه وسلم يطمئن بها صاحبه الصدّيق، وقد لحق بهما الكفار في الغار حال هجرتهما من مكة إلى المدينة وأحاطوا بهما من كل جانب، بعد أن قال له لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله، فقالها النبي، يقول الله تعالى: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة/40.
- ( كيف بك إذا لبست سواري كسرى وتاجه )؛ قالها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحداث الهجرة أيضا لسراقة بن مالك لما أدركما وكاد يمسك بهما، فلما رآه سيدنا أبو بكر قال أُتينا يا رسول الله فقال: له النبي صلى الله عليه وسلملا تحزن إن الله معنا, فدعا النبي صلى الله عليه وسلم على سراقة فساخت يدا فرسه في الرمل فقال سراقة: إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ووعده سواري كسرى وتاجه.
- ( الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، وفارس، واليمن), ويربي النبي أصحابه على الثقة واليقين بموعود الله، وعلى التفاؤل والأمل، ففي هول وشدة غزوة الأحزاب التي وصفها الله بقوله تعالى: (إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (الأحزاب، فيروي البراء بن عازب قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء فأخذ المعول ثم قال: باسم الله، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: باسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: باسم الله، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا )
-نوح عليه السلام:
قال الله تعالى: { قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا ثم إني دعوتهم جهارًا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا } نوح : 5-9.
ظل نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه إلى الإيمان بالله ألف سنة إلا خمسين عامًا، دون أن يمل أو يضجر أو يسأم، بل كان يدعوهم بالليل والنهار, في السر والعلن، فُرَادَى وجماعات، لم يترك طريقًا من طرق الدعوة إلا سلكه معهم أملا في إيمانهم بالله، فأوحى الله تعالى إليـه أنه لن يؤمن معه أحد إلا من اتبعه، فصنع السفينة، وأنجاه الله هو والمؤمنين.
- يعقوب عليه السلام:
- قال تعالى: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) يوسف:87
ابتلى الله سبحانه نبيه يعقوب عليه السلام بفقد ولديْه: يوسف وبنيامين، فحزن عليهما حزنًا شديدًا حتى فقد بصره، لكنه عليه السلام ظل صابرًا بقضاء الله، وازداد أمله ورجاؤه في الله سبحانه أن يُعِيدَهما إليه، فقال لهم: ( تيأسوا من روح الله ) وحقق الله أمل يعقوب ورجاءه، وَرَدَّ عليه بصره وولديه.
- موسى عليه السلام:
قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) 61 – 66 الشعراء ، فقد طارد فرعون وجنوده موسى عليه السلام وقومه، فظن أَصْحَابُ مُوسَى أن فرعون سيدركهم، وشعروا باليأس حينما وجدوا فرعون على مقربة منهم، وليس أمامهم سوى البحر، هنا ظهر الأمل عند موسى عليه السلام فقال (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) فأمره الله سبحانه أن يضرب بعصاه البحر، فانشق نصفين، ومشى موسى وقومه، وعبروا البحر في أمان، ثم عاد البحر مرة أخرى كما كان، فغرق فرعون وجنوده.
– أمل أيوب عليه السلام :
قال تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) الأنبياء: 83
ابتلى الله سبحانه نبيه أيوب عليه السلام في نفسه وماله وولده إلا أنه لم يفقد أمله في أن يرفع الله الضر عنه، وكان دائم الدعاء لله، فلم يُخَيِّب الله أمله، فحقق رجاءه ، وشفاه وعافاه، وعوَّضه عما فقده .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات